موجهات الشخوص في "عزلــة أنكيـــدو"   

  عندما يتعمق الشعور بالعزلة فاننا  نميل الى معاشرة ذواتنا معلشرة سلبية تؤدي ، في أغلب الاحيان ، الى الرحيل عن علاقاتنا السابقة . واذ يصل حد اليأس فاننا نقرر الانقضاض على ذواتنا الهاربة لنتوحد معها ، ثانية ، في الموت ، من هنا جاء ت عزلة أنكيدو شعورا قاتلا بالتنافر ومحوا كاملا للألفة . لقد تطبع أنكيدو ، وهوكائن بشري ، بسلوك الحيوان . ألف حياة البراري فاطمأنت له حيواناتها ولكنها هربت منه لمجرد أنسلاخه من عالمها وأندماجه في الحياة البشرية  . لقد أعادت (البغي شمخه) أنكيدو الى طبيعته التي فطر عليها وقادته ، مرغما ، أو مختارا ، لافرق ، الى قبول الحضارة فلبس لباس البشر وسكن كما يسكنون وأكل وشرب كما يفعلون واتخذ من كلكامش أخا وصديقا ولكنه مقابل كل هذا شعر بالعزلة تتعمق في ذاته يوما بعد يوم تؤججها داخل نفسه حياة الغرف والحجرات والقصور والأسوار المنغلقة على عوالمها الداخلية . ولم تكن موافقته على القيام بالمغامرة مع صديقه كلكامش ، الرحيل الى غابة الأرز والقضاء على خمبايا المارد ، الا رغبة ملحة في الرحيل عن عالم الحضارة المنغلق الى عالم البراري الرحب حتى ان قادت تلك المغامرة الى الموت مادام يوفر شعورا بالأرتياح من ثقل العزلة الكابوسي وهذا هو دأب أغلب الشخوص في مجموعة هيثم بهنام بردى (عزلة أنكيدو) وكأني به يقول فيها ان عزلة إنسان مابين النهرين عزلة موغلة في القدم وممتدة في عمق التأريخ . ففي قصة (الآخر) تقتحم الذات الأخرى ، بشكل مفاجئ ، عزلة الرسام (البطل) لتصور له حالة تلك العزلة ومداها ( أسوارك عصية على الارتقاء ، وقلاعك عصية على الاقتحام ، وقلبك قصر مسحور لا أبواب ولا نوافذ له) ثم تأمره مشفقة ( أفتح أبوابك ونوافذك للشمس) لقد جعل هيثم من الغرفة ، وهي هنا المرسم ، مكانا مناسبا لتعميق دلالة العزلة واحاطتها بما يجعلها منقطعة عن العالم وسنجده في القصص الأخرى يؤكد على هذه المكانية ليعزز، من خلالها ، رمزه بالدعم الصوري الكافي والتضخيم الكبير لحقيقة العزلة وأثرها على شخوصه المنكفئين على أنفسهم . إن أغلب شخوصه ممن يعانون العزلة في عالمهم الداخلي    (  داخل الغرفة ) تقتحم عزلتهم ذواتٌ تأتي من خارجها كما في (حنين والبحر وتسامي والمعجزة والصديق السرمدي والاحتفال وأمنية والحنايا) وهي ذوات متواصلة مع الخارج      ( خارج الغرفة ) تفتح الأبواب والنوافذ وتترك الشمس لتدخل الى ظلمات وغلس الحجرات المقفلة في محاولة منها لكسر العزلة القاتلة . وأذ تفتح منافذ الخروج فان هيثم بهنام بردى يترك شخوصه لتقرر الرحيل الذي يشتغل عليه كموجه ، آخر ، لشخوصه داخل النصوص . وهذا لايعني ، هنا،  الغاء العزلة الغاء تاما لأنه سيوصل شخوصه ، عن طريق الموت أو الغياب الكلي الى عزلة ثانية ففي قصة ( السفر) هناك ( امرأة يافعة تخرج من صدرها ( من صدر المرأة السجينة ) وتحلق مسافرة نحو الشمس) لتغيب غيابا كليا كما غاب الصديقان في (مدينة الضياء الأول) أو كما غابت القافلة في (هالة ذات بريق أصفر) وبذا يتحول الموت الى طريقة للخلاص وجسر ينقل شخوص (بردى) ، على وفق تلك الطريقة ، الى ذلك الخلاص . اذن العزلة والرحيل والموت ثلاث موجهات تحرك شخوص ( بردى ) من خلال جملة من الأدوات والموحيات التي تشتغل على بلورة حالة الشخوص الداخلية بكثافة وأختزال يتسمان بالدقة والوضوح . إن كل موجه من الموجهات الثلاث يعمل بطريقة مغايرة ظاهريا ومتلائمة باطنيا . بل ان كل واحد يؤدي الى الآخر بطريقة ما . وان الكل يؤدي الى الموت الذي هو محصلة نهائية لحاصل تأزم الشخوص وانفلاتهم من مأساوية حياتهم اليومية وتخبطهم في الرتابة والعشوائية.

لقد زج هيثم بهنام بردى شخوصه في أمكنة ضيقة حددها لتكون منغلقات تضيق بها حركتهم الجامحة وتثب ، منها ، أرواحهم متحررة نحو سماء الأبدية . إنها عنده غرف أو حجرات أو ما يشير اليها كالابواب والنوافذ والصور وقطع الآثاث ، مساحة حجمها لتختنق داخلها رغباتهم ويهمش حضورهم الطاغي ، إن شخصيات ( بردى ) القصصية انطوائية ، في أغلب الاحيان ، يائسة مستسلمة لقدرها ببرود . هادئة غير أقتحامية تسور نفسها بحواجز وموانع وأسوار عصية على الارتقاء . متوحدة مع نفسها ومنفصلة عنها بغية تحقيق غاية لها يصعب تحققها في حياتها الواقعية فيصار الى تحقيقها داخل النص . وهنا تبرز ، بشكل جلي ، امكانية هيثم الفنية وقدرته بوصفه قاصا وتقنيته العالية المتحققة على مساحة صغيرة جدا هي مساحة الاقصوصة كما في (حنين) حيث يرى البطل نفسه في شخصية منفصلة تدخل غرفته وينشأ جسدها يصغر ويصغر حتى يصير طفلا ببنطال قصير وقميص أبيض وخصلة صفراء متهالكة على جبينه وأذ يداهم البطلَ البكاءُ وينهمر الدمع من عينيه العسليتين ينظر الى نفسه    ( صنوه ) فيراها دامعة العينين أيضا ودمعها صاف كالسماء التي خلف رأسه ، وفي قصة     ( تسامي ) يدخل البطل على نفسه ( صنوه ) ويهمس في اذنها ثم يقودها نحو الشمس . وهنا تخبرنا القصة انهما ( بانا تحت وقدتها صديقين أو آصرتين تكون في ألتحامهما العضوي وحدة فلزية كاملة ) ثم يذهبان الى حيث يطلق أحدهما على نفسه منتحرا ليتوحد ، ثانية ، بالموت ، وفي قصة ( السفر) تدخل المرأة اليافعة على نفسها كما لو انها أنفصلت الى أثنين ( ثم تبصر امرأة تخرج من صدرها وتحلق مسافرة مع الشمس) وفي قصة ( المعجزة ) يقترب وجه مألوف للرجل المصاب بالشل  يناديه ثم يختفي في الضلام فيقوم الرجل اليه منجذبا ، بشكل تلقائي ، فتتحقق المعجزة بأستعادة الشخصية قدرتها على الحركة وكذا الحال في قصص (الصديق السرمدي ، المعادلة ، تداعيات صبرة)  لقد توحد الشخوص ، اذن ، من خلال الموت ومن خلاله ، أيضا ، توحد الانسان مع الحيوان كما في قصة (حب خرافي) أذ ( يشهر الرجل أنيابه ، يشهر الكلب أنيابه ووثبا الواحد على الاخر ، شاحنا في جسده المدرع بنزعة البقاء كل الحب الذي يكنه للآخر) وكذلك في ( سماء أخرى) حيث ترى الحمامة نفسها في الفتاة التي تغادر فتاها نحو ، سماء أخرى فتغادر هي ، أيضا ، الى تلك السماء .  

إن أغلب شخوص المجموعة هاجسها الموت ( الخلاص ) فهي تختاره وسيلة لادراك هدفها النهائي الذي هو عندها المعادل الموضوعي للحياة والوجه الآخر لعملتها وبذا يكون الحي والميت صنوين وكذلك المهد والتابوت والموت والولادة كما في قصة ( المعادلة ) أما في قصة( الانقلاب ) فتنتظر الشخصيات تحققه حتى عندما لاتستطيع الوصول الى النقطة التي تأمل وضعها في نهاية سطر الحياة.

إن بين الحياة والموت آصرة قوية تشدهما وتجعلهما متجاورين حد الالتحام وتشتغل على الغاء الاستقلالية وتسهيل الاندماج .. وعلى الرغم من أن شخصيات ( بردى ) لم تكمل دورتها في الحياة ، على الأغلب ، لذا فأنها تحاول ذلك من خلال النص بمغادرة الموت  والانتهاء من مشاريعها المؤجلة التي لم يمهلها الموت أن تكتمل.

لقد صور ( بردى ) شخوص قصصه بدقة ووضوح ساعدت الفنان أمير اوراها في وضع لمساته الفنية على خطوطه السود ليشكل منها رسومات ( تخطيطات ) معبرة عن عمق عزلتهم ..  مصورة جملهم الوامضة .. ناطقة بفعل القص الرئيس ومحافظة على روحية (عزلة أنكيدو) التي هي في الأصل روحية القاص هيثم بهنام بردى*

 

العراق بعقوبة

..............................................

 * هيثم بهنام بردى قاص من العراق أصدر المجاميع القصصية الاتية:

       حب مع وقف التنفيذ 1989

       الليلة الثانية بعد الالف 1996

       عزلة أنكيدو 2000

                 نشرت في:

-         صحيفة العراق ـ التأريخ 27/10/2000 بغداد

-          صحيفة العرب العالمية ـ التاريخ 23/5/2001 لندن