البـــــــوح المكتـــوم في كتابات محي الدين زنكنه

  عندما وضعت اللبنات الأولى لكتابي الأول( البناء الدرامي في مسرح محي الدين زنكنه)اعتقدت أنى سأبيح لنفسي البوح بأسرار لم يستطع النظام الرقابي المقبور الوصول إلى   جوهرها ومعرفة إلى من يشير رأس السهم فيها.كنت مأخوذا بفرحة الاكتشاف والظفر بخفايا النصوص التي ظلت طوال ذلك الوقت كامنة وراء الكلمات ومتسترة برموزها وإشاراتها الدلالية.

 اضطررت ، أول الأمر، إلى اللف والدوران حول الكثير منها والدنو من مفخخاتها وتفكيك أنظمتها الإشارية دون أن اترك آثارا وأضرارا على أحد . لقد تعلمت وأنا أقرأ بوح محي الدين زنكنه المكتوم استخدام الأداة النقدية لتكون سلاحا قابلا للهجوم على النظام وازلامه و الدفاع  ضد هجومهما في آن . لست زاعما أنى خضت حربا نقدية ضروسا أو حققت تفردا في إسقاط النقاب عن وجه السلطة الغاشمة لان ما فعلته كان دون جرأة زنكنه وشجاعته الأسطورية . ولا يعيبني أن اعترف بخوفي من الرقيب وتهوره والنظام الجائر ودمويته . لقد قمت بالتنويه والإشارة إلى البوح المكتوم دون الدخول فيه أو الخوض في تفاصيله حرصا على سلامة زنكنه أو حفاظا على شهادته وإيمانا مني بنقل تلك الشهادة إلى أجيال ما بعد السقوط .

 الآن ، وبعد زوال اكبر قلعة من قلاع الاستبداد والدكتاتورية في بلادنا، تفرض الأمانة التاريخية علي أن أكون شاهدا على من كان شاهدا جريئا ،على زمن صودر فيه حق الإنسان في التعبير عن رأيه ، وكاتبا صادقا افترشت ألغامه المضادة للإرهاب الفكري حقولا لها بين طيات أعماله الأدبية منذ عام 1967، عندما كتب أولى قصصه القصيرة( الجراد )،التي تحولت فيما بعد إلى عمل مسرحي كبير لم يجرأ أحد وقتذاك على تقديمها من على خشبة المسرح العراقي، ذلك لأنها تمس كبد الحقيقة متوغلة إلى أقصاها وكاشفة عن اقبح وجه لأشرس هجمة شهدها الوطن عام 1963،العام الذي تحول لون الوطن فيه إلى لون الدم ،دم الذين قتلوا غدرا وتعذيبا واغتصابا، أو الذين تركوا في الزنزانات معلقين بالمراوح أو تركت الأنابيب المطاطية لتملأ جوفهم بالماء من فتحاتهم السفلية أو.. أو .. الخ .. الخ ..

   كان ما يسمى بالحرس القومي مصابا بالسعار ، وربما كان السعار مصابا بالحرس القومي فراح يقضم عظام أبناء الوطن فرادا وجماعات ، خفافا وثقالا .كانوا يعظون كل من لم يتحول إلى صفهم الجرادي ، ثم أشاعوا نوعا جديدا من العلاقات أطلق عليها المرحوم يوسف عبد المسيح ثروة ، حين تناول موضوعة المسرحية ، بـ (( العلاقات الجرادية )) ، تلك العلاقات التي فرضت على الناس خيارات ثلاث : الدخول إلى معاقلهم الفكرية / القومانية أو دفع الفدية أو الموت.فدخل الكثيرون مكرهين ، ودفع من كان ميسورا ثمن بقائه حيا ، ومات الآخرون في دهاليز التعذيب أو في مواجهات مسلحة جريئة .

يقول زنكنه محرضا في الصفحة الثانية و السبعين(1):

        (( أعلنوها  حربا لا هوادة فيها على الجراد .. وكل الحشرات القذرة ))

ولكن ما فعلته سلطة الجراد هي إنها بدأت بمهاجمة أوكار المقاومة وإبادة المقاتلين والمقاومين لتتفرغ ، بعد ذلك ، لأبناء الوطن العزل . وقد جسد زنكنه هذا من خلال رموز لم تكن قراءتها مستعصية جدا فقد رمز للمقاومة بالمبيد ، الذي جعله عنوانا للمشهد الأول ،ورمز لقوة الحرس القومي  بالجراد . وإذا كنا قد فسرنا هذين الرمزين ، أبان حكم النظام المقبور ،وقلنا إن الجراد هو القوة الاستعمارية الغازية وان المبيد هو المقاومة أو وسيلة المقاومة الفعال فلأننا أردنا فقط أن نتحاشى  أذى السلطة ودمويتها . ولقد عبر زنكنه بصريح العبارة ، عن آلامه ، وهو يرى ابشع غزو وطني ، إن جازت التسمية ،وما تركه من آثار الخراب والدمار والعنف والابتزاز والقتل والإرهاب حد   انك لا تصدق إن هؤلاء الموتورين هم من أبناء هذا الوطن . لقد كانوا ناقمين ، ممتلئين بالأحقاد والرغبات المهولة في الانتقام ومثابرين بدأب على انتهاك اغلب ، إن لم نقل كل حقوق الإنسان العراقي .  

يقول زنكنه في الصفحة في الصفحة السادسة والعشرين(2) :

              (( إن المرارة تنخر في عظامي وسحابة سوداء تغشي نظري ، هذا الواقع  الذي أحياه يعصرني عصرا .. يملؤني خجلا وعارا أحياهما حتى أطراف أصابعي .. آه .. لكم أنا خجل منه .. من نفسي .. منكم .. من زماني .. من عصري .. من كل شيء .. كل شيء .. إلا لعنة البشر كله على الجراد . ))

       لقد أعلن زنكنه موقفه من الطغاة بلا خوف وبلا وجل في الصفحة مائة وثمان وعشرين(3) :

           ( لقد اتسخ العالم .. القذارة تدحر النظافة .. تنخر في الماء .. في الخبز .. في الهواء .. حتى النافذة العليا ، التي عبرها يأتينا بين الحين نفحة هواء نقية .. قد اتسخت الآن .. أخذت تفوح برائحة الجثث .. الجثث الطافية فوق المياه .. كالجندول .. يا للسخرية .. الماء تغطيه الجثث .. الماء جثث .. وأنا هنا جثة وأنت أيضا جثة .. الكل جثث ) .

       وعلى الرغم من بساطة لغته ووضوح رمزيته لم يستطع أزلام الرقابة التعرف على وجوه نظامهم البوليسي المتخفية وراء هذه الكلمات الا بعد حين ، وكان الأوان قد فات على اتخاذ قرار سحبها من الأسواق أو إعلان الموقف منها أو من كاتبها ، وبات الرقباء مثل ( بالع الموسى ) .

       بمرور الوقت اشتدت الهجمات الجرادية شراسة وصار الحرس المسعور يمارس علانية هوايته في القتل والذبح وقطع الأعناق حتى تحول الوطن إلى بركة دم حمراء دون أن يحرك العالم ساكنا فراح زنكنه يستصرخ الضمير ويسائل نفسه في الصفحة مائة و اثنين وعشرين(4) :                                                    (( ألا يهتز ضمير إزاء ما يجري .. ألا يحتج .. ألا يتحرك .. ؟ ))

 (( من المسؤول إذن ؟ .. آه إن كل قطرة دم تسفك تتحول صرخة عذاب .. وعلامة إدانة .. لنا .. نحن الذين قدر لنا أن نحمل صليب العالم ))                                                                  لقد كانت هجمات الجراد / القومي شرسة إلى ابعد حد .  قاسية في مسخ الناس وتشويه أفكارهم الإنسانية.مستأسدة في افتراس البشر وإيذائهم .وموجهة بأيدي خفية لتطلق همجيتها على العراق . أرادت أن تنال من الجميع وفوجئت بوجود من لم يرضخ لها .

يقول زنكنه على لسان الفتاة في الصفحة السادسة والتسعين (5):

      (( ستختفي كل الظلمات ذات يوم وسيعم النور والإخاء .. وسنأكل ونشرب ونحب ونتزوج وننجب . و يقول على لسان الشاب في الصفحة مائتين وثلاثين :

     (( لا .. لا .. لن أكون جرادا .. لن يهزمني الجراد لن نكون جرادا .. لن نكون جرادا )) .

      وإذ (( يسقط المسرح في عتمة شديدة في الوقت الذي يغمر القاعة نور احمر بلون الدم )) نخرج من المسرحية متفائلين بهذا النور الذي يشع بقوة الأفكار اليسارية وانتصارها ولو بعد حين .

      في قصة زنكنه (نثارات حلم تبحث عن حالم ) التي نشرها عام 1992 في مجلة الأقلام وتضمنتها ، فيما بعد ، مجموعته القصصية ( الجبل والسهل ) (6) عام 2002 يرفع الستار على معاناة الشعب العراقي وتشظياته وعن وعيه وضياعه واختناقه وموته البطيء . كل هذا يضعه منذ اللحظة الأولى ، أمام سلطة الطغاة غير هياب بالنتائج وما سيقرره المستبدون.إن معاينة سريعة  لعنوان هذا النص تشي بجرأة تسبق الدخول إلى عالم أفكاره الجريئة . في العنونة إشارة واضحة إلى تشظي الحلم إلى نثارات مبعثرة هنا وهناك ، ومحاولة جمع شتاتها والحفاظ على وحدتها ( وحدة   الحلم ) عن طريق وسيط ما أو حالم ما . وبدلا من بحث الوسيط عنها تنقلب المعادلة فتبحث هي  عنه عبر سلسلة من الأفعال الادائية التي كلما اقتربت من هدفها بعثرتها أيد خفية ونثرتها على  أرضية الضياع . يقول زنكنه في مطلع هذه القصة :

      ( عثرت على نفسي بعد طول ضياع ولهاث واختناق فوق تلة ،مسكونا برعب شديد ،اجهل باعثه . وعبثا أحاول عاصرا ذهني أن أجد بين تلافيه سببا يبرره ، أو ، في الأقل ، يحمل إلى بعض القناعة والاطمئنان ).

     وفي هذا إشارة صريحة إلى القوة التي غيبته وضعيته وشوشت عليه حد انه لم يعد قادرا على معرفة مبررات تلك الأفعال لان عالمه غيب عنه ، كما يقول زنكنه ، العقل والمنطق .كيف لا وقد زرع الطغاة الموت في كل شبر من ارض الوطن حتى حولوه إلى مقبرة وطنية ومارسوا ابشع أنواع الجينوسايد ضد أبناء الوطن حتى امتلأ الوطن بالمقابر الجماعية .. يقول زنكنه واصفا مدينة كركوك إنها :

( تستقبل القادم من الشرق ، بدلا من باقات الزهور .. مجموعة هائلة من القبور مجللة ، إذ ترتدي المدينة ليلها بحمرة نيران بابا كركر الأزلية المشتعلة ليلا ونهارا وصيفا وشتاء ، قبر لصق قبر .. قبر فوق قبر .. قبر تحت قبر .. قبور .. ولا شيء سوى القبور التي بات عددها يزداد على مر الأيام ومساحتها تتسع وهي تمضغ لحم المدينة وضحاياها يكثرون وهي تفتك بالأحياء )  أباح لهذه المقابر أن تنمو زاحفة نحو المدينة محتلة إياها ومحولة بيوتها الى مقابر للأحياء؟! بجرأة ووعي وصدق يجيبنا زنكنه إن وجها واحدا أو قناعا واحدا يتجسد في آلاف الأقنعة أو إن آلاف الأقنعة تتجسد في   وجه واحد هو وجه المستبد الأحد الأوحد الذي يقرأه زنكنه على الوجه الآتي:

      ( أقرا بمعونة بابا كركر .. لا أحد .. سوى أحد .. فانكفئ على نفسي مصعوقا..آه إن الحياة تواصل مسيرة شقيقتها التوأم بكل تفاصيلها ووقائعها حتى لا تبقى ثمة غير حياته..واحدة .. سوى حياة واحدة..وحيثما تعددت صورها وأشكالها وتباينت ألوانها وخطوطها فلها وجه واحد..هو   وجه الأحد هو الوجه الواحد... كثير التجاعيد كثير الأقنعة .. ولكن في النهاية كما في البداية هو ،آه أين المفر .. أين المفر ..من الوجه المختبئ خلف آلاف الأقنعة ؟ كيف الخلاص من آلاف   الأقنعة التي تخفي الوجه الواحد ؟ كيف ؟ كيف كيف .. أين .. أين ؟؟؟ ) .

ويستمر زنكنه ببث أفكاره المتدرعة بالحلم،ويستمر بوحه المكتوم عن أفعال الطاغية والخوف الذي زرعه في كل نفس وفي كل بيت ومحلة ومدينة ولا سبيل لقهره حتى بالخوف نفسه بعد أن صارت البلاد بلادا للخوف . يقول زنكنه بجرأة المبدع  في الصفحة السادس عشرة (7):

 (( الخوف يكاد يلاشيني وخوفا من أن يقضي علي الخوف ويلغي وجودي تماما .. وحرصا على نفسي ونوعي من الانقراض الأبدي يعزز تشبثي المشروع بالحياة ) .

فالخوف في ( نثارات ) متعدد الوجوه ومتشعب ومكدس بعضه فوق بعض .وان المقابر الجماعية لا بد وان تؤدي يوما ما , بحكم زيادة مساحتها وعدد سكانها من الأموات ،إلى انقراض النوع ولكن أي نوع ؟طبعا النوع الذي على شاكلة الراوي الذي يشكل خطرا حقيقيا على وجود الدكتاتور وسلطته المستبدة واز لامه الطغاة الذين لا يتورع زنكنه عن تسميتهم وحوشا :

 (( أيها السادة الوحوش .. أيها الوحوش السادة  ))

ويصل البوح المكتوم أقصاه حد أن الفواصل بين البوح وبين الكتمان تزول تماما إذ يتحول زنكنه  إلى ما يشبه التصريح والمجاهرة بالرأي والموقف وتشبيه الحال الذي آل أليه الدكتاتور والكيفية التي سلكها للوصول إلى دفة القيادة :

          ( من بعيد المح .. كبشا غريب الهيئة .. شاذ الخلقة متوجا بقرنين ..أشبه بحسامين يقطران دما .. يصعد الخرفان .. كما لو كان جسرا معبدا له ،كاشفا بتعمد ،أو زهو ، عن أرجل مصبوغة من بدايتها إلى نهايتها بالدم ، وهو يثغو بعواء متقطع ، ويشير بظلفه الذي يسيل دما ، إلى جسد خروف ممزق .. كأن مجموعة ذئاب  غادرته للتو .. ويقول بكلام فصيح .. هذا عقابي . ابسط عقاب واكثر رحمة .. أنزله بكل من يخرج على الإجماع الخروفي في عالمي الجديد ) (8)

إن التصريح بحقيقة الدكتاتور ( الكبش غريب الهيئة ) بهذه الطريقة جعل مسألة الاستسلام له أمرا غير قابل للرد أو المناقشة . وصار الانسياق وراء خطواته أمرا مفروغا منه بعد أن تحول الكل إلى خراف وديعة طائعة مطيعة تصفق بحماس للكبش حتى تدمي اكفها من ضراوة التصفيق . كيف لا وهي تدرك تماما إن من يصفق طويلا يعيش متنعما بهبات ( القدر القائد ) الذي يقود الجميع إلى ( مجاهل مجهولة ) أو إلى حتوفهم .

      لقد بث زنكنه كل معاناته من النظام الدموي المقبور في نثاراته مشخصا طبيعة ذلك النظام وواصفا كيفياته التي على وفقها تسلم السلطة وتربع على دست الحكم مقدما صورا واضحة بينة عن رأس . تلك السلطة بطريقة فنية تمكن من خلا لها البوح بشيء والتكتم على أشياء .

      لقد وصف أحد المتابعين لكتابات زنكنه ، وقتذاك بان ( نثارات حلم تبحث عن حالم ) هي العمل الأكثر جرأة من بين سائر أعماله ونصوصه الإبداعية .  وهو وصف قد لا نتفق على منحه لهذا النص الإبداعي دون غيره لان اغلب النصوص التي تصدى فيها زنكنه لبطش السلطة  وارهابيتها قد اتصف بالجرأة نفسها ولكن يمكننا القول انه لم يبح في عمله هذا بوحا مكتوما بالقدر التي تحصنت به نصوصه الأخرى.ان شفافية الرمز سهلت للقارئ مهمة التوصل الى دلالته بأسرع مما توصل اليها  في النصوص الأخرى او لهذا جاءت حماسته واضحة في إضفاء عبارة(( الأكثر جرأة )) على هذا النص . وحقيقة الأمر ان زنكنه وهو يكتب نصه الإبداعي يأخذ في الاعتبار مدى تشدد الرقابة السلطوية في ظرف ما ، ومدى ترهلها في ظرف آخر . ولهذا لم يستطع ان يقدم نصه القصصي الطويل (( الموت سداسيا )) (9)على سبيل المثال لا الحصر ، إلا بعد ان منح هذا النص  عنوانا ساهم بدرجة كبيرة في استغفال الرقيب و استبعاد مقصه عن الموضوعة التي حملها زنكنه    كل   معاناته و آلامه و حزنه على مدينته التي لم تعد كما كانت قبل استحواذ المستبدين عليها.لقد   اطمئن الرقيب لتأويله و اعتقاده ان المستبدين في القصة إنما هم أولئك الذين اغتصبوا الأرض باسم .. .. . ولم يفطن الى انهم أسياده المستبدون المتسلطون على رقاب الكورد بشكل خاص و العرب بشكل عام.  و لو افترضنا جدلا ان القصة استطاعت إيهام القارئ أيضا فان عودة قليلة الى الوراء ستكشف له، بعد إسقاط واقع القصة و أفعالها على واقع السلطة و أفعالها، عن تماهي إحداهما في الأخرى .

      تبدأ قصة الموت (سداسيا) بالتصريح ان الحرية عادت للفتى الذي سلخوا حريته زمنا طويلا و سمحوا له بالعودة الى مدينته بعد ان غيبوه في غياهب سجونهم و بعد أن ساموه مر العذاب وعلموه كيف يستخدم حريته مرة ثانية و كيف يتصرف بها في إشارة تهديدية تضمن عدم مطالبته بأي شئ كان فيما مضى ملكا له و جزء من حقوقه فقانونهم يقضي:

      "انه.. من حق السلطة السماوية و الأرضية، التي هي ظل للأولى.. و وجه من وجوهها  المتعددة .. أن تضع كلتا يديها على الأموال المنقولة و غير المنقولة التي يرثها أفراد.. لا يؤهلهم القانون للتمتع بما يرثون"

      و هذا يعني أن زنكنه حاول أن يقول من خلال نصه، بالحرف الواحد، ان ما يحدث للناس علانية، و على رؤوس الأشهاد، يحدث للعراقي في السر والخفاء. وأن السلطة تشرع لاستلاب كل ذي حق حقه بوساطة سنها للقوانين المجحفة أو رجوعها الى اكثر القوانين قدما و رجعية كالقانون الذي كان مفعوله ساريا في العراق قبل أربعة آلاف عام. يقول نص ذلك القانون:

      "إذا قيد رجل رجلا آخر، بسبب قضية لا يعرف عنها.. (المقيد) شيئا. ولم تثبت علاقته بها. فعلى الرجل الأول أن يتحمل أي جزاء يترتب على القضية"

      و يستمر زنكنه في بوحه المكتوم و إطلاق صرخاته الصماء في وجوه الطغاة و البغاة محولا كلماته الى مرايا تعكس بشاعة وجوههم و سفالة أفعالهم.. و القدر الهائل من القذارة التي تغطي هاماتهم. و على الرغم من إقراره ان القذارة انتصرت على النظافة الا انه يؤكد على ان من الزهو  و الخيلاء " ان يحتفظ المرء بضميره نظيفا في دنيا تفيض قذارة و تزداد اتساخا "

      و ان قصة (الموت سداسيا) تسوق لنا أمثلة كثيرة على تلك القذارات و قصصا و حكايا و مشاهد مسرحية و أحداث كلها تؤكد على ان السلطة نشرت قذارتها في كل مكان. فمن خلال حكاية زنكنه عن الراعي و الرعية يتضح ان لاحق للراعي بالتساؤل عن لحم قطيعه لان لحمه هو لم يعد ملكا له و عليه أن يغلق فمه أو يغلقونه اغلاقته الأخيرة. و إذ لم يكتف زنكنه بفضح هذا الظلم الهائل يلجأ الى وضع هامش طويل اسفل الصفحة يتحدث فيه بوضوح اكثر عن ظلامية السلطة و قسوتها و قضمها لحوم أبناء الوطن و سترون إذا قيضت لكم العودة الى ذلك الهامش انه موقع باسم زنكنه الصريح. و في هذا حسب رأيي جرأة كبيرة تجاوزت البوح المكتوم الى البوح المعلن الصريح. و في موضع آخر يسوق لنا زنكنه أحداث مشهد مسرحي صغير يكشف من خلاله انسحاق المنظومة الخلقية و تردي الواقع الاجتماعي و بلوغ الفساد مبلغ التدهور و الانحطاط و هو مشهد حاول زنكنه عن صاحب الفواكه الذي يشكي ما حصل له جراء تعرض فواكهه للتعفن بعد أن طال خزنها في محله بسبب الثواني التي تحولت الى أيام مخصصة للقضاء على الوحش  كما تدعي السلطة،وبالجرأة نفسها يضع لنا هامشا آخر مختوما باسمه الصريح فضلا عن وجود اسمه في متن ذلك الهامش إذ   يقول باعتداد كبير((  أنا محي الدين زنكنه مؤلف القصة. و خالق أحداثها و شخوصها.فقد استطعت بعد إجراء بحث دقيق. مصنف طويل.. أن أتوصل الى جملة حقائق .. أضعها في خدمة التأريخ و الحقيقة... وكل من يهمه أمرهما تاجر الجملة هذا.. لم يكن اكثر من أحد الأشقياء. و لكنه هنا حيث تتزمكن القصة اصبح فجأة صاحب بستان تفيض بالخير و العطاء. دون أن تخترق قدمه شوكة.. أو يسكب جبينه قطرة عرق. سوى أن حريته اخترقت العديد من الأجساد..و سكينه سكبت سواقي من الدم.))                                                           م. زنكنه

      انه هنا يتحدث حديثا مركبا من عنصرين الأول يتركز في حق السلطة في امتلاك كل شئ و الثاني يتركز في بضعة أشياء هي من حق السلطة مثلما أن هؤلاء الآخرين هم ملكها أيضا ومن   حقها التلاعب بمصائرهم و إراقة دمائهم هما إذن وجهان القتل و الجشع و قد يؤدي أحدهما الى الآخر أو الى الدم. هكذا صارت المدينة التي هجرت السلطة ناسها وسلخت حرياتهم و ألقت بهم  في السجون و المعتقلات و صادرت ممتلكاتهم كلها يقول زنكنه واصفا مدينته البائسة: "آه.. آه  أكاد أتقيأ أحشائي.. . من رائحة الدم المتخثر التي اكتسحت الروائح الأخرى، كلها، في هذه المدينة، مدينتي، البرتقالية.. . المشبعة.. . برائحة القداح.. . و الأشجار.. . اللعنة.. . ما الذي  يجري في مدينتي البائسة؟ لقد تسمم حتى الهواء و فسد.. . ستخنقها العفونة." .

      و يستمر بوح زنكنه في هذه القصة حتى و هي تقترب من نهايتها ولم نعثر على ما يشير الى ان هذه البيئة ليست عراقية كما يوحي عنوان القصة بل عثرت على كل ما يشير الى عراقيتها و           كركوكيتها تحديدا.. انها مدينة الكاتب و مسقط رأسه وقد خلت من أهلها و اغتصبت بيوتها و انتهك قداستها الداعرون و لكن على الرغم من هذا كله يظل ثمة أمل يلوح في الأفق البعيد الذي يبشر "بحمرة خفيفة. أشبه بحمرة الفجر الوليد".

      في قصة (سبب للموت..سبب للحياة) يتحول بوح زنكنه من الكتمان الى المجاهرة،بعد تعرض شخصية القصة الرئيسة للتعذيب و الضرب على مؤخرة الرأس بالمطرقة فيقول منتفضا:

" لقد ملأتم كل القدور و الأواني و البراميل بالدماء فأين ستذهبون بدمي الذي سيظل

يسيل و يسيل حتى تطفح كل الأواني التي تلقيتموها هبات و هدايا.. فان أيا منها لم

يعد يحتاج الى اكثر من قطرة واحدة ليطفح. ليسيل و إذ ذاك سيحدث الطوفان

الذي سيجرفكم أو يخنقكم في عقر دوركم."(10)

      و يجعلنا زنكنه نزداد نقمة على ازلام السلطة عندما نعرف انهم يمارسون كل ذلك التعذيب  مع شخص برئ لم يرتكب ما يؤدي الى تعذيبه. و ليس له علاقة مع أي سياسي تلاحقه السلطة أو أي جهة معارضة أو مقاومة لنظامهم.و إذ يرى هذا البريء قسوتهم و إيغالهم في تعذيبه و إراقة دمه يطلق صرخة مدوية في وجوههم: "انتم وحوش" .

      ولكن كيف تبدو هذه الوحشية في نظر محي الدين زنكنه؟ و كيف تتجسد في شخصية المستبد من الناحيتين الرمزية و الواقعية ؟

     رمزيا يرسمه زنكنه في قصة (حيث الناس يعيشون كالهواء) بوجه ملئ بالدمامل،في إشارة لقبحه  و قبح نظامه الديكتاتوري، و بأسنان صفراء بعضها أسد و بعضها حصان، في إشارة للؤمه وحقده    و قدرته على أكل الزرع و الضرع، ثم يضع له قرونا طويلة تناطح السحاب في إشارة لجبروته و قدرته على النظر الى كل الكائنات من الأعلى نظرة استعلائية و عدائية. ثم يجعل من أنفاسه كريهة لسوء ما ينطق به و لبشاعة ما يصدر عنه من كلمات. انه في نهاية الأمر يشبهه بأشرار الميثولوجيا القديمة. اما من الناحية الواقعية فان زنكنه يصفه بالطاغية المتجبر الظالم المستلب المستغل المغتصب السادي الكبش الوحش .. ولو عدنا الى (نثارات حلم تبحث عن حالم) لوجدنا صفاته الكبشية مرسومة بالصورة الآتية :

      " من بعيد المح.. . كبشا غريب الهيئة.. شاذ الخلقة.. متوجا بقرنين.. أشبه بحسامين يقطران دما.. يصعد ظهور الخرفان.. كما لو كانت جسرا معبدا له.. كاشفا بتعمد، أو بزهو، عن أرجل مصبوغة من بدايتها الى نهايتها بالدم. و هو يثغو بعواء متقطع.. .و يشير بظلفه الذي يسيل دما... الى جسد خروف ممزق.. . كأن مجموعة ذئاب غادرته للتو...ويقول بكلام فصيح... هذا عقابي.. ابسط عقاب و أكثره رحمة... أنزله بكل من يخرج على الإجماع الخروفي في عالمي الجديد.).

     و في مسرحية (السؤال)(11) يصف سلطة ذلك الطاغية بانها سلطة غائبة و غافلة عما يحدث للناس ما دامت قد نامت منتفخة البطن متخمة. و سوف لن تستمد منطقها الا من المرتشين و السماسرة  و اللصوص و القتلة.. و عليه ما دام الزمن هو زمن هؤلاء فلن يكون ثمة عدل على الإطلاق ولم يخف هذا على الرقيب فهو يدرك إدراكا تاما ان الزمن هو زمن الكلاب و لهذا حذف من بحثي الذي قدمته للوزارة يومذاك تحت عنوان السهل والجبل حذف جملة " لا عدل في زمن يتسيده المجرمون و القتلة" .

      لقد كتب زنكنه مسرحية (السؤال) وكانت القوى الوطنية قد تحالفت مع السلطة البائدة في جبهة ائتلافية موحدة ظنا من القوى الوطنية أنها تستطيع من خلال هذه الجبهة الوصول الى أهدافها الوطنية النبيلة فما كان من زنكنه الا أن  كتب "السؤال" محذرا فيها الشيوعيين، تحديدا من جريرة هذا الائتلاف و نتائجه التي سوف لن تختلف كثيرا عن نتائج المسرحية .

      لقد أراد زنكنه القول ان من الصعوبة الجمع بين الماء و بين النار، بين الحمل و الذئب، بين الخبث و بين الطيبة..وعليه أوصل (صفوان) نفسه و محبيه الى حالة لا أحد يوافقه عليها.و مع ذلك فهو يصر على أن العدالة يجب ان تأخذ طريقها الى القاتل الحقيقي دون أن يبد اهتماما لزمانه   المنهار الذي سبقه و تجاوزه، بفكره، الى زمان آخر يسود فيه الحق و الجمال. كما كانت القوى الوطنية تصر على قدرتها على تغيير الواقع و إمكانيتها على تحقيق أهدافها الإنسانية النبيلة و قد كانت النتيجة ان دخل صفوان السجن ليذيقه المتسلطون مر العذاب كما دخلت القوى الوطنية عموما و الشيوعيون خصوصا الى سجون النظام بعد سلسلة من المطاردات و المداهمات و الاعتقال و الضغوط النفسية و الاجتماعية و هكذا نفهم فهما موضوعيا ان (صفوان) سلم نفسه الى قاضي القضاة و صاحب و صاحب البريد و صاحب الشرطة ليذبحوه ففعلوا ذلك ببرود.و هنا لا بد لي ان اذكر مفارقة مهمة حدثت إبان عرض المسرحية على خشبة مسرح بغداد إذ قدم المظلومون أو   لنقل من أرادوا أن يكونوا مظلومين باقة ورد لزنكنه إعرابا عن إعجابهم بمسرحيته دون أن يأخذوا في   الاعتبار تحذيره من مغبة استمرارهم في التحالف مع الوحش و زبانيته الموتورين .

       ان زنكنه لم يرد للمقاومة ان تقدم نفسها للذبح بنفسها ،فهو يؤمن بوجود سبب حقيقي للموت كي يمد السور الى الحياة .و ان من الخطأ التحالف مع أية قوة جاهلة غشوم لا تتورع عن إلحاق الأذى بأبناء جلدتها فكيف بها و هي تتآلف مع مجرمي شباط الأسود.

      في مسرحية "شعر بلون الفجر " (12)  التي قامت مؤسسة ذلك النظام بطبعها عام 2001 و لم يطلع عليها إلا بضعة أنفار من المتابعين لكتابات هذا المبدع الأكثر أصالة و صدقا بين عدد غير قليل من الكتاب المسرحيين في بلادنا، فظلت مركونة وراء الكواليس،و مكدسة داخل مخازن شركة التوزيع  و النشر في بغداد، يواجه زنكنه السلطة بمزيد من السخرية و الاستهجان و هو يتطرق الى اشد مراحل العراق ظلما و ظلاما، بروح عراقية أصيلة. و هي دراما كبيرة يتوهج من داخلها لهب انتفاضة و تمرد و مقاومة بالكلمة و الفعل و الحجارة و الإرادة الحرة. وضعها زنكنه في قالب كوميدي ساخر تحقق الضحكة فيه غرضا معرفيا هادفا،وتشكل المبالغة بنيته الأساس التي تتضخم على نحو مثير كلما انتقلت المسرحية من مرحلة الى أخرى بطريقة تحفز ذهن المتلقي و فاعلية تأويله للموقف الكوميدي،فالوالي،و هو الشخصية الرئيسة في المسرحية، رأس مليئة بالدمامل و القيح، لا تكسو جلدتها شعرة واحدة، تنمي فيه رغبة قهرية مقمعة تبرز معالمها في (فرمانه) الذي يحرم بموجبه الشعر على عامة الناس من الذكور. وما أن يكتب (الفرمان) و يعلن على الملأ حتى تبدأ زبانيته بالتنفيذ فتكتفي فئة منهم بحلق شعور رؤوسهم ثم تأتي فئة أخرى لتبالغ في الأمر فتحلق الشوارب    و اللحى، و تبالغ أخرى فتحلق ما تبقى من شعر في مناطق الجسم الأخرى. و إذ يظهرون في الشوارع، مفاخرين بأشكالهم التي أرادها الوالي على هذه الهيئة يطاردهم الأطفال بالحجارة و السخرية و الضحك و التندر حتى يفقدونهم الصواب و الألباب لتبلغ الكوميديا عند هذه النقطة ذروتها فتكشف للمتلقي ضحالة الوالي و كاريكاتورية اتباعه على الرغم من جبروتهم و طغيانهم الكبيرين.

      لقد جعل زنكنه رأس الوالي، تتستر على قبحها بالعمامة التي ما ان سقطت على رأسه حتى تكشف سر قبحها أمام (خديجة) التي  أراد امتلاكها بالقوة. و من اجل ستر قبحه اصدر فرمانه   ذاك الذي قضى بموجبه أن يحلق الذكور شعورهم في كل أرجاء بغداد كي يضيع (الابتر) على  طريقة ابن آوى. ولم يكتف زنكنه بهذا بل جعله عقيما ليدلل بهذا على عقم الطغاة و حتمية   زوالهم. فعلى الرغم من مئات الزيجات الشرعية   و غير الشرعية لم ينجب الوالي من يخلفه على ولايته. ان زنكنه و هو يقدم هذه الشخصية يلقي، في الوقت نفسه، الأضواء على كل القوى المساندة لها و أولها الدجالون من الملالي الذين يلبسون لبوس الطهر و التقوى و الورع و القداسة.  و نزع عنهم أقنعة الزيف لتظهر صور الشياطين المتخفية تحت جببهم.وكذلك فعل مع التجار والمرابين وسائر المستبدين .

     و في الجهة الأخرى وضع شخصية (خديجة)، المرأة العراقية التي ترفض الثراء الزائل و الجاه محتفظة بعفتها و محافظة على عهد وفائها لابن بلدها كي يوفر ضدية تشتغل على تأجيج الصراع وتوصيله إلى اشده عندما يتحول إلى رغبة عارمة لهتك العفة ( عفة خديجة ) ومقاومة شديدة  للحفاظ عليها.ثم بطريقة مبدعة ينقل الصراع ( صراع خديجة مع الوالي) إلى بقرة خديجة التي    ثارت ثائرتها فأرهبت الوالي ومن معه ، وهدمت الزريبة عليه ملطخة وجهه بالبراز في مشهد كوميدي بلغ أوج الهزء والسخرية عندما هرب الوالي وسقط مرافقه ( جنكيز ) تحت أكداس من القاذورات. المسرحية اذن، تنتصر للجمال ضد القبح،وللحق ضد الباطل، وللنور ضد الظلام، و للحرية ضد الاستعباد، وللاستقلال ضد التبعية، و للوطن ضد الاستعمار، بأسلوب كوميدي  مهذب يندر أن نجد له مثيلا بين الكوميديات المعاصرة.

      ولم يقتصر بوح زنكنه على النصوص القصصية بل تعدى ذلك الى نصوصه الروائية الثلاث : هم ،ئاسوس ،بحثا عن مدينة أخرى .ففي روايته الأولى(13) استطاع على مدى يومين ،وخلال سبعة عشر فصلا ان يجعل الحلم فيها يختلط بالواقع ،والحقيقة بالخيال ،وان يجعل منها رواية مجابهة وتحد  واجتثاث للجذور الفاسدة.يروي الأحداث فيها بطلها (يوسف)الذي يعاني من مضايقات (هم)التي جعلته يشعر بالإحباط والحصار والضيق بعد ان داهمته كوابيس (هم)لكنه لم يستسلم على الرغم  من ضخامة قوة(هم)وشراستها .ولم يوقع على ما يريدون .وإذ خيروه بين الموت والتوقيع لم يختر الموت ولم يختر التوقيع بل قال بصوت رافض (لا) فانفجر فمه بالدم جراء الضرب على مؤخرة  رأسه .وتعاون ثلاثة(هم)على حشره في صندوق أقفلوه عليه ورموه في البحر ولكنه على الرغم من كل حبه و رغبته وتشبثه بالحياة ومحاصرته بالموت المحقق كان يردد والصندوق يتمايل به :

                ((حسبي أني لم اخسر نفسي ..لم أخسر نفسي ))

       ان تكرار الإشارة الى (هم)يولد في نفس القارئ شكا مستمرا مع استمرار تكرار الكلمة مما يدفعه الفضول الى معرفة هؤلاء الـ(هم)وتكشف حقيقتهم التي تنطوي على مزيد من الظلم  والظلام والقسوة والسطوة والهيمنة والإرهاب.

    في روايته الثانية(14) تناول على مدى 228 صفحة من الحجم المتوسط العلاقات والروابط   الإنسانية في مجتمع ينقسم على قسمين: يتشكل القسم الأول من نزلاء السجون وزوارهم  بينما يتشكل الثاني من المتسلطين والانتهازيين  ولعل من اكبر المفارقات الرقابية هي ان الرقابة فرضت على محي الدين زنكنه تثبيت جملة تفصح عن ان أحداث هذه الرواية تتوقف بحدود عام 1967  على الرغم  من ان الرقيب يفهم فهما واضحا ان أحداثها تستمر الى ما بعد   عام 1968 ويبدو واضحا ان زنكنه وضع الرقيب في موضع قلق لا يستطيع معه رفض النص او قبوله من جهة وخوفه من الموافقة ونتائجها من جهة أخرى .  

     لقد تجلت في هذه الرواية عراقية محي لدين زنكنه من خلال الروابط الحميمة بين العربي و الكردي ، بين المسلم والمسيحي ، بين الصغير والكبير على وفق تركيبة جديدة محكومة كلها بحب الوطن قبل أي اعتبار آخر . ولعل وقوع الأحداث بين اربيل (( موطن الشخوص ومسقط   رؤوسهم )) وبين الحلة (( محل سكناهم واقامتهم )) ووجود أبطال الرواية الاربيليين في الحلة دليل على التمازج والتماسك و التعاضد والاخوة وعمق الروابط الاجتماعية بين أفراد ذلك المجتمع .   اما روايته الثالثة(15) فتقع في ثلاثة أقسام يشتمل القسم الأول والثاني (( مدينة 1 ومدينة 2 )) على ست ((أوراق )) لكل ورقة منها عنوان خاص . ومن سياق العنوان الرئيس (( بحثا عن مدينة   أخرى )) نفهم ان بطلها إزاء مدينة كل ما فيها قذر وقميء ولا يمكن للمرء فيها إلا أن ينفر منها ويتقزز.وإذ يقرر البطل ذلك فانه يسعى للبحث عن مدينة بديلة يتضح ملامحها من خلال ما  اتصفت به مدينته من قذارة وبؤس وانهيار وسقوط وبشاعة . في مدخلها البسيط المختزل يخبرنا المؤلف ان بطله يعاني عزلة فرضتها ، عليه ، ظروف مدينته ، فتخلى عن الزوج والأب والأقارب والأصدقاء حتى صار مثل شجرة جرداء لا يتبقى ، بعدها،سوى ان تخبرنا الرواية عن الكيفية التي   تم فيها التخلي الذي وصل حد تخليه وتناقضه مع شخصيته الداخلية.تلك الشخصية التي تأثرت   بالظرف المحيط فتناقضت مع تطلعات نصفها الآخر . وهي لهذا وذاك تتصرف بجنون وشذوذ . او هكذا يبدو سلوكها للآخر .فالشخصية تحاور نفسها وتعكس من خلال حوارها الداخلي (المونولوج) عمق الصراع بينها وبين نفسها ان بحث الكاتب الدؤوب عن مدينة أخرى أمر يدعو  الى تغيير الظروف المحيطة وتحسين العلاقات و إقرار العدل و إحقاق الحق و إشاعة الحريات.ولما كانت كل هذه المتطلبات مختفية من عالم المدينة فقد أراد زنكنه ان يبوح لنا بكل ما افتقدته جراء اغتصابها من قبل المستبدين والمتسلطين على رقاب الشعب العراقي وان يقول بالحرف الواحد ان هؤلاء هم السبب في كل ما حصل لمدينتنا من احتلال وخراب ودمار وانهيار وسقوط .

       بعد هذا كله نقول باختصار شديد ان ما قدمناه في بحثنا هذا ان هو الا غيض من بوح محي الدين زنكنه المكتوم طوال أربعين عاما آملين، أن يتسع لنا الوقت، فنكمل ما بدأنا به أو يتوسع فيه غيرنا من المبدعين .

 

إشارات :

(1) (5) مسرحية الجراد  ـ وزارة الثقافة والإعلام ـبغداد  1970

(6) الجبل و السهل ـ مجموعة قصصية صادرة عن دار اراس للطباعة والنشر ـ اربيل 2002

(7 (8) مجلة الأقلام ـالعدد 9، 10 ـ عام 1992

(9)  مجلة الأقلام ـالعدد 11 ـ عام 1990

(10)   كتابات تطمح أن تكون قصصا ـ المؤسسة العربية للدراسات و النشر 1984

(11)  مسرحية السؤال  ـ منشورات وزارة الإعلام ـ بغداد 1976

(12)   مسرحيتان ـ دار الحرية للطباعة 2001

(13)  هم ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1975

(14)   ئاسوس ـ دار ‏الساعة ـ بغداد 1976

(15)  بحثا عن مدينة أخرى ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1980