صراع القديم والجديد

في مسرحية نور الدين فارس

البيت الجديد

   "البيت الجديد" عنوان يحمل اكثر من افتراض يوهم ان النص برمته يتناول دراما بيت جديد، يفترض ضمنا وجود بيت قديم يتأسس على انقاضه او يفترضهما معا،أو يتم التحول من الحالة الأولى(القديم)الى الحالة الثانية(الجديد).وسرعان ما تنفتح امامنا مغاليق العنوان،ونحن نكتشف جدران البيت المتصدعة وبيبانه المنخورة وارضيته الشاحبة وباحته الواسعة بفضائها الشرقي،وانفتاحها على غرف النزلاء الأربعة:صبري وفريد وحساني وراضي فضلا عن صاحبة النزل فخرية وابنتها بهيجة وزوجها الماكر شهاب ابو زبانة.هذه الشخصيات أو الأنماط الاجتماعية تشكل فرزا طبقيا تفرضه طبيعة العلاقات والمصالح فكريا واقتصاديا،يؤدي بعد خوضها عملية الصراع،الى اصطفاف تحدده طبيعة تلك العلاقات فينضم فريد(الموظف والمثقف)الى صبري(العامل البناء)،وينضم راضي،بفكره الرجعي المتخلف والمغلف بفسيفساء ديني الى حساني جلبي(التاجر الجشع الثري).أما شهاب أبو زبانة(الطفيلي)الذي استطاع بمكره ودهائه من خداع صاحبة البيت والزواج منها بهدف استحواذي مكنه من انتزاع سلطة البيت والهيمنة عليه واستنزافه اقتصاديا ومعنويا.وعلى الرغم من هذا تظل فخرية وبهيجة محور الصراع الدائر بين هؤلاء جميعا وهدفهم الاساس الذي يسعون اليه بكل الاساليب والطرق المشروعة وغير المشروعة.

      لقد نجح نور الدين فارس في جمع هذه العينات الاساسية من المجتمع العراقي في بيت واحد او وطن واحد،تنافس فيه بعضهم مع بعض لا من اجل اهداف انسانية نبيلة،إذا استثنينا شخصية صبري ، بل في سبيل اهداف انانية استحواذية قائمة على اساس استئثار كل منهم بثمرة البيت اليانعة بهيجة.بيت بغدادي قديم جعل منه مسرحا لتحرك الشخصيات وممارسة ادوارها لاسباب كثيرة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر،شعبيته وشرقيته التي على اساسها شيدت غرفه لتكون مطلة على باحته،فالغرف هنا تمثل الحيوات المختلفة لاناس مختلفين ومستقلين بعضهم عن بعض.

      المسرحية إذن تناولت بيتا قديما(على خلاف ما جاء في العنوان) ذا نظام محدد بفترة وجوده زمانيا ومكانيا،ووجود قوى متصارعة تروم الاستحواذ عليه وعلى ثمرته وتشرعن لهذا الاستحواذ عن طريق التخلص من مالكة البيت الشرعية فخرية والحصول على وريثتها بهيجة التي هي في جوهرها اشراقة البيت ومستقبله وتطوره اللاحق،وضمانة تلك القوى للحفاظ على نفوذها الدائم ورغبتها في ان يظل البيت القديم ، كمنظومة اخلاقية وفكرية جامدة ، على ما هو عليه. ولم يغفل نور الدين فارس عن اهمية البيت واجزائه مكانيا ودراميا لهذا وضع بهيجة وفخرية وشهاب في الطابق العلوي باعتبارهم اصحاب النزل ومالكوه. ووضع الآخرين كل في غرفته وحسب امكانياته المالية ونفوذه ونوع صلته بزوج الأم.الصراع هنا إذن يأخذ شكل صراع بين الفوق ممثلا بشخصية شهاب ابو زبانة وبين التحت ممثلا ببقية النزلاء وتمثل بهيجة اساس ذلك الصراع وهدفه الاكبر لهذا جعلها نور الدين فارس رمزا للتجدد ولبنة لتشييد اركان البيت الجديد فضلا عن كونها همزة للوصل بين النزلاء الذين تشير سهام العلاقات الدرامية الى ارتباطهم ، غير المباشر،بها وميلهم اليها من طرف واحد يبدو لنا من خلال طبيعة العلاقات التي تربطهم بزوج امها شهاب ابو زبانة . فالجلبي حساني،وهو تاجر ممنوعات،يحلم على الدوام باقترانه منها فيجزل العطاء لذلك الزوج ويمنحه ما شاء من الاموال على امل ان يردها له بشكل خدمات تقوم على اساس تجميل صورته في نظرها،أو انتزاع موافقتها على الزواج منه غير هياب بالوسائل ما دامت الوسائل توصله الى النتائج التي يرغب بها ويؤثرها لنفسه المجبولة على الارباح والمنافع.وتمتد معرفة الملا راضي بشخصية شهاب الى زمن اكتشافه او اطلاعه على سر زواج شهاب من احدى مالكات البيوت وقتله لها دون ان يترك دليلا على جريمته التي لا يعرف عنها شيئا الا ما عرفه الملا راضي واستخدمه كاداة للضغط على شهاب حتى يسهل طريق وصوله الى بهيجة.ويتحين فريد أفندي الفرص لملاقاتها وبث لواعج اشتياقه لها ورغبته فيها ولكنه وهو يفعل هذا تصطدم ارادته بارادة حساني جلبي الذي يقوم بتهديده وارغمه على الانسحاب ومغادرة النزل دون رجعة.ويظل صبري البناء الوحيد الذي يكتم حبه وعزمه على حمايتها والدفاع عنها ومشاركتها بناء البيت/الحلم أما شهاب أبو زبانة فهو الاخر يطمع بها ويحاول ايقاعها في شركه وهويعلم ان هذا لن يحصل قبل ان تموت زوجته فخرية وقبل خنقها والاجهاز عليها في اللحظة المناسبة تماما كما فعل مع زوجته السابقة(قبل بدء أحداث المسرحية).وبعد موت فخرية ياخذ الصراع طابعا اشد عنفا ومواجهة اذ لم يبق امام شهاب الا ان يؤدي التزاماته لحساني وراضي. ولكنه بما عرف عنه من دهاء ومكر ثعلبي يقوم باخبار الشرطة عن وجود تبوغ مهربة في دكان حساني فتلقي الشرطة القبض عليه وعلى الملا راضي معا ، وفي الوقت ذاته يغادر فريد النزل منتقلا الى نزل اخر فيخلو لشهاب الجو وينفرد ببهيجة واذ يهم بالهجوم والاعتداء عليها يخرج صبري البناء ، الذي كان مختبئا طوال فترة محاولة شهاب التحرش ببهيجة،ويجري بين الاثنين صراع عنيف يجرح فيه صبري ولكنه مع ذلك ينتصر على شهاب ليشكل مع بهيجة اساس عالم جديد وبيت جديد.

      هذه باختصار شديد مسارات الصراع الطبقي والدرامي في مسرحية نور الدين فارس"البيت الجديد"وهي من المسرحيات التي شكلت دعامة اساسية من دعائم المسرح العراقي بمستوى بنائها وبطريقة معالجة فكرتها وبقوة حبكتها وقدرتها على ادارة الصراع وشعبيتها.وهي كما قال استاذنا الراحل الكبير الدكتور علي جواد الطاهر:"خطوة مهمة في تأريخ المسرحية العراقية، سار فيها المؤلف بتؤدة وتقدم في لوحاتها في تمكن وانسياب ورمز بعيدا عن الضجيج بعده عن استجداء الاهتمام بالاساليب الرخيصة".

       والمسرحية بعد هذا وذاك تختزن طاقات هائلة من المعاني تمكن المخرج من وضع تأويلاته المختلفة واخراجها برؤى مختلفة لكمون القدرة فيها على استيعاب المعنى الانساني في ظرف يتسم بلا إنسانيته.وحاولت في بداية لوحته الاولى الاستفادة من التعبيرية في رسم صورة شبحية قصيرة معبرة عن الصراع وهدفه تبدو فيها الشخصيات الذكورية ملتفة حول انثى البيت اليانعة في محاولة لاحكام الطوق عليها والاستئثار بها . وبعد ان تتوارى جميع الاشباح يقدم لنا الكاتب النص باسلوب واقعي تبدو معه اللوحة التعبيرية فائضة ومقحمة فنيا في نص قال كل شئ باسلوب واضح شفاف كشف عن عمق الصراع وجوهره الاساس دون حاجة منه الى الترميز والاشارات والدالات الساندة للعملية الدرامية برمتها.وقد ساعدت اللهجة العامية البغدادية الدارجة على تسهيل مهمة النص الاجتماعية وقبوله بيسر من لدن القارئ والمشاهد على حد سواء . ولعل من افضل حسنات هذا النص انه جاء بلهجة مهذبة تفتقر اليها مسارحنا الشعبية الان مما يدل على ان نور الدين فارس لم يختر هذه اللهجة لقدرة الكبيرة على الايضاح والافهام والاستيعاب والإضحاك،وإنما استخدمها بعد ان جعل منها لغة درامية قابلة لاستيعاب اصعب المفاهيم واعقد المعاني العلمية والانسانية اذ استطاع ان ينقل لنا بوساطتها مفهومه الديالكتيكي للصراع الطبقي وموجهاته في مجتمع بدت فيه بوادر الصراع والاصطفافات الطبقية بالظهور الى سطح الواقع الحياتي المعيش. لقد كانت اللغة طيعة قريبة من نفس المتلقي قارئا ومشاهدا، سهلة الهضم ، سهلة الإيصال،كثيرة الالتماعات ، نافذة الى عمق التجربة ومستوعبة لكل اغراضها الفنية والفكرية.

     وعلى صعيد الإخراج لم تنل المسرحية حظها كاملا اذ لم يخرجها على نطاق جماهيري سوى المخرج عبد الوهاب الديني في بغداد عام 1969.وأعاد إخراجها لفرقة مسرح بعقوبة للتمثيل صباح الانباري برؤيا حاول ان تكون مختلفة عن رؤيا الدايني عام 1975.وعن التفسير الإخراجي الخاص بالديني كتب محي الدين زنكنة في مقالته الموسومة "البيت الجديد بين الطموح.. والواقع المتحقق" قائلا*:

   "إذا أبعدنا من حسابنا الرمزية التي ينفيها بناء العلاقات ومواقعها كما تقدم بقي امامنا التفسير الذي قدمه المخرج عبد الوهاب الديني لنفس المسرحية حين اخرجها قبل اعوام في بغداد.إذ أراد ربما ضمن رغبات المؤلف احالة بهيجة الى رمز للسلطة،أية سلطة،يتهالك حولها الكل بلا استثناء،وأيضا بنفس القدر من الحماس والحرارة.هذا التفسير بقدر ما هو قسرا على النص يبدو متهافتا لا يصمد امام تكوين"بهيجة"الاجتماعي والنفسي التي لا تعدو اكثر من امراة مستسلمة ضعيفة،طيعة،فاقدة كل دور قيادي او ثوري بالرغم من كل صراخها أو زعيقها.."

وعن التفسير الاخراجي للانباري كتب في المقالة نفسها قائلا:

   "لم يبق بعد ابعاد هذين التفسيرين للمسرحية الا ان ننظر الى "بهيجة" كامراة يانعة يشتهيها الذئب البشري المتقمص بشخص شهاب وكذلك راضي وحساني بحكم تواجدهما معا في بيت واحد،وايضا فريد،ذو الطموحات المحدودة المتعلقة بحدود العثور على امراة والاستكانة الى جانبها.كما يقدم أيضا التبرير المعقول لعلاقة صبري بها ورغبته في إنقاذها.وهذا التفسير هو الذي استند اليه المخرج صباح الانباري فاستطاع على ضوئه ان يقدم لنا رغم بعض الهنات عرضا شيقا رصينا ، خدم النص كثيرا وساهم الى حد بعيد- في ردم الفجوات التي تعتمل في النص من غير ان يحجز عن الجمهور الايحاءات الفكرية التقدمية التي ارادها المؤلف".

       لقد مسك الدايني،برأينا ، بخيط التعبيرية الذي وجده في مقدمة النص وحاول على ضوئه جعل ديكور المسرحية تعبيريا هو الاخر اذ اكتفى بالاطارات المستطيلة الفارغة كدالات على وجود غرف النزل مستبعدا الواقعية في مسرحية كل ما فيها واقعي.وحاول أن يسبغ على الشخصيات رمزية لم تكن مؤهلة لاسباغ طبيعتها على طبيعة الشخوص.

      ومثلما فعل الدايني فعل الانباري حين مسك بمقدمة النص مستبدلا اللوحة الراقصة بصورة رمزية تظهر بهيجة مربوطة بحبال يشدها بقوة شخوص المسرحية الذكور ثم تقوم بحركة انتفاضية تتقطع على اثرها تلك الحبال فتتخلص من قيودها وتنطلق نحو حريتها.وبقدر ما استطاع هذا الفعل من شد حماس الجمهور واعجابه وتصفيقه سقط في الخلط الواضح،غير المبرر بين رمزية اللوحة الاولى وواقعية النص نوعا ومبنى.وإذا كنا قد سقنا هذين المثالين لعرضي المسرحية فاننا ابتغينا من وراء ذلك،الكشف عن إمكانيات النص التأويلية وتنبيه المخرجين الى ضرورة اعادة اخراجها خاصة وان ظرف الصراع الحالي يتشابه الى حد بعيد في بعض أوجهه،مع ظرف الصراع في زمن كتابة النص فضلا عن الحاجة الماسة اليها من قبل جمهور النظارة العراقي.