التحويلية في نص عبد الباسط أبو مزيريق

(افعل شيئاً يا مُت)

   انطلاقاً من اعتقاد عبد الباسط احمد أبو مزيريق بضرورة تحديث بعض النصوص العالمية المهمة سعى إلى وضع مسرحية الكاتب التركي عزيز نسين (افعل شيئاً يا مِتْ) في إطار جديد، وفعل دراماتيكي يحمل روح أبو مزيريق، ولمساته اللغوية/ الحوارية الوامضة.

الجديد في تحويليَّته هذه قدرتها على الاقتراب المتناسب من رغبة المتلقي، وتطلعه إلى قراءة أو مشاهدة الأفكار القديمة بأطر محدثة. وهذا هو ما نجح فيه أبو مزيريق في عمله التحويلي السابق (جنرال الجيش الميت) للكاتب الألباني إسماعيل كادريه.

التحويلية عند عبد الباسط أبو مزيريق لا تعني إعداد النص إعداداً تقليدياً، ولا تعني التماهي أو التناص مع مفاصله العامة حسب. إنها تعني اكتساب الصفات الوظيفية للتأليف المسرحي لما تتسم به من مغايرة مقصودة، وتجديد مدروس، وإضافات استبدالية تمنح النص قدرة متنامية على تشكله كنص محدث. إنها تعني كتابة نص ثان مختلف قليلاً أو كثيرا عن النص الأول. وعلى الرغم من احتفاظ  العملية التحويلية بفكرة النص الأول كامتياز لمبتكرها الأول إلا أنها جنحت إلى  المغايرة في بعض جوانبها التأثيرية حتى أنك لا تستطيع القول أو الحكم انك أمام نص أعيدت كتابته قدر حكمك على كونه نص مبتكر. التحويلية تعني أيضاً وضع النص الجديد في متناول المتلقي الجديد الذي تهمه الطريقة الفضلى في وصولها إليه دون إسهاب أو إطناب وهذه من أولويات أبو مزيريق في إعماله التحويلية.

إذا عدنا لنص أبو مزيريق سنجد انه:

أولاً. اعتمد العنونة الأصلية (افعل شيئاً يا مِتْ) مع تغيير طفيف في حركة

الميم التي صارت مضمومة في النص الثاني بعد أن كانت مكسورة في النص الأول ليظل المنادى (مُت) في الحالين علماً مفرداً وليس فعلاً. ومن ناحية أخرى أراد عبد الباسط إعطاء الاسم (مُت) صيغة فعل الأمر ايحاءً على وفق اللهجة السائدة في الشمال الأفريقي فتكون الـ(ياء) أداة تخيير بين فعل الشيء، وبين الموت.   

ثانياً. أشار إلى مصدر فكرة النص وعائديتها بأمانة أدبية عرف بها منذ نصه

       السابق (جنرال الجيش الميت).

ثالثاً.  حذف بعض الشخصيات التي تكرر فعلها أو موقفها داخل النص الأول.

رابعاً. استبدل بعض الشخصيات كشخصية الطبيب ـ على سبيل المثال ـ

بشخصية الآخر أو الظل لتتلاءم مع طبيعة الحالة وواقعيتها، ومنطق أحداثها. 

رابعاً. استحدث مؤثثات المشاهد وديكوراتها، واستبدل بعض الإكسسوارات.  

خامساً. اشتغل على تغيير مسارات الحدث، وموجهاته على وفق التبديلات التي

       أجريت على منطق النص الثاني.

سادساً. ابتكر نهاية جديدة للنص الثاني مختلفة تماماً عن نهاية النص الأول.

 

وبشكل تفصيلي يمكننا القول أن عبد الباسط في اعتماده على العنونة الأصلية للنص إنما أراد أن ينقل بوساطتها قدرتها على إضاءة مفاصل النص الجديد، ومنحها المتلقي التأكيد الواضح على أن فعل المسرحية الرئيس هو القيام بشيء مطلوب منه، وموجه إليه بشكل مباشر من خلال فعل الأمر (افعل) ولم تحدد العنونة طبيعة الشيء الذي ينبغي عليه فعله لتترك له متعة الغور إلى أعماق النص من اجل اكتشاف طبيعة ذلك الشيء. والعنونة بشكل عام تأسست على مفردات ثلاث هي: فعل الأمر (افعل) وهو فعل محدد لطبيعة الحركة الناجمة عن أمر، وجوهرها، والنهوض بها من قبل الشخصية الرئيسة داخل النص والمتلقي لها خارج النص. فهي موجهة من شخصية أو من عدد من الشخوص إلى شخصية واحدة ملزمة بأداء الفعل. و(شيئاً) وهو المفعول به الذي ينبغي على الفاعل القيام به داخل النص، والمنادى عليه بأداة النداء (يا) السابقة لاسم العلم المفرد (مِتْ) والذي أجرى عليه عبد الباسط التغيير الضروري (مُت) ليتلاءم مع بيئة النص الجديدة.

 ابتعاداً عن العنونة قليلا، واقترابا من مفتتح النصين، ومن خلال مقارنتنا بينهما وجدنا أن أبو مزيريق قام بتغييرات مهمة، ومتلائمة مع طبيعة نصه المحدث. فقد جاء وصف المنظر على الشكل الآتي:

"في الخلفية مجسم كبير لوجه وحش بشع تعلوه ساعة لا ملامح لها بدون عقارب. في الجانبين الأيمن والأيسر مرجوحتان تشبهان بعض. يجلس على إحداهما مُتْ وهو يتأرجح ببطء في حين يجلس الآخر في الأرجوحة المقابلة ويتأرجح بسرعة أكثر..يظهر الجد جالسا بجوار الوجه وهو شيخ هرم أصم وأعمى يحمل بين يديه علبة بيضاء فيها ثقب يظهر ضوءا خفيفا"

في هذا المنظر وضع عبد الباسط على الجدار المواجه لجمهور النظارة (مجسم وحش بشع) كدال على الخوف من الموت مدلوله التشبث بالحياة ليحل محل أربع لوحات زيتية أو أربع صور فوتوغرافية ملونة ـ في النص الأصلي ـ تسرد كل واحدة منها قصتها عن الطريقة التي حصلت بها على رخصة الاستمرار في الحياة، ومغالبتها للموت. وبهذا يكون عبد الباسط قد اختصر في نصه عددا من القصص والحكايات المكررة من حيث المعنى والهدف، واكتفى بقصة الشخصية الرئيسة فضلا عن قصة شخصية (الجد). إن هذا الاختصار دعم الشخصية الرئيسة، وركز على بنائها، وجعل منها محوراً لأحداث المسرحية كلها ومن خلالها نجح في التركيز على موضوعة النص الكامنة وراء طلب الشخصيات من الشخصية الرئيسة فعل شيء ما يمنحه قدرة البقاء على قيد الحياة. ومن اجل استكمال مؤثثات المنظر المسرحي وصورته النهائية الموحية فقد وضِعَت أرجوحتان على طرفي المكان إحداهما للشخصية الرئيسة، والأخرى لمن يمثل ظلها (الآخر) في إشارة مهمة إلى اهتزاز واقع الشخصية المعيش، والى عدم استقرارها أو تذبذبها. أما الساعة الجدارية التي وضعها عزيز نسين في نصه أعلى الجدار الوسطي فقد خلع  أبو مزريق عنها عقاربها الفاعلة وملامحها الواضحة في إشارة إلى غموض زمن الأحداث.

المطلع على النص الجديد، ومنظره المسرحي سيلمس بكل تأكيد أن هذه التغييرات الجوهرية في منظر المسرحية لا محالة ستؤدي إلى تغييرات جوهرية في متنه الدرامي. وهذا ما لمسناه فعلا ونحن نبحر في عالم النص أو نلقي شباكنا للظفر بجوانياته الكامنة، ومن خلال استبطاننا واستبصارنا لأبعاد شخوص المسرحية وتأثيرهم على سير أحداثها وأولهم شخصية (الطبيب) في نص نسين، وشخصية (الآخر) في نص أبو مزيريق. فشخصية (الطبيب) لم تكن خيارا دقيقا متلائما مع طبيعة المهمة التي يقوم بها كمراقب لحياة الشخوص وكمانح لهم رخصة الاستمرار فيها. إنه يحضر لا ليمنح مرضاه دواءً أو شفاءً وإنما ليحقق معهم ويحاسبهم، ويحكم عليهم بالموت أو الحياة. أما شخصية )الآخر( فتمثل ضمير (مُت) ونقيضه الداخلي، وجانبه الايجابي الخلاق الذي يحثه على فعل شيء لا بد من فعله إن عاجلا أو آجلاً لتستمر الحياة، ويمثل أيضا الصراع الداخلي الذي يعتمل في نفس (مُت) أو أي شخصية مماثلة له. أما الشخصيات الأخرى كشخصية (والد مت) وشخصية (والدة مت)، وشخصية (خطيبة مت)، وشخصية (الخادم) فقد اختفت كلها من النص الجديد باستثناء دور الأم كصوت مسموع من داخل (مت) أعطى تبريرا إضافيا لما يحدث للشخصية الرئيسة، وجاعلا من الخيال أمرا ممكناً على وفق المنطق الخاص بالنص الجديد. السؤال الذي يطرح نفسه هنا لماذا أبقى أبو مزيريق شخصية (الجد) إلى جانب شخصية (مت) ؟ ولماذا لم يحذفها كما فعل مع بقية الشخوص؟ لقد وجدنا بعد دراسة الشخصيتين (الجد ومت) أن كلاً منهما امتداد للآخر، ومكمل لمسيرته فـ(مت) هو الحاضر والآتي، وأما الجد فهو الامتداد التاريخي السابق لحاضر (مت). وليس بالضرورة أن يكون وجوده على المسرح فعليا وان وجد عليها فهو كقيمة من قيم ماضي الشخصية وتاريخها. ولعل في تلاشي شخصيته داخل النص دليل واضح على وجوده داخل شخصية (مت) حسب. إنه صوت آخر من الأصوات التي تسكن الشخصية، وتمنحه جملة رغبات هي في حقيقة الأمر رغباته الداخلية. ففي الوقت الذي يشدد فيه صوت الأم على عدم خروجه من المكان ليلتق بـ(الغوغاء) خارج المكان يشدد صوت الجد على ضرورة خروجه إليهم. وما بين ميوله العاطفية البحتة ومداركه العقلية البحتة يختار الطريق المفضية إلى حيث الجماعة (الغوغاء) على الرغم من علمه الأكيد انه سيلاقي حتفه هناك. إن (الغوغاء) كشخصية مسرحية احتفظت بوجودها داخل النصين مع أن دعائم وجودها قلقة جدا، وكان على عبد الباسط أن يعالجها بطريقة فنية تمنحها التبرير أو المبررات المنطقية لوجودها. الجد إذن هو تاريخ الإنسان ومحاولته البقاء أو الصمود أمام الموت المحتوم. لقد توصل الإنسان عبر تاريخه الطويل إلى سر من أسرار الحياة وعمل على اكتشاف أسرار أخر كتلك التي جعلت (گلگامش) يقدم لناسه ـ بعد إن كان مُضْطَهِداً لهم ـ أفعالا خلدته على مر الأزمان والدهور، أفعالا نزعت عنه أنانيته، ونرجسيته، وسمت به إلى ما هو جمعي إنساني. يحكي لنا (الجد) أنه استطاع بمثابرته أن يحول الماء من الجبل ـ بواسطة حفر قناة ـ إلى سكان القرية التي طالما عانت من الظمأ، والماء الملوث الشحيح. فإذا ما عرفنا أن الماء هو رمز البقاء والنماء فان فعل (الجد) كان من الأهمية بحيث أدام حياة البشر في تلك القرية، وحقق هدفاً إنسانياً نبيلاً في الوقت نفسه. التاريخ عبر النص إذن منحنا أمثلته الحية كموجهات للبناء الدينامي المفضي إلى الأهداف النبيلة.

 لقد استطاع أبو مزريق الاشتغال على لحمة النهاية الموظفة بشكل دقيق لتتوافق مع سدى نسيج المسرحية الجديدة. بحيث جاءت النهاية ملائمة لتطور الشخصية وبنائها الفكري عبر صراع استغرق زمن المسرحية كلها. إن جملة (مت) الأخيرة والتي أطلقها كرد على الأصوات التي سمعها

 "إذا لم أحترق أنا..وإذا لم تحترق أنت..وإذا نحن جميعا لم نحترق..فمن ذا سيبدد الظلام"       

ربطت تاريخياً وفكرياً بين عزيز نسين ككاتب وإنسان تركي، وبين ناظم حكمت الكاتب والإنسان التركي من جهة، وبينهما وبين أبو مزيريق ككاتب عربي من جهة أخرى معبرة عن تواصل فكري، وتاريخي إنساني مشترك وجمعتهم غاية واحدة ذابت عندها ذواتهم في ذوات الآخرين. لقد ختم أبو مزيريق مسرحيته بفعل دراماتيكي صامت جسد الجملة الأخيرة وعبر عنها بالحركة الصامتة وبذا تكون أحداث النص قد انتهت إلى حيث خطط لها أبو مزيريق بإتقان وإبداع على الرغم من وجود ثغرة زمنية بسيطة بين خروج (مت) من خلال الستارة السوداء  وعودته إلى خشبة المسرح كان من الممكن معالجتها بإضافة بضع حركات صامتة    أخرى. يقول أبو مزيريق واصفاً الفعل الختامي الصامت:

 

 "يتردد صدى جملة مت الأخيرة في أرجاء المسرح أكثر من مرة مع اندفاع مت مخترقا الستارة السوداء في خلفية المسرح..يتلاشى الوجه في الخلفية..تعلو دقات الساعة وتستمر..لحظات ويظهر شبح لهيكل عظمي تلاحقه أيدٍ متوحشة..تمزقه وتقطعه أربا.. موسيقى مناسبة..تنزل ستارة بيضاء في مقدمة المسرح..يظهر خلفها مت..يتجسد في ثنايا قماش الستارة..يتشكل داخلها .. يشعل شمعة..ويتبعه الآخرون..تتكاثر الشموع .. وتملأ أركان المسرح."

 

وبانتهاء توصيف الفعل الختامي ـ الذي اشتغل على المغايرة كأساس له ـ تكون العملية التحويلية قد اكتملت موجهاتها الفنية، وأسسها الأدائية والوظيفية، وتكون المقدمة قد أفضت إلى إطلاع القارئ على الكيفيات التي على وفقها تمت العملية التحويلية والبنائية لشكل ومبنى مسرحية عبد الباسط أحمد أبو مزيريق (افعل شيئاً يا مُتْ).