جسر بنات يعقوب

مدخلان إلى الرواية الفائزة بجائزة نجيب محفوظ عام 1999

أولاً.العابرون على جسر بنات يعقوب:

  بدءاً أشير إلى أن (جسر بنات يعقوب) هي الرواية الثالثة للروائي المبدع حسن حميد الذي استغرق، حسب شهادته في كتابتها سنوات عديدة قبل أن يخرجها إلى النور بحلتها الأخيرة .

 في مفتتحها يقوم الراوي / الوارث بتفكيك النص الموروث و إعادة تركيبه بطريقة مختلفة ومغايرة للأصل ، وعرضه على وفق بديل شكلي تقترحه ذهنية الراوي بغية الوصول إلى منطق شامل يلملم الأحداث ويعقلنها ، ويطرح الشخوص بواقعية تفرضها طبيعة علاقاتهم بالمكان أولاً و ببعضهم ثانياً ، إلا أنه لا يتوصل ، عبر هذه العلمية التفكيكية / التركيبية ، على الرغم من تكرارها ، إلى قناعة نهائية فيقرر تقديمه كما ورثه عن أجداده الثلاثة عشر بلا نقص ولا قطع ولا إضافة.

  النص الجديد ، إذن ، صنعه الوارث مثلما صنع النص القديم إذ لا وجود للموروث (كنص مادي ، إلا في ذهنية الوارث الذي يقترح أداء روائياً يتماهى فيه الوارث و الموروث ليتولد عنهما نصّ يستأثر باهتمامنا ويثير استغرابنا ودهشتنا مجرباً قدراته في ايهامية تذوب عندها الحدود الفاصلة بين الواقع و الخيال ، بين الحقيقة و الوهم ، وبيم الحاضر و الماضي ، الشيء الوحيد الذي قام به ، على حد تعبيره ، هو أنه نقل ملحق كتاب أجداده من آخره إلى أوله ليقوم بالأعباء التمهيدية التي توفر لنا دخولاً سريعاً إلى الرواية وعبوراً مضموناً على جسر بنات يعقوب واحداثه الدرامية الجسيمة. ويقوم الكاتب من خلاله (من خلال التمهيد) وصفاً دقيقاً لجغرافية " الشماصنة " القرية التي تدور فيها وحولها أحداث الرواية ويستأثر الدير مكاناً و الرهبان شخوصاً بأكبر مساحة من التوصيف و التعريف ، فهو يقدم لنا الرهبان الثلاثة ، وهم في حقيقة الأمر ، راهبات ثلاث تنكرن بزي الرهبانة وجئن لخدمة الناس بعد أن عاشت كل واحدة منهن قصتها فعانت من مرارة العشق وقسوة الحياة وشراسة الظروف المحيطة ، وبعد أن ترك كل الرهبان دير الشماصنة دون رجعة ، إن اماطة اللثام عن هذه الشخصيات ، واسقاط اقنعتها ، وتحديد جنسها أثار في نفوسنا دهشة قلبت موازين اليقين وبددت رؤانا الاستباقية. دهشة اشتغل الكاتب المبدع حسن حميد عليها مؤسساً  حالات تشويق مستمرة انسحبت على مدى " كتب " الرواية الثلاثة عشر ، ففي الملحق ذاته يحدثنا بل يثير دهشتنا إذ تضع العجوز اليائسة من الحمل ، و الحالمة به حملها وكأنه نزل من الحلم إلى الواقع فتحققت بنزوله المعجزة. إن حدث الوضع ، هنا ، في الرواية ، يتصل مع حدث الوضع في الموروث الديني وينفصل عنه في بقية التفاصيل التي يبتكرها المؤلف على وفق مقتضيات الظروف المحيطة بشخوص الرواية وانسجاماً مع الجو العام للحدث. يقول الكاتب واصفاً شخصية حنا / المعجزة:

[كان حنا ، ابنا لعجوزين !! تقدم بهما العمر كثيراً وهما يرجوان الله

كثيراً أن يمنّ عليهما بمن يقوم على شيخوختهما في قادم الأيام. فتقرب

الرجل من زوجته مرات ومرات ، وحاول كثيراً ، وتقربت المرأة العجوز

من زوجها مرات ومرات ، وحاولت كثيراً ، لكن المحاولات ظلت

محاولات ، والرجاءات ظلت عالقة و الطفل قرة العين لم يأت !]

   ويلقي " الملحق " ضوء آخر على طبيعة الشخوص الذين يقدمهم لنا ويعرفنا بهم ليسحب هذا التعريف على بقية شخوص الرواية في كتبها الثلاثة عشر فهو يقدم لنا " ماريا " ، على سبيل المثال ، ويعرفها لنا كامرأة أحبت " دعّاس " حباً جماً وتعلقت به وربطت مصيرها بمصيره إلا أن دعاساً هجرها وامعن في الغياب فظلت " ماريا " ، من بعده ، تعمل نهاراً لتأكل وتسهر ليلاً مع خوفها وقلقها وتوجسها من تربص الرجال بها ومحاولاتهم الانقضاض عليها كالوحوش الكاسرة. لقد حملت ماريا من دعاس سراً و أودعت وليدها عند عجوز لم ترعاه بحرص ولم تهتم به كما ينبغي. وفي لحظة إهمال منها سقط الوليد في قدر الحليب المغلي ومات. إن ماريا وعلى الرغم من هجر دعاس لها إلا أنها تغفر له وتعود إليه فيواقعها ويهجرها ويتركها فريسة للرجال الذين تتحصن دونهم بزي الرهابنة.

  و(مرجانة) أيضاً أحبت وهامت وربطت مصيرها بمصير عشيقها (برهومه) الذي هجرها هو أيضاً مختفياً من حياتها إلى الأبد فضجرت من حياة الرجال و المضاجعات وقادها ضجرها إلى الدير. أما أكثرهن براءة " صفية " فقد فقدت هي أيضاً الرجل الذي أحبها ورعاها في صغرها وسلمها ، حالما أحس بدنو منيته ، إلى الدير ليؤمن لها حياة آمنة. إن هذه الشخصيات الثلاث تطرح ، هنا ، لتمهد للرواية طرح ثلاث شخصيات أخرى ضمن كتبها القادمة وهن بنات يعقوب الثلاث اللائي سنجد مع تطور الأحداث شبهاً كبيراً بينهن وبين الراهبات الثلاث واختلافاً في النتائج النهائية. أو في ما آلت إليه امورهن في نهاية الرواية.

  إن شخوص الرواية ، و أغلب العابرين على جسر بنات يعقوب ، يوحدهم قاسم مشترك يحدد سلوكهم وطبيعة حياتهم ويلقي الضوء على مصائرهم وهم غالباً يجنحون نحو المهاجرة و المفارقة و النفور محطمين واحدة من أكبر ثنائيات الروابط الاجتماعية وكأن المؤلف أراد أن يقول عن شخوصه أنهم يلتقون وينفصلون ، يتعايشون ويتهاجرون ، يتقاربون ويتباعدون على وفق حتميتي الموت و الولادة و الحضور / الغياب. ففي الملحق رأينا كيف التقت ماريا بدعاس ومرجانه ببرهومه ثم فرقهم الغياب غياب دعّاس وبرهومه وابتعادهما الكلي و النهائي عن ماريا ومرجانه. وضمن المتن يلتقي حنّا ببديعه ، و العجوز بصفيه ثم يفرقهم الموت. إن العنصر الثابت  ، هنا ، نسبياً هو المرأة إذا استثنينا " بديعه " ، و العنصر المتغير هو الرجل ، إذا استثنينا " حنا " ، فالرجل عادة هو الذي يقوم بفعل التغيير فيهجر ويغيب ، ويختفي ويبتعد ويموت. هذا في " الملحق " أما في " كتب " الرواية فان نزوعاً يحدث نحو اماتة المرأة وتغييبها كما حدث لأمرأة رحمون وامرأة يعقوب وامرأة سليمان عطاره فقد ماتت الأخيرة بعد غياب ابنتها وهروبها بعيداً عن بيت أبيها لأنها سئمت شكل الحياة الذي فرض عليها استخدام جمال جسدها طريقاً يحقق لوالدها كل مراميه واطماعه ، ويشبع جشعه و ولعه بالمال ورغبته بالاستحواذ على املاك الآخرين. لقد بكى سليمان عطاره ابنته " وردة "  ( لأنها تركته وراحت تبحث عن سعادتها الخاصة ومشروعها الخاص ) و ( لأنها لم تستطع فتح جميع القرى ، واخذ مفاتيحها وتسليمها له ولقد كان ينتظر ذلك منها بما ملكت من جمال ساحر غير منظور من قبل ). إن هذه الوسيلة وهذا السلوك لم يكونا رهناً بسليمان عطاره ، لوحده ، حسب ، بل وبآخرين من ابناء جلدته فيعقوب ، على سبيل المثال ، يفرض على زوجته و الأصح يرغمها على العمل في خدمة " الأرمني " ريثما يتعلم من مهنته مدعياً أنها أخته لا زوجته ، وهكذا يفتح المجال أمام " الأرمني " كي يتحرش بها أو يعاملها كما تعامل الزوجة ( وقد تباطأ الأرمني أيضاً في تعليمه بعدما راقت له أمي التي راحت تشكوه لأبي. وأبي يقول لها اصبري ! !

قالت له: إن الأرمني يغازلها فقال :

اصبري ! و إنه يحتضنها ، فقال : اصبري !

وهكذا إلى أن قالت له ، وقد طار صوابها :

إن الأرمني يريدها زوجة شرعاً وعلى مرأى من الناس

وبمعرفته ، فقال لها حاولي إقناعه أن يتم الزواج سراً !!

فجنت أمي تماماً !!

       إن الأستاذ حسن حميد اراد عن طريق هذه السلوكية ، الطاردة للأعراف الخلقية ، وهي سلوكية عرفت وتميزت بها فئة من البشر دون غيرها ، أن يحدد ، من خلالها ، هوية أبطاله العابرين على جسر بنات يعقوب وانتمائهم اجتماعياً و دينياً.

       على وفق ما تقدم وعلى ضوء الحتميتين السابقتين يمكن جدولة شخوص الرواية على الشكل الآتي:

  

ماريا ثبات رجلها تغيير اختفى
مرجانة ثبات رجلها تغيير اختفى
وردة ثبات رجلها تغيير اختفى
حنا ثبات امرأته تغيير ماتت
يعقوب ثبات امرأته تغيير ماتت
سليمان ثبات امرأته تغيير ماتت

 وهؤلاء، جميعاً، يتوزّعون داخل الرواية على ثلاث مجاميع: الأولى لها تاريخ معلوم ومكان ثابت وسلوك واضح وتعايش طبيعي. وهي مجموعة أهل " الشماصنه " قرية الرواية ومكان وقوع الأحداث. و تتشكل علاقة هذه المجموعة مع المجاميع الأخر من خلال كونها محوراً للأقوال و الأفعال و المجريات ، وبؤرة للاستقطاب و الجذب ، ونقطة مركزية تدور حولها أحداث الرواية كلها محددة المصائر على وفق ارتباطات الآخرين بها من الناحيتين الاجتماعية و الاقتصادية. أما المجموعة الثانية فتتمثل بالأشخاص الوافدين إليها ممن قرروا العيش فيها (سلمان عطاره) او قربها (يعقوب وبناته) او ملاصقين لها (راهبات الدير). أما الثالثة فتتمثل بالقرى المحيطة التي تفد إلى " الشماصنه " بين فينة و أخرى لأغراض عديدة.

  لقد تناولنا، في هذا المبحث ، العابرين على جسر بنات يعقوب حصراً لتعدد مسارات الرواية وتشعبها من الناحيتين الفنية و الفكرية. ومن المؤكد أننا سنعود لدراستها ثانية وثالثة لإيفاء الجوانب الأخرى حقها و لبيان ما للتراث من أثر وهيمنة على مفاصلها وهذا أضعف الإيمان.

    *   

 ثانياً:التراث ومهيمناته

1.ملاحظات أولية:

    الرواية ، كفن سردي ، لا ترتبط بتراثنا العربي السردي إلا من خلال بعض النشاطات شبه      الروائية ، كحكايات الليالي وقصص الحيوانات واخبار البخلاء وفن المقامة ، التي لم تتطور بما يكفل انتقالها إلى فن الرواية انتقالاً تدريجياً او بقفزة نوعية. ولعل هيمنة الشعر الاجناسية على أدبنا العربي ، واهتمام العرب به وسمو شأنه بهم جعل تلك النشاطات بعيدة عن اهتمام ادباء ذلك الزمن وكتابه ونقاده ومفكريه. بمعنى أن الرواية لم تنشأ ، عندنا ، نشأة عربية أصيلة فهي فن وافد استضافة الأدب العربي فأثبت حضوره عبر محاولات بدائية ارتدت رداءاً غربياً كمحاولات جورجي زيدان في رواياته التاريخية واخرى غيرها اشتغلت على بنية تأصيل الرواية مستفيدة من اشكالنا التراثية السردية كمحاولة جمال الغيطاني في روايته (الزيني بركات) عام 1971م التي اعتبرت نقلة نوعية مهمة في تاريخ الرواية العربية ( راجع استلهام التراث في الرواية العربية مصطفى ابراهيم القذافي مجلة الرواد العدد الأول عام 2000م)

    لقد استندت محاولات التأصيل على موجهات التراث المهمة ، كالتقاليد الحكائية و الحوادث التاريخية و اللغة التراثية و الاقتباس من القرآن وكتب التراث و الافادة من أجواء السحر و الغرابة و الخوارق و المعجزات و الكرامات ، ففرضت الأجواء التراثية هيمنتها ، وبسطت نفوذها على محاولات التأصيل التي قام بها روائيون ناشطون كان جلّ همهم منح الرواية هويتها العربية. ومن تلك المحاولات التي تستحق وقفة متأملة محاولة الكاتب الروائي المبدع حسن حميد (جسر بنات يعقوب).

2.عناصر التراث في الرواية:

    يقول الكاتب حسن حميد في (ما يشبه الاعتراف) انه قضى سنوات عديدة في [البحث عن اجوبة لأسئلة لها علاقة بالمثيولوجيا ، والتاريخ، و الواقع ، أسئلة كان في طالعها سؤال طفلي بسيط فحواه ، هو لماذا سمّي (جسر بنات يعقوب)]. ولما لم يجد أسئلة لأجوبته قرر ، بروحية المبدع ، وإصرار ، الفنان ، أن يبتكر تلك الاجابات وأن يضعها ضمن منطق يحدد أسس صرح روائي كبير إستكملت جوانبه الفنية و المعرفية في (جسر بنات يعقوب) الرواية التي اشتغل فيها على بنية التراث مكاناً وزماناً شخوصاً. فالمكان في الرواية يقع تحديداً في قرية (الشماصنه) وهي من القرى المشيدة قديماً على نهر الأردن الذي يقع عليه جسر بنات يعقوب. و الزمان هنا وإن لم يكن محدداً بالضبط إلا أن ملامحه تتقارب وملامح عهد النبي يعقوب. أي أن الحدث الأساس تبدأ أفعاله الدرامية منذ ما يقارب الخمسة آلاف عام. وإن الشخصيات كلها تأخذ صفاتها الشخوصية العامة من طبيعة تلك الفترة وتاريخها فتلبس لبوسها و تتشابه معها ولكنها في الوقت ذاته تختلف عنها اختلافاً يلائم تصور الكاتب ورؤياه الفنية و الفكرية ويسخر الشخصيات الجديدة المبتكرة لتعبر كل واحدة منها عن وجهة نظر تتنافر او تلتقي مع وجهة أو وجهات النظر الأخرى لتصل في النهاية إلى هدف الكاتب في الإجابة عن السؤال أو الأسئلة الكثيرة التي ظلت تلاحقه لسنوات طويلة.

       لقد اختار حسن حميد جسر بنات يعقوب مكاناً تراثياً واقعياً وافتراضياً في آن ، وفّر امكانية الانتقال إلى الماضي لمعرفة الإجابة عن السؤال الذي طرح نفسه في الحاضر لماذا سمّي الجسر جسر بنات يعقوب  و العودة إلى الحاضر بغية معاينة القيم الماضوية وصلاحيتها لتجذيرها في الحاضر وتثبيتها كدعائم قوية في الصرح الكبير لحياتنا المعاصرة. إن هذه العلمية جرت على وفق منطق سليم ابتكره حسن حميد فأوهمنا أن الواقع الافتراضي إنما هو واقع حقيقي ملموس له هويته المعرفة بأديان سماوية ثلاثة تتداخل بعضها مع بعض من دون أن تفقد محتواها واستقلاليتها أو تعاليمها على الرغم من تماهيها وتداخلها مع بعض ، ولعل ما يميز حسن حميد في هذا هو أنه يقارب بينها ويعلق عنها دون استخدام مسمياتها. إن سلوك بعض شخصياته هو الذي يضعها في زاوية حادة تسهل عملية فرزها وتسميتها. وإن اطلاعه على التاريخ ومجرياته ، ومعرفته بالديانات وشؤونها ، وبالتراث وجوهره أمور ضاعفت من فاعلية مادته التراثية وهيمنتها على روايته من دون ان تفقدها سماتها المعاصرة.

3.موجهات التراث ومهيمناته في الرواية:

[ هذا كتاب فيه مجموعة كتب ، وصل إليّ بالتوارث عن ثلاثة

عشر جداً من أجدادي ، وقد عثروا عليه في خزانة جدّنا الرابع

عشر العلامة المقدسي المعروف ألياس الشمندوري]

     بهذه السطور القليلة حدّد المؤلف هوية مؤلفه فقال تحديداً ( هذا كتاب) ولم يقل هذه رواية على الرغم من تثبيته كلمة رواية تحت العنوان الرئيس " جسر بنات يعقوب " ، قاصداً من وراء ذلك اشعارنا بطقسية استباقية إيهامية خاصة جعلت من الكلمة نافذة تطل على التراث او مفتاحاً للدخول إلى عوامله وأجواءه الماضوية. فهي ذات استخدامات قداسوية وردت في أغلب الكتب المنزلة. ففي إنجيل القديس متي وردت في مفتتح الانجيل: (كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داود ابن ابراهيم) الفصل الاول الآية الاولى وفي انجيل القديس يوحنا وردت في الآيات الآتية:

"ألم يقل الكتاب أنه من نسل داود" الفصل السابع الآية 42.

"من آمن بي فكما قال الكتاب ستجري في جوفه أنهار ماء حي" الفصل السابع الآية 28.

"ابحث في الكتاب وانظر أنه لم يقم نبي مع الجليل" الفصل السابع الآية 52.

وفي القرآن الكريم وردت في السور الآتية:

 سورة البقرة (ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين)

 سورة الواقعة ( إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون تنزيل من رب العالمين)

  سورة مريم ( يا يحيى خذ الكتاب بقوة)

 سورة البينة ( ألم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب و المشركين منفكّين حتى تأتيهم البينة).

 إن الأستاذ حسن حميد يأخذ من التراث الديني ما يمده بمقومات الكتابة الناجحة و الشخصيات المؤثرة و الأجواء الملائمة. وإذ يدخل عليها من عندياته ، التغيرات المطلوبة تتحول إلى مادة محفزة على خلق نص إبداعي جميل كنص " جسر بنات يعقوب ". لاحظ الجملة الأولى في الفقرة الثانية ( وفي الكتاب تاريخ حياة المهاجر يعقوب وبناته واخبارهم ) ثم ارجع إلى انجيل القديس متي وأعد قراءة الآية السابقة ( كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داود ابن ابراهيم) ستجد ، بعد القراءة و المقارنة ، وجه التشابه بينهما وهو تشابه مقصود أراد به المؤلف نقل التأثيرات الطقسية إلى مناخ روايته. ومن هنا يمكننا القول أنه يأخذ من الآيات إيحاءاتها وأجوائها وتأثيراتها ليصنع نصه وأناشيده وأسفاره الخاصة. ومن أجل الغاء الشبه و المقارنة فإنه يقوم بتشذيب نصه وتفكيكه وتركيبه ليعتم ، بشكل فني ، على مرجعيته ، يقول في الفقرة الرابعة:

[عملت كثيراً ، بعد أن وصل الكتاب إلي ، على أخبار يعقوب وبناته

من أجل التشذيب و التهذيب بسبب كثرة التفصيلات و الأخبار الغريبة

والمدهشة أولاً ، وبسبب وجود الكثير من المغامرات الجنسية العجيبة

والمحيرة ثانياً وحين وصلت إلى غايتي ، وجدت أنني أجهضت القصة كلها]

وهذا كله من أجل أن يعطينا مبرراً لعودته إلى النص الأول وتقديمه بلا نقص ولا إضافة.

[إنني إذ أنشر اليوم أخبار يعقوب وبناته كاملة أود التأكيد على

أنني لم أضف حرفاً واحداً إلى القصة وأنني أخرجها إلى الناس

كما وصلت إليّ عن طريق جدي ألياس الشمندروي رحمه الله]

  وهذا يعني عودته إلى الوثيقة التي وجدوها في خزانة جده الرابع عشر وتقديمها بشكل كتب مسلسلة متوارثة حفظها التاريخ ونقلها الأجداد. غير أن هذه الوثيقة لم تكن من صنع الماضي كما يبدو للوهلة الأولى بل من صنع الحاضر المطل من نافذة المعاصرة على التراث وفضاءاته الواسعة. مما يؤكد هيمنته (هيمنة التراث) كقيمة ماضوية لا تراوح محلها بل تتجاوز زمنها إلى الزمن الحاضر مسقطة رموزها عليه ومداخلة المعاني بعضها مع بعض في تماهٍ يتشكل منه نصاً إبداعياً قابلاً للتفسير و التأويل على وفق الذهنية المهيمنة آنياً وفنياً على عموم الرواية.

 

نشرت في:

       - صحيفة الجريدة ـ العدد 48 ـ التأريخ 30/10/2003 بغداد

                  - صحيفة القاسم المشترك ـ العدد 14 ـ التأريخ 12/11/2003 بغداد