تماثيل صلاح زنكنه الحجرية * 

  لقد تحطم هبل و أدركت الروح الجمعية أنها إزاء منعطف  كبير و خطير..  وعندما تجاوزت ذلك المنعطف ظل  خطره قائما فيها لاجيال طويلة..إن القيم الروحية إذ  ترسخ في اليقين الجمعي فأنها تكون   قد استغرقت زمنا طويلا و أجيالا متعاقبة تراكمت عبر تعاقبها بنى ذلك  الترسيخ متحولة الى يقين ثابت الجذور ومتاصل في الوجدان العام ..وحتى الثورات العظيمة ،التي انجزت تغيرات عظيمة  لم تستطع اقتلاع جذور تلك القيم اقتلاعا تاما ولكنها منحت الانسان قوة قمعية كبت بها تلك القيم وعتــم عليها فظلت متوارية تحت سطح الشعور بالذنب. لقد تحطم هبل ، وهو الرمز المشترك لهزيمـــة الروح وانتصارها، ولكن الشعور بالخوف لم يتحطم في الروح الجمعية ..ولم  يكفها  إلغاء أو تحـريم صنعه لإلغاء ذلك الشعور .. انه جوهر المحنة والقدرة اللامحدودة على صهر الخيال  في الواقع ..والوهم في الحقيقة .. والشعور بالمادة وهو نفسه الطاغوت الذي ترجل من على قاعدته الصلدة، في قصة صلاح زنكنة "التمثال" ليرهب الإنسان ويفاجئه بحركته الآلية المخيفة ثم يتركه  ليهرب من هول فزعـــه ودهشته من حقيقة توهمها ووهم اعتقد يه الى المكان - الواقع ..والبيت   الأمان لكن المكان لايني يتحول الى الوهم ، أيضا ، ليظل الإنسان مطاردا  ومهددا انى حل وانى نزل .. إذن هناك تغييرات مقصودة ومدروسة من لدن الكاتب في مواقع القوى المتصارعة  داخل القصة ..فبعد أن كان الإنسان يبصق على التمثال كلما مر به حجرا أصم غير قادر على الحركة كما الكائن الحي ..يتحرك التمثال وينزل من على قاعدته ليرهب ويطارد كقوة تمكن من تبديل موقعها (قاعدة التمثال )بموقع آخر هو المنزل الذي  يتم له فيه مواقعة المرأة  لتنجب له هبلا صغيرا يبدل ميزان القوى ويلبس الواقع لبوس الوهـم ويطرد الإنسان من موقعه الأول ، (المنزل) ، ويرغمه على اشغال موقعه السابق فوق القاعدة الخاليـة ليصبح هبلا آخر يلعب دوره الوهمي في المطاردة ويحتل موقعا جديدا في المنزل إنسان آخر ..ويفعــل داخل الموقع الجديد ما فعله سلفه تماما ويشعر كما شعر سلفه بسعادة غامرة وهو يرى نجله الهبــلى يلهو مع أقرانه من التماثيل  في شوارع المدينة  وحاراتها ..ويمكن تأشير تلك التبدلات بالشكل الآتي:                                                                  

1.  التمثال من  القاعدة       >>>>>>  إلى منزل الإنسان                                                          

2.  الإنسان مـن   منزلـه  >>>>>>  إلى   قاعدة التمثال                                            

3 . الإنسان من  قاعدة التمثال  >>>>>> إلى منزل إنسان آخـــر

 

مع هذه التبدلات بدأت محنة الإنسان ونمت نموا مغاير لما قرره  القاص "كلما أمر به ابصق   عليه ،لا ادري لم اكن له كل هذه الكراهية ، هو محض تمثال لا غير" لكن أل (لا غير) هذه لم تستطع الحفاظ على كونه(محض تمثال) خاصة وان الأحداث بدأت تتغير وتتطور  اكثر فاكثر مانحة إياه آي التمثال قوة الوهم وما تنطوي من سطو ة كابوسية.

 لقد تحطم هبل.. ولكن الشـــعور بالخوف أعاده مرة أخرى ليمارس دوره في القتل والخراب والدمار.. وأنزله من على قاعدته ليلج إلى أعماق الحيات وليلغمها بطوابير من ذريته ومريده.. انه محض تمثال لا غير ..ومع ذلك استطاع أن يتجاوز تكوينه الحجري إلى جحيم من الحجر.                               

لقد تحطم هبل.. ولكنه عاد ليوقظ أرواح العشرات من أبنائه الهبليين   فيغزو بهم المدن و يحول الشواهد و النصب الحضارية فيها إلى اتباع مطيعين لتحقيق مآربه القهرية و التدميرية ..لقد أدرك صلاح زنكنه هذا الخطر الهبلي فأوعز إلى الإنسان ،إنسان قصته ،أن يحطم تلك الشواهد والنصب التي  تحولت بإيعاز هبلي إلى قوة رهيبة ألحقت به الهزائم و الانكسارات و الويلات و الجوع و البلايا والانهيار عبر ثلاثة مستويات : الأول :صوتي ، تمثل في جملة التمثال التحذيرية (أغرب عن وجهي أيها الأحمق والا هشمت رأسك) وقد أراد بها الكاتب ان ينبهنا الى قدرة التماثيل النطقية لتشكل اولى بوادر الوهم/ اليقين الثاني: حركي ، تمثل في الصفعة القوية. التي ظل دويها يتلاطم في اذنه لساعات حال صعوده اليه ومحاولته تهشيم رأسه الحجرية :ازيح في هذا المستوى قدرا آخر من الوهم والغي الحد الفاصل بينه وبين اليقين وتاكد بالحركة والنطق ان التماثيل بدات تمارس دورها فعلا في تخريب الواقع وتمزيق المدينة الثالث: يتيقن فيه تماما ، جراء رفسه بقوائم التمثال واتهامه بالعمالة لصالح برطانية ، ان التماثيل قادرةعلى تخريب الاشياء والارواح ..وصار لزاما عليه ان يوقفها عندحدها بالغامها وتفجيرها والقضاء عليها قضاء تاما.. غير أن فعل التفجير والتدمير ينقلب عليه فيلغى موقعه الاول (المنزل) ، بدلا من مواقعها اذ تترجل من على قواعدها لتبدأ بمطاردتها ومضايقته واشباعه ضربا مبرحا بسياطه دون رحمه ولتعلن انتصارها وتفوقها عليه قبل ان يبدأصلاح زنكنة  في تغيير مواقع القوى المتصارعة مرة اخرى وقبل ان تبدأ (محنة التماثيل).          

في (محنة التماثيل) وهي القصة الثالثة يحاول الكاتب ان  ينتصر للانسان فيشكل فرق ابادة تفر منها التماثيل منهارة مهرولة لاهثة تختبئ خلف الاشجار و البنايات المهجورة او في البالوعات.. ويفر هبل.. يختبئ خلف مريديه ..يظل بعيدا عن بؤرة الاحداث و في مأمن منها يراقب و يتوجس و ينتظر  انتهاء المحنة  ..هنا يقوم صلاح زنكنه بقلب طرفي المعادلة فيتحول الشعور بالضيق جراء المحنة من الثماثيل الى المشرف على ابادتها فيكشف بعد انتهائه من تدمير آخر تمثال في المدينة ، أن ابنه الصغير يخبئ في دولابه تمثالا صغيرا ..و اذ يهم بتدميره تثنيه عن ذلك توسلات ابنه البريئة فيشتد في داخله الشعور بالمحنة و يتعاظم الصراع بين الواجب و الضمير ..بين القضاء على تمثال صغير مسكين كسير تترقرق الدموع من عينيه الزجاجيتين و بين الإبقاء عليه و كأن صلاح زنكنه حاول من خلال هذا الموقف أن يستفز في قرائه الجانب الإنساني المتساهل كما هو حال المشرف إذ تفرض عليه إنسانيته المتساهلة أن لا يقوم بتدميره مع أن الواجب يقضي بتدميره لانتمائه إلى فئة التماثيل الني تسببت في كل تلك البلوى ..و بذا يكون حجم المحنة كبيرا بعد أن تخلى المشرف على فرق الإبادة عن واجبه و بعد امتناعه عن تدمير التمثال الصغير و بعد أن أصدرت هذه الفرق أمرا بتحنيطه و وضعه على منصة في ساحة المدينة ليكون إنسانا (مصنما) و عبرة لمن لم يعتبر.

لقد انتصرت فرق الإبادة نصرا مكللا بالاندحار.. ذلك لأنها أبادت التماثيل و أصدرت في الوقت ذاته أمرا بتحنيط انسانها لتستمر اللعبة و المحنة المزدوجة على مدى أزمنة القصص الخمس.

في (مجرد تماثيل) يعمد القاص صلاح زنكنه و خلافا للقصص الأربع الأخرى إلى استبعاد صوت الراوي أو القاص  العارف بكل شئ و استبداله بصوت آخر يروي بضمير المتكلم كبير التماثيل ، وهبلها الأوحد الذي أحس بعد تلك المحنة بالانخذال و الذل و المهانة لأن مواطنيه أهملوه و تنكروا له وراحوا يهشمون القناني الفارغة على جذعه الحجري و تركوا كلابهم تتبول تحت قدميه .. انه ليس مجرد تمثال برونزي يزين ساحة المدينة .. انه الإنسان  منتحلا شخصية كبير التماثيل  ومحنطا على منصة في ساحة المدينة وقد ذهب عنه سلطانه وجبروته وباسه الذي لا يلين .. و إذ يقرر صلاح زنكنه صيغة ضمير المتكلم لقصته فانه يتركه يتحدث عبر مونولوج غني بالمعاني والدلالات العميقة والموحية والتأثيرات السلبية حتى يمتلئ القارئ شفقة عليه ويفسخ له الطريق ، كما في المرة السابقة متناسيا حجم الكوارث والويلات التي أنزلها عليه بسطوة وجبروت وسحر وخبث هبلي .. لقد أدرك أن مواطنيه ، وهو ولي نعمتهم ، لن يعودوا يتغنون به أو يسمون الأشياء باسمه .  وصار لزاما عليه أن يغير استراتيجيته قبل أن يجد نفسه مرميا على المزابل أو مباعا في المزادات العلنية فرعيته ما عادت  تصفق أو تهتف له .. ولا تخاف من  سطوته وبطشه وأساليب قهره القذرة. "يا للخيبة.. رعيتي من حجر ، رعيتي من برونز ، رعيتي من رخام ، رعيتي من نحاس ،  أدركت أن روحي العظيمة حلت في أرواحهم الضالة ها أنا ذا مجرد تمثال هرم ، هاهم مجرد تماثيل بلهاء" . لكن اللعبة لم تنتهي عند هذا الاعتراف والاستسلام الجماعي لمصائرها .. فلقد قامت التماثيل مرة اخرى وراحت تمارس طقوسها في الشوارع والمتنزهات ودور العلم والمساجد و المدارس والمستشفيات محولة الجميع الى تماثيل من حجر حتى تلك الاصوات النقية  التي تروي لنا عن تلك القيامة قد بدأت تتلو صلا ة تحولها إلى حجر .

"رؤوسنا حجر ، أسمائنا حجر ، أشيائنا حجر ، أحلامنا حجارة ، مباركة هي التماثيل لأنها مجبولة من الحجر ، مباركون نحن لاننا شهدنا قيامة التماثيل"                                       

لقد انتصر الحجر وانهزم الإنسان في خمس قصص استطاع القاص صلاح زنكنه أن يحقق نجاحا ملموسا على صعيد الفن القصصي المبدع في أربع منها بينما اخفق في نصه الخامس . ف( قيامة التماثيل ) لا تنتمي في بنائها أو فنيتها أو قواعدها وشروطها إلى القصة القصيرة أو الأقصوصة إنها في افضل حالاتها  لا تعدو كونها إنشاء أدبيا مرتبطا من حيث الموضوع في ذات السلسلة التي ربطت بين تلك القصص. وأنها لا تعد من حيث استقلا ليتها وحدة متكاملة قائمة بذاتها كما هو حال الوحدات الأخرى فلو انك أخذتها منفردة وقرأتها بمعزل عن بقية الوحدات لاكتشفت حال انتهائك منها قصورا واضحا في أدائها لوظيفتها  الفكرية  والفنية .  ولو أننا استثنيناها كنص من نصوص التماثيل لأمكننا القول أن قصص صلاح زنكنه الأربع الأولى متميزة في ترابطها الفكري وتسلسلها الدرامي وانسجام بناها واستقلال كياناتها وجرأتها التي لا تتوقف عند حد معين.

       التماثيل/ قصص  قصيرة نشرت في مجلة الأقلام العدد 2ـ3 نيسان ـ أيار 2004

نشرت في:

-         صحيفة العرب العالمية ـ التأريخ 15/4/1999 لندن

-          صحيفة الصباح ـ العدد 359 ـ التأريخ 13/9/2004 بغداد