التناص في القصة العراقية القصيرة 

     التناص غير المقصود

     تتفق اغلب الدراسات الحديثة التي تناولت موضوعة التناص على (ان التناص قانون النصوص جميعا)(1). وتعتبر النص الإبداعي سليل كم من المرجعيات التي تشكل بعد أن تتقاطع و تعدل وتبدل (2) وتحتدم ،  وتكثف وتنقل وتعمق (3) ، وتقرأ وتؤل وتعاد كتابتها (4)  وتحول  وتمثل (5)  نصا مركزيا جديدا يتضمن معنى إضافيا  متفردا ومتميزا على كل المرجعبات التي منها. إن التناص باعتباره قانون النصوص يلغي ،بشكل تام ،براءة الأفكار وعذرية الكلمات ،باستثناء كلمة (آدم). ويخلص إلى أن كل ما يقال ،الآن، قد قيل قبل الآن بأشكال مختلفة (6) وتنزع الدراسات النقدية الى مظهرته باعتباره طاقة استهلاكية استنفادية لا ينتج ،في احسن الأحوال ،إلا معنى بسيطا متواضعا على الرغم من أنها اشترطت أن يكون رياديا ، لقد ركزت اغلب الدراسات على متابعة جذور النص و البحث عن  موصلاته وربطها بعضها مع بعض بعلاقات توالدية ،وهذا يعني أنها اهتمت بالدرجة الأساس بآلياته، و ضربت أمثلة على تلك الآليات مغالية  في اضهار مفاصلها ونتائجها التي ترتبط مع بعضها بعامل مشترك أو بعدة  عوامل مشتركة  يفضي كل واحد منها الى الآخر دون الأخذ بإيجابية هذه الآلية أو سلبيتها و هذا هو جوهر الاختلاف بين التعاريف الكثيرة التي خلص واضعوها الى هذه الآلية التي تقوم على المفردات التعريفية الآنفة الذكر. 

   لقد أراد النقد أن يكشف عن الجذور والامتدادات ثم التداخلات و التقاطقعات بين النصوص سواء تلك التي أنتجها الماضي أو ابتكرها الحاضر أراد النقد أن يعطي تفسيرا وتبريرا لهذه الارتباطات الماضوية وان يوضح أن التناص عادة يأتي عفويا اعتباطيا أو توارديا غير مقصود (7) وأراد ،أيضا ،إلقاء الأضواء على سبل الاتصال والمفارقة بينه ،كنص انبثاقي وبين النصوص المكونة له كمرجعيات و موجهات ليخلص الى نتيجة أن لا وجود للنصوص البريئة فأهتم النقد بدراسة الحيثيات و الآليات مركزا في مهامه التفسيرية و التحليلية على التناص الاعتباطي لأيمانه أن اغلب النصوص تندرج تحت هذا النوع  مشكلة موروثا للنص الجديد وتاريخا  ومرجعيات. ولم يهتم ،كثيرا، بكيفيات التناص الإبداعي ولا بقصديته ولا بفنيته.                                                                     

تناص القرائن

  إن التناصات العفوية غير المقصودة لا يمكن أن تتسع لها دراسة متواضعة واحدة كدراستنا هذه . و بغية إعطاء صورة واضحة عن هذا الشكل من أشكال التناص ارتأينا تناول عدد من القصص التي توحدها العوامل المشتركة الآتية :

 1. غياب القصد

 2. الاعتماد على فكرة القرين

 3. التضاد بين شخصيه البطل وقرينه

 4. تداخل القرائن وتقاربها وتشابهها وتماهيها بعضها مع بعض

   ونموذجنا الأول هنا قصتان قصيرتان جدا. كتب الأولى عام 1996القاص سعد محمد رحيم تحت عنوان (الآخر)، وكتب الثانية عام 2000  القاص هيثم بهنام بردى تحت عنوان   (المعجزة) (9 ) في القصتين تناص  جزئي  اعتمد على فكرة القرين واشتمل على بعض المفردات والافعال التي تشكل صورا  دلالية موحية تشير بالطريقة نفسها الى وجود (الآخر) القرين الذي بجئ ليطرق الباب أو النافذة مستأذنا من قرينه الالتحام معه أو فيه .أحدهما يمثل الحاضر والآخر يمثل الماضي السحيق (ماضي الشخصية) وكلاهما (كلا الشخصيتين الماضويتين) يأخذان الآخرين من حاضرهما لا الى  المستقبل  حيث يقوم النص بالانفتاح على عالم جديد ومشرق وإنما إلى عمق المجهول لشعورهما بلا جدوى فعل الحاضر واستسلامهما أمام مجريات الواقع المعاش  وقواه التدميرية. ان القاصينهنا، يؤمنان بالماضي وبأمكانية تفعيله للحاضر ولكنهما لا يؤمنان ،كثيرا، بالمستقبل ولذا يغادران مع قرين كل منهما الى البعيد المجهول. انهما يشتغلان على الفكرة نفسها وهي فكرة عامة، غير مقصودة على احدهما او على احد غيرهما و هذا يرجح امكانية تناولها من كتاب آخرين يدخلون في تناص مع سعد أو هيثم ،لا فرق، وبالطريقة نفسها على وفق آليات التناص غير المقصود.إن تقارب أفكار القاصين وتداخلها وتقاطعها أمر بديهي متأت من قراءة  احدهما لنص الآخر، وربما قراءة الاثنين، معا، لغيرهما قراءة تشكلت منها مرجعيات كل منهما. ففي غمرة الحياة والاندماج في مشاغلها وهمومها لا يظل. الكثير من النصوص عالقا الا في اطراف الذاكرة او انها تختفي لتظهر،مرة، أخرى بشكل مختلف (مثال الخراف المهضومة) (10) ولا يعني تاريخ نشرهما  وسبق النشر في هذا  النوع من التناص شيئا لعدم وجود أدلة على السرق او اللصوصية و هما أمران مستبعدان لدينا قدر تعلق الأمر بالتناص .فإذا كنا قد تحدثنا في موضوع سابق عن بعض التناصات مع كتابات محي الدين زنكته (11)  تحت عنوان (التناص و السطو على نصوص الآخرين) فأننا لم نكن نعني الدمج بين مفصلي الموضوع ،كما فهمه البعض، فما للتناص للتناص ..وما للسطو للسطو .ان التناص في قصتي سعد محمد رحيم و هيثم تناص جزئي مبني ،بشكل أساس، على بنيتي الدخول و الخروج . فالقرين يأتي من اعماق الليل ليدخل أو يطل على قرينه  ضمير المتكلم) ليكتمل الفعل الأساس للقصة ثم يخرج سائرا  باتجاه  هدفه الأخير و على النحو الآتي :

       

نقر خفيف قصة المعجزة طرقات منغمة قصة الآخر علامة الدخول بنية الدخول
النافذة قصة المعجزة الباب قصة الآخر مجال الدخول بنية الدخول
ليل المدينة قصة المعجزة أعماق الليل قصة الآخر زمن الدخول بنية الدخول
يعاود المجئ/يعاود ظهوره المثير قصة المعجزة ها هو قد عاد قصة الآخر تكرار الدخول بنية الدخول
ساقي المشلولتين قصة المعجزة سبه عاجز قصة الآخر حالة الخروج بنية الخروج
الى ليل المدينة قصة المعجزة الى البعيد...البعيد قصة الآخر هدف الخروج بنية الخروج

 وعلى الرغم من هذا التقارب والتداخل إلا أن القصتين تتقاطعان عند فكرة شفاء بطل (المعجزة) من عجزه  واستمرار  حالة العجز عند البطل (الآخر) . يقول بطل (المعجزة):  (أمشي على السجاد بقدمي الحافيتين) في الوقت الذي يؤكد فيه  بطل(الآخر)عجزه إذ يقول: (لكني شبه عاجز..كيف استطيع السير) وهذا يعزز الثقة في بطل (المعجزة) بينما يعزز الاتكالية عند بطل (الآخر).الأول يتجه الى هدفه مدفوعا بقوة واصرار الاصحاء . والثاني يتلكأ و يتردد مشككا في قدرته على السير نحو الهدف.الأول يحدد هدفه (الى البعيد.. البعيد) الذي يتطلب قدرة كافية للوصول اليه. والثاني  يحدد هدفه (ليل المدينة) القريب الذي لا يتطلب جهدا كبيرا للوصول اليه. و هكذا من شخصية واحدة يمكن ان تنبثق شخصية أخرى مختلفة أو عدة شخصيات مختلفة. ومن فكرة واحدة تولد فكرة أخرى وأخرى قد تؤدي، داخل النص،معنى إضافيا، وربما رياديا ايضا وكل هذا جائز ووارد في التناصات غير المقصودة التي لا يتدخل الوعي فيها الا بالقدر المحدود ومن القصص التي تعتمد على فكرة القرين او القرائن قصة الكاتب القصصي صلاح زنكنه(فصام سري) (12) التي تدور أحداثها داخل منزل تتحول فيه حياة الزوجين الى جحيم مستعر جراء  اكتشافهما        وجود من يعبث بهما وباشيائها وممتلكاتهما. فمرة يجدان وجبة طعام كاملة اعدت لهما ولم يقوما بطبخها. ومرة يجدان أثاث البيت قد تغير دون أن يقوما بتغييره. ومرة تجد الزوجة فستانها الجديد قد دشنته امرأة مجهولة قبل ان تدشنه هي. ووصل الأمر إلى اكتشاف طبعات احمر الشفاه على قميص الزوج. والأدهى والأمر وجود جمل واسطر كتبت في مذكراته مدونة اشياء رآها في احلام وكوابيس لاحقته طيلة الليلة الفائتة. وبعد تفاقم الأحداث وشيوع الفوضى في حياتهما يقرران مراقبة المنزل من مكان خفي (أخيرا قررنا أنا  و زوجتي أن نترصد لهؤلاء الاغراب الاوباش فاعددنا مكانا خفيا من البيت اختبأنا فيه نرقب ما يحدث ،وبعد ساعات من الصمت والترقب فتح الباب ودخل رجل كان انا ثم دخلت امرأة كانت زوجتي وراحا يتشاجران (من دخل بيتنا ؟) (من يختبئ خلف الستارة ؟) كانا يصرخان وسط الباحة..لم يكن ثمة احد سوانا انا وزوجتي وسط الباحة كنا نصرخ ونبكي متعانقين) لقد كان قريناهما يفعلان كل شئ بدلا عنهما و يقومان،هما، به دون ارادة منهما على وفق (فصام سري).

  وفي تناص جزئي ،غير مقصود، يكتب القاص وارد بدر السالم قصته (الغياب العاطفي) (13)  اعتمادا على فكرة القرين أيضا. أحداث القصة تدور داخل منزل زوجين متخاصمين، كما هو حال الزوجين في (فصام سري) ثبتت القطيعة بينهما حواجزها المنيعة. الزوج مهدد بالغناء لان أمله في الحياة اوشك على الانطفاء:

(ربما حدث ذلك بعد الحرب حينما أخذت الحياة شكل الحجر توالدت الأيام على فراغات                              مرة لم نصدق انها ستصبح هكذا، فراغات سامة وحجرا يتراصف على حجر غالقا مسالك الحياة و نوافذ التواصل وحلم الطفولة بشكل أدمى العيون وأهاج الشكوك في كل ما يجري) فتفاقم الشعور لديه بالاحباط والمرارة والحزن وراح يشدو بشجن ولوعة وعذاب كل مرة في اللحظة المقلقة  التي تأتي ،دائما، غامضة عند المساء. كان الزوجان يتسمعان اليه و يتحاوران حول شخصيته الغامضة. وهو نفسه الذي جعل الزوج مضطرا لكسر حاجز القطيعة بينه وبين زوجته ليستفهم منها عن ذلك المعلم المعذب صاحب الصوت الجميل والحزين:                                                   "

(ـ   من هذا ؟   

 ـ جارنا

 ـ و لماذا يغني

 ـ لا ادري..)                                                                                                    

ثم يسألها عن عمله فتجيب انه معلم قديم. ويستمر بدر سالم في سرد خطابه القصصي حتى نمسك بأول خيط من خيوط الحقيقة ونعرف من فرط معاناة  ذلك القرين تاريخ عذاباته كلها .   يقول الزوج متأسيا(يا للمعلم القدير الذي سحقته الحياة وسلبت منه ما سلبت فسحقها بالغناء او الصمت الحكيم.. إني اشعر بانتمائي العظيم اليه، إلى تلك الأغاني الجبارة زلزال الليالي المعبأة بالآلام والمجهول..  أغانيه ..عذاب كبير .. كيف يحتمله !                      
_منذ استشهاد ولده الصغير..اصبح هكذا :يغني ! عانقته كثيرا في مجلس الفاتحة وبكيت على صدره طويلا)
ولحظة دخوله عليه نكتشف ان الآخر لم يكن الا قرينه وانه هو نفسه كان جالسا  ينظـــر إلى صورة صغيرة ضاحكا. وكان للتو قد انتهى من أغنية كل مساء.

  لقد حقق وارد السالم في قصته، هذه، اضافة مبدعة ومعنى إضافيا على صعيد التناص .وخطابــا متميزا على صعيد قصة الحرب ومخلفاتها من المعاناة البشرية والآلام الإنسانية الكبيرة. وهي بعد هذا ،كله، تستحق ان  تدرس كنموذج راق من نماذج قصص الحرب العراقية. أما قصة (القرين) (14) لجمال نوري ، وهي قصة قصيرة جدا فانها تندرج ضمن مجموعة القصص التي تعتمد على فكرة القرين. وكان حرياً بكاتبها أن يمنحها عنوانا آخر ليترك للقارئ فرصــة اكتشاف القرين ودهشته من ذلك الاكتشاف،تماما، مثلما فعل بدر سالم في (الغياب العاطفي) او صلاح زنكنه في (فصام سري) او هيثم بهنام بردى في (المعجزة) . وجمال نوري يحمل قرين بطلـه مغبة الأفعال المشاكسة والسلوك المنحرف والتصرف برعونة ونزق واستهتار. وهو على وفق هذا مختلف عنه كل الاختلاف ومتناقض معه كل التناقض ولكنه مع  ذلك ملتحم به ولا انفصــام بينهما إلا من الناحية الفنية حسب.

التناص المقصود

التناص مع الموروث الشكسبيري

قبل البدء

إن أغلب التناصات المقصودة الواعية تقوم أما على نصوص تحفظها الذاكرة الثقافية وموروثها الجمعي وأما على نصوص متميزة ومتفردة على بقية نصوص زمانها. وفي الحالتين تكون التفاصيل معروفة من قبل المتلقي سواء تلك التي تتعلق بالموضوع  أو التي تتعلق بالشخوص مما يوفر، للقارئ، الوقت الكافي لتأمل كيفيات التناص بدل هدره الوقت في البحث عن جذوره و امتداداته ومكوناته.

  وقد اشتهر القاص الكبير جليل القيسي بهذه التناصات الفنية المقصودة. فهو يخطط سيناريوهات تناصية ويحدد نقاط الالتقاء والمفارقة بالشخصيات المتناصة ويداخل بينها ويوهمنا بتأثير إحداها في الأخرى وكأنها ترتبط معها بحياة متصلة تشكل واقع حال الشخصيتين. ويعتمد الأستاذ القيسي،أيضاً، على ابتكار تناصات  من أجناس مختلفة في أصولها ومشاربها. فهو يأخذ من المسرح الشكسبيري، على سبيل المثال، مثلما يأخذ عن الرواية الدستويفسكية أو من مصادر وأجناس أخر يصبها في قالب قصصي مبهر يمنحها زيادة وريادة في المعنى. وتفرداً وتميزاً في الشكل ومثال ذلك نصه الدرامي " محاولة التعرف على الليدي مكبث " ونصه القصصي " ليلة هاملتية " أما الشاعر والمسرحي يوسف الصائغ فقد اشتغل، هو أيضاً ، على التناص مع شكسبير فأخذ عنه مسرحية عطيل وروميو و جوليت. فإذا استثنينا هذه النصوص وأخرى غيرها من النصوص المشهورة والمعروفة والمتميزة في تاريخ الأدب الإنساني( 15) فأن من الضرورة بمكان أن يشير الكاتب إلى مصدر تناصه ليجنب القارئ والناقد والباحث مشقة تتبع أوجه التشابه والمقارنة والسرقة الأدبية. ويتيح له فرصة تناول الجوانب الإبداعية للنص الجديد. فعلى سبيل المثال لا الحصر أخذ القاص حسين عارف عن مسرحية "الجراد" نصه القصصي " الذئاب " واشتغل على محاكاتها شكلاً ومضموناً دون أن يشير في نصه الوارث إلى النص الموروث. وكذلك فعل القاص فاضل العزاوي إذ كتب نصه القصصي الموسوم " هو " بالاعتماد على رواية محي الدين زنكنة " هم " دون أن يضع هامشاً صغيراً يشير إليها من قريب أو بعيد (16) . ولما كان للتناص المقصود أوجه متعددة ومختلفة لا يمكن حصرها في هذا المحور من دراستنا لذا سنركز جهدنا على القصص المتناصة مع شكسبير

1. ليلة هاملتية (17)

   يخبرنا عنوان القصة عن حدوث تناص مقصود يشتغل القيسي من خلاله على التقارب المتناسب بين بطل قصته " مهند" وهو ممثل شاب يؤدي دور هاملت في فرقة مسرحية وبين هاملت شكسبير الذي يتحول بعد تفعيله داخل النص الجديد إلى عصّاب يفاقم أزمة الممثل ويصيبه بالشلل النفسي. كما يخبرنا السياق أن روح هاملت المشبعة بالحزن و القلق و الاضطرابات النفسية و الاجتماعية قد تقمصت بدنه " بدن الممثل " ثم غارت فيه مستعمرة إياه من الداخل. إن جل حلم مهند كممثل طموح هو أن يؤدي دوراً شكسبيرياً كبيراً كدور هاملت. وإذ يتحقق الحلم فانه يسعى جاهداً مجتهداً إلى معايشة الشخصية وسبر أغوارها ودراسة أبعادها   الطبيعية والاجتماعية والنفسية وامتلاك أوهامها واندفاعاتها ووساوسها وانفعالاتها الطائشة وعواطفها الهائجة وطلاقتها الفكرية والتعبيرية.

  إن قوة الحضور التي يمارسها هاملت شكسبير ويفرضها على شخصية الممثل الشاب و هيمنته على تصرفاته وأفعاله أدت إلى عدم توازنه وعدم انتظام دورته الدموية وإصابته بآلام كثيرة ظهر بعضها كأمراض لهذه الآلام.

       إن اصفرار وجهه الليموني ومسحة الحزن التي غطته تماماً كانا يخفيان وراءهما اكتئاباً مراً اعتصر روح الفرح فيه وبدد في نفسه الانطلاق و الحب. اختصاراً وقع " مهند "  القيسي  في أسر(18) " هاملت " الشكسبيري  ورضخ لشرطه المدمر في:

                                        "أن نكون أو لا نكون"

    وسعى إلى تحقيق كينونته مثلما سعى إليها هاملت المسرحية. ولكن هل استطاع أن يحققها فعلاً ؟ فأن كان قد استطاع ، فإلى أي مصير آلت اليه تلك الكينونة ؟ وتأتينا إجابة شكسبير مهيمنة ، أيضاً ، على إجابة القيسي.. إلى الموت.

     لقد تعجل القيسي أو أنه كان مضطراً، بسبب صغر حجم المساحة التي يتحرك عليها بطله ، إلى إماتة مهنده في ليلة واحدة ،فقط، في الوقت الذي استنفذ ذلك من شكسبير أياماً وليالي طويلة. وهذا يعني أن القيسي لم يمهد لموت بطله تمهيداً كافياً.

    لقد اعتمد القيسي على"التضمين" كمستلزم من مستلزمات التناص المقصود وطريقة فنية لدعم أفكار الشخصية المنبثقة عن شخصية هاملت.. وحاول من خلال التضمين تقريب وجهتي نظر الشخصيتين منتقياً لأجل ذلك الحوارات الشكسبيرية الرصينة التي يسهل مدّها كجسور بين هاملت الدنماركي وهاملت،قصته، المبتكر. أن مهنداً الممثل المهووس بهاملت اختاره القدر ليكون ضحيته الدرامية كما اختار هاملت من قبله محققاً في اختياره موتاً تراجيدياً مهولاً لم يقل عنه درامية موت"مهند" وأن لم تكن تلك الدرامية على وفق سياقات شكسبير بل على وفق مشيئة القيسي وحكمه في أن تظل مسبباته مجهولة ومثيرة لتساؤلات عديدة وإجابات مختلفة.

   لقد حاول القيسي أن يجعل من مهنده صنواً للبطل الشكسبيري وأن يمنحه القدرة على التأثير في زملائه الممثلين وكونه فيهم مثل فايروس محايد حتى تحين فرصة تحوله إلى فايروس ممرض يصيبهم بـ " حالة من الاكتئاب الشديد، والألم النفسي، كما يخلق حالة من الهلوسة، والرؤى والأوهام قد تؤدي إلى الانتحار". وهذا تأكيد غير معلن أن للفايروسات الهاملتية القدرة على التكاثر والاستمرار والتأثير والانتقال والكمون  والحيوية وبلوغ الذروة بوضع نهاية محتومة للمصابين بها أو ممن ظهرت عليهم أعراض الإصابة.

  يقول الممثل البديل الذي حل محل مهند بعد موته الدرامي المجهول مكرراً حتى اليوم الأخير من عرض مسرحية " هاملت " ، كلما أمسك رأسه وهو على خشبة  المسرح :

" مادام للذكرى مكانٌ في هذه الرأس المشوشة لا أنساك " .

  لقد اشتغل المؤلف في " ليلة هاملتية " بالإضافة إلى ما تقدم ، على التناص الخارجي و التناص الداخلي  إذ اعتمد الأول على وعي الكاتب الذي هضم النص الشكسبيري و أراد لنصه أن ينبثق مختلفاً متميزاً ومتفرداً  في معناه.واعتمد الثاني على قدرة ممثل النص الجديد في استلهام شخصية هاملت وتقمصها والركون إلى أفكارها والقبول بمعاناتها وعللها وكل ما يمت إليها بصلة من قريب أو بعيد ثم الرضوخ أمام جبروتها وطغيانها وهيمنتها  وأسرها رضوخاً سلبياً يؤدي بطبيعة الحال إلى تطبع الممثل بطباعها حتى في حياتها خارج المسرح وكأن حياته الطبيعية ، في الواقع ، امتداد لحياة الشخصية على خشبة المسرح.

  إن الإصابة بفايروس الشخصية، أن جاز التعبير وصح، يفوت على المصاب فرصة الانتهاء من الشخصية حال انتهاء الدور. ولعل اقرب الأمثلة إلينا ما قيل عن الممثل " بيتر اوتول " الذي أدى دور الزعيم الهندي المسالم " غاندي " من أن طبائع الزعيم ظلت مهيمنة على شخصيته حتى بعد انتهائه من تصوير الفيلم وعودته إلى حياته اليومية.

                                                                                                             2. قناع بورشيا:

   يحيلنا عنوان القصة (قناع بورشيا) (19)  مباشرةً إلى (تاجر البندقية) لوليم شكسبير، والى شخصية لا تقل في أهميتها ودراميتها عن شخصيات إبداعية مثل جوليت ودزدمونة واوفيليا. ومن المؤكد أن عنواناً كهذا يعلن منذ لحظة قراءتنا له عن وجود تناص مقصود بين خطاب الخفاجي القصصي وبين خطاب شكسبير المسرحي. وأن قناع بورشيا يشي بوجود من تتماهى مع بورشيا في قصة الخفاجي تماهياً سنجد أن قوامه التداخل والتقابل والتقاطع والتضمين والتشبيه والمقارنة. وسيكشف لنا المؤلف ، فيما بعد ، محاورة مختزلة بين   المدرس وتلميذته عن حقيقة القناع الافتراضية إذ تقول التلميذة لمدرسها:

                    "رأيتك من الغرفة وأنت تخلع خاتمك. افترض أنني بورشيا

                      وأنت بسانيو. ألا أشبه بورشيا المتنكرة ؟"

   وفي هذا إشارة إلى أن بورشيا نفسها ستتحول إلى قناع ترتديه التلميذة لتحقق مأرب لها لا يمكن أن تصرح به علناً فهي تخاطب مدرسها بخطاب بورشيا الذي يخفي ، إلى حد ما، خطابها هي. وبذا يتحقق للمؤلف التداخل والتقابل بين شخصيتها وشخصية بورشيا. وستجد نفسها ،بعد ذلك، مضطرة إلى تشبيه مدرسها بشخصية " بسانيو " كي تحرر من داخلها فكرتها المقمعة.

                       "افترض أنني بورشيا وأنت بسانيو"

رغبةً مقنعة بافتراض مقصود يهدف إلى إلغاء فارق العمر وتحول المدرس الذي هو بعمر أبيها إلى شاب بعمرها تماماً مثل " بسانيو". ويعزز في نفسها فكرة الحب. وبذا يتحقق التشبيه والمقارنة بين شخصيتي المسرحية الرئيستين وبين شخصيتي القصة الرئيستين. وسنجد مع تطور سير الأحداث وتقادمها كيف يستخدم المؤلف التضمين و التقاطع لينجز تناصه الفني المقصود على أكمل وجه. ولغرض تتبع خطوات ذلك التناص سأبدأ من أول فعل تبدأ به القصة انفتاحها على النص الشكسبيري " وصلت " وهو فعل يختصر ويكثف سلسلة من  الأفعال الحركية السابقة لفعل الوصول والمؤدية إلى المكان المقصود بشكل مباشر يجعل الكاتب في   غنىً عن المقدمات الزائدة والاطالات المملة  والترهلات المقيتة دافعاً شخوص قصصه إلى مصادمة بواعث بعضهم مع بواعث البعض الآخر والبدء من اقرب نقطة إلى وسطها.

"وصلت" هو فعل يعلن عن بدء التناص مع (تاجر البندقية). ففي المسرحية يصل إلى قصر (بورشيا) خطّابها من الأمراء و النبلاء وكل منهم يطمح ، بعد اختيار الصندوق الصحيح ، في الحصول عليها كزوجة وحبيبة. أما في (قناع بورشيا) فأن مدرس اللغة الإنكليزية يصل إلى قصر فتاة الخفاجي الشاهق الواقع في أطراف المدينة وإذ يقف أمام واجهته فانه يقوم بخلع خاتم زواجه ودسه في جيبه ليجعل القصة في هذا الموضع الافتتاحي تلتقي مع المسرحية عبر دلالة الخاتم على حضور ودوام العلاقة أو غيابها. وتتقاطع هذه الفكرة مع فكرة المسرحية ففي (تاجر البندقية) يخلع (بسانيو) الخاتم لأسباب لا علاقة لها بعلاقته مع بورشيا. أما في القصة فأن مدرس اللغة الإنكليزية يخلع الخاتم كمحاولة للدخول إلى عالم مختلف وهو مختلف فعلاً، مبرراً بذلك رغبته أن يظل مجهولاً أمام الغرباء وهو تبرير بدأ واهياً. بعد افتضاح رغبته في مبادلة تلميذته المشاعر التي تكنها له منذ رأته للمرة الأولى.

لقد وضع المؤلف بذكاء القاص، بعض الإشارات الموحية بالتغييرات اللاحقة التي ستطرأ على حياة شخصياته منذ البداية فهو يتحدث على لسان " ضمير المتكلم" عن شدة البرد الثلجي خارج القصر وعن الدفء المطلوب داخله " ألصقت جسدي على باب  القصر، كأنني أطلب الدفء ، محتمياً من لسعات الهواء الثلجي " لقد أفقده البرد ،خارج القصر، هدوءه " لكن الدفء الذي كان يشع ،من مدفأة غريبة الشكل، أعاد " له ذلك الهدوء. كما أن إشارته إلى بساطة هندام المدرس أمام فخامة و أناقة هندام الفتاة أضاف تمايزاً طبقياً بين الشخصيتين واختلافاً كبيراً بين العالمين عمل الحب على تحجيم آثار الفوارق بينهما وربما إلغائها بشكل تام.

       هذا في القصة أما في المسرحية فأن (بسانيو) على الرغم من أنه كان تاجراً إلا أن تجارته خسرت واضطر إلى اقتراض ما يسّد تكاليف وصوله المهيب إلى (بورشيا) من  (أنطونيو) وهذا يعني، عند المقارنة، أنه ومدرس اللغة الإنكليزية يقفان على قدم المساواة. كما أن (بورشيا الخفاجي) كفتاة ثرية تقف مع (بورشيا شكسبير) على قدم المساواة، أيضاً، من حيث الثراء فكلتاهما تسكن قصراً شاهقاً ينعم بالدفء والثراء. ويرفل بالعز والجمال والفضيلة. وهناك أيضاً شخصية المرأة العجوز في القصة وشخصية الخادم في المسرحية وكلاهما تنحصر مهمتهما في إيصال خبر وصول الضيوف إلى الفتاة (الطالبة) وإلى (بورشيا) كما أن هناك شخصيات غائبة تمارس حضورها أو تأثيرها من خلال الحوارات التي تشير إليها كشخصية الأب في كلا العملين. ففي المسرحية يفرض الأب وصيته ويلزم بها ابنته (بورشيا). وفي القصة يفرض الأب تعاليمه المشددة على ابنته ، التي " يحرص عليها مثل صياد فقير يمسك لؤلؤة نادرة في راحة يده " وكأن كل شخصية بديلة للأخرى لولا اشتغال الخفاجي على طبع شخوصه بطابع خاص وتحريكها ضمن مكانية مختلفة تفرضها التأثيرات البيئية و التكوينات النفسية والاجتماعية لشخوصه في القصة. وهذا هو الذي جعل الخفاجي،أيضاً، ينحو، بقصته ، منحى مختلفاً عن المسرحية حقق من خلاله معنى جديداً مطلوباً و إضافة مهمة جعلته ناجحاً في إدارة تناصه المقصود مع شكسبير.

       إن عودة ،سريعة، إلى المخطط الذي أعده الأستاذ داود سلمان الشويلي (20) عن شخوص العملين سيوضح لنا، دون شك، أنه اقتصر على شخصية مشتركة واحدة في العملين و أهمل بقية شخوصها. وعليه يكون المخطط الجديد على وفق ما تقدم ، بالشكل الآتي:

 

قصة قناع بورشيا مسرحية تاجر البندقية
الطالبة بورشيا
المدرس بسانيو
المرأة العجوز الخادم
الأب الأب

 

 وبعيداً عن شكسبير يستمر الخفاجي باسترساله السردي العذب وبشاعريته الآسرة بيان أزمة البطل ومعاناته المدمرة ويضع وهو يكشف أسرار الشخصية من داخلها مبررات لكل هفوة من هفواتها ليردم بوساطة المنطق السليم ثغرات الشخصية التي تبدو للشخصية نفسها من خلال إحساسها بفارق العمر. فالمدرس على الرغم من إقراره ، أكثر من مرة ، أنه بعمر والد الفتاة إلا أنه يحاول نسيان هذا الإقرار عن طريق تأكيد ما  يناقض هذا في أكثر من موقع من مواقع القصة. ففي مقطع صغير اجتزأناه من النص نجده يميل إلى تلك  التأكيدات بتعابير مختلفة:

"أعادت لي شبابي وبدأت أحس كأنني في مثل سنها . لست مدرساً بل

طالباً شاباً يقرأ دروسه مع جارته. كانت هناك ألفة توحدنا و أصبحت

                      أتعلق بها كما يتعلق غريق بلوح من قارب. كأنني بدون أن أراها

                      ليس هناك معنى لوجودي"

       فالمقطع يبدأ بتصريحه أنها أعادت له شبابه ويؤكد ذلك التصريح بإحساسه أنه في مثل سنها وأنه طالب وشاب يقرأ دروسه معها ثم يستخدم النفي بمعنى الإثبات عندما يقول أنه ليس مدرساً. ويعود ليصرح ثانية  بوجود ألفة بينهما و أنه تعلق بها كتعلق الغريق بلوح من قارب. ويستمر بهذه التأكيدات والتلميحات من  خلال مونولوجه الداخلي والاعتراف من خلاله بهيامه وتعلقه بها وانشداده إليها حتى تبلغ المأساة ذروتها الدرامية بموت الفتاة. وهنا يتقاطع النصان ويفترقان ليحل الخفاجي محل شكسبير فتتحول قصته إلى مأساة شكسبيرية حقيقية بينما تنتهي مسرحية شكسبير نهاية سعيدة بإنقاذ " أنطونيو " من الموت وزواج " بسانيو "  من " بورشيا " خلافاً لمآسيه العظيمة مثل " روميو وجوليت ،هاملت، عطيل ،مكبث" ولا يكتفي الخفاجي بهذا الموت كنهاية مأساوية لقصته بل جعل المدرس ينوء تحت ثقل إحساسه بالذنب بعد أن ابتعد عنها " وأخذت صورتها الغامضة تختفي قليلاً ، قليلاً دون أن تخلف أثراً. كانت قد تخلت عن قناعها أخيراً.

       وبدت قتيلة على أريكة بلا دماء " ماتت بورشيا بعجز القلب " ولم يعرف أن كان قد تسبب في موتها أم لا ولهذا ظل ، يشعر، على الدوام بتأنيب الضمير. ولم نملك أزاء عذاباته إلا أن نرثي له ونعترف معه أنها كانت " بورشياه " المتنكرة.

       إن الخفاجي وهو يشتغل على التناص مع " تاجر البندقية " فانه يفهم فهماً دقيقاً روحية شكسبير ويستوعب أسلوبه الدرامي المتميز ويحتفظ، وهذا مهم جداً، بطريقته الأدائية الخاصة لنقرّ له ونعترف كقراء متأملين أو نقاد وباحثين أن قصته قد أضافت معنى جديداً يستحق الاهتمام والاحتفاء.  

التناص الفني المقصود

بين ضيوف زنكنة  وضيوف كاترين مانسفيلد 

عندما قرأت قصة (الضيوف) (21) للمرة الأولى رأيت انه من الضروري الرجوع إلى قصة" منتهى السعادة " للكاتبة الإنكليزية  كاترين مانسفيلد وعندما انتهيت من مانسفيلد استنتجت ان  محي الدين زنكنة  استطاع أن يقدم لنا في ضيوفه تناصا فنيا مدهشا مستوفيا الشروط ومستوعبا لمفاصل التناص كلها .

إن قصة الضيوف قصة ذات طبيعة وأجواء وشخوص شرقية مختلفة تماما عن طبيعة منتهى السعادة وأجوائها وشخوصها لذا لا يمكن أن تكون بديلا عنها ولا استنساخا لها ولا تقليدا لأجوائها وطبيعتها وشخوصها إنها باختصار شديد قصة شخصيتين يبدو التقاطع بينهما واضحا منذ البداية بسبب الاختلاف الظاهر في الميول والاهتمامات فبينما نرى فريدون مستمتعا وغارقا في قراءة قصة السعادة (بداية التناص) نرى زوجته نسرين منهمكة بأعمال مطبخية ومستغرقة في شؤون الطبخ الى الحد الذي أثار غضبها استرساله في القراءة ولامبالاته باحتياجاتها المطبخية فتقول متهمكة :

       "أما  آن لك أن تكف عن القراءة ؟)

       ثم توجه له أمرا :

       (ضع الكأس جانبا على الأقل إذا كنت تريد أن تصغي إلي"

غير أن فريدون لا يريد الانقطاع عن لذة الاستمتاع التي إثارتها فيه الحركات الجسدية والذهنية لبطلة  قصة السعادة برتا يونج ( الاستغراق في التناص ) فلم يكن هناك  ما هو أهم في رأيه من القراءة ومن الاستمرار في متعتها ولكنه مع ذلك يصغي لزوجته ويصعق عندما تخبره أنها تنتظر ضيوفا  لان برتا القصة كانت تنتظر ضيوفا هي أيضا أن هذه المصادفة التي صنعها المؤلف بقصدية ودراية و فنية سوف تكشف لفريدون بداية التقاطع الملموس بين شخصية زوجته (برتا) عندما يقول مقارنا :

[كدت اصعق من هذه المفاجأة الغريبة  لهذا اللقاء العفوي بين السيدة الرقيقة الهادئة (برتا  يونج) وبين السيدة المنفعلة على الدوام ( نسرين قادر)]

وهي مقارنة افتضحت بوساطتها فكرة مقمعة في داخله وجدت تعبيرا لها في هذه المقارنة الحساسة  بين السيدة الرقيقة الهادئة وبين السيدة المنفعلة على الدوام. والضيوف فضلا عن كونهم قاسما مشتركا ومفصلا مهما من مفاصل التناص بين القصتين فأنهم يؤّثرون في مصير    (برتا) مانسفيلد و(نسرين) زنكنة تأثيرا خطيرا ومباشرا ، فـ (برتا يونج) تكتشف فجأة اثناء انصراف الضيوف خيانة زوجها لها مع ضيفتها (مسز فولتون). ونسرين قادر تقرر بعد أن قرأت عن تلك الخيانة وطبيعتها أثناء غياب زوجها وحضور(الست سوزان) أن زوجها كان اكثر، توقا، منها لحضور الضيوف كي يحدث لها ما حدث للسيدة الرقيقة الهادئة برتا يونج . هنا يترك زنكنة العنان لبطلته كي تتماهى مع بطلة مانسفيلد وليبلغ التناص بين الشخصيتين أقصاه عن طريق المقارنة و التشبيه والتداخل.

إن نسرين قادر على الرغم من أن زنكنة جعلها مستقلة بكيانها إلا أنها مع ذلك تسقط شخصية(برتا) على نفسها فتتوهم، بعد الاطلاع على تفاصيل قصة برتا، أن زوجها مهيأ هو أيضا للخيانة بسبب شعورها الدائم بالنقص وهو شعور مرضي سببه وهم وقلق ولا يقينية  وحمق السيدة (نسرين قادر)  نفسها وكل هذا ناجم عن أصابتها بالعقم وعن شعورها التدميري الذي يولده العقم نفسه. فالخيانة  وان كانت قد وقعت في قصة (منتهى السعادة) لم تقع بعد في قصة (الضيوف) ولن تقع ابداً إلا في الذهنية المشوشة للسيدة (نسرين قادر).

(برتا) إذن امرأة في منتهى السعادة ،الى حين وقوع فعل الخيانة ، مستقرة غير تشككية ولم تعان من الاصابة بأي مرض سايكولوجي او فسلجي يؤثر في تركيبتها السلوكية التي تمتاز بالهدوء ، و هي أم لطفلة جميلة في الوقت الذي تعاني فيه (نسرين) من حرمانها من الأطفال جراء العقم الذي يشكل من وجهة نظرها فقط  تهديدا خطيرا على مستقبل علاقتها الزوجية ، وهذا كاف لجعلها غير مستقرة   وتشككية وقلقة و منفعلة على الدوام ويجعل من إسقاطها شخصية برتا على شخصيتها مقتصرا على النتائج الظاهرية فقط . ولعل ما يزيد هذا التعارض (التقاطع) وضوحا ويؤدي الى بروزه اكثر فاكثر هي جملة  التقاطعات بين زوج نسرين وزوج برتا ، ولكننا في حالة كهذه سنخسر ولا شك عملية تقابل  الأضداد وصراعها في كلتا الحالتين وهي خسارة غير تعويضية لان الصراع بين شخصيتين إيجابيتين او بين  شخصيتين سلبتين لن يكون صراعا مثمرا  بالمفهوم العام للصراع.

إن الجدول الاتي يوضح الصفة الرئيسة لكل شخصية على انفراد ونوع العلاقة بين شخصية وأخرى وهي علاقة تقاطع من حيث الصفة الرئيسة وتشابه من حيث الوظيفة الاجتماعية . فإذا كان ضيوف برتا يتشابهون مع ضيوف نسرين فذلك لان وجودهم تكميلي يعزز دور الشخصيات الرئيسة ويبرز الحدث   الأكثر أهمية وتأثيرا في القصتين .

      

                                                                                                      

 

 

إن الضدية وفرت الحصانة الكافية لقصة زنكنة من التأثيرات التناصية السالبة فلو كانت (نسرين) و برتا

متمتعتان فعلاً بالصفات والمواصفات نفسها وكذلك أزواجهما لما كان لهذه القصة أية أهمية ريادية ، ولفقدت تفردها ولأصبحت نسخة بديلة عنها .

إن نسرين زنكنة هي نتاج بيئتها بما في تلك البيئة من تناقضات وملابسات وكذلك برتا مانسفيلد . وان  كلتا الاثنتين تنموان من داخل القصة كل منهما على انفراد وتتحدد سلوكيات ومواقف كل منهما  من خلال مواقف وأحداث كل منهما على انفراد .

إن التقاطع بين شخصية (نسرين قادر) وشخصية (برتا يونج) لم يكن وحده الذي كشف لنا حقيقتيهما المختلفتين . بل أن نوعية علاقتهما الزوجية وطبيعة تلك العلاقة هي التي أضفت كشفا جديداً لحقيقتيهما . فإذا أخذنا حياة نسرين الزوجية ، على سبيل المثال وهي موضع دراستنا لوجدنا أنها قائمة على  التناقضات الواضحة بينها وبين فريدون فهو يعارض طريقة انتظارها الضيوف دون موعد سابق واستجدائها ضيافتهم بطريقة مهينة اضطر على أثرها أو بسببها على الهرب من واقعه الى واقع برتا وكأنه سيجد ما افتقده عندها لكن عالم برتا لم يكن بأقل خيبة من عالم زوجته فبعد تمتعه بمتابعة ضيوف برتا وهم يحضرون الواحد تلو الآخر وبعد أن يتساءل في سره عما إذا سيحضر ضيوف زوجته أيضا   يفاجأ وهو يكتشف مع برتا  خيانة زوجها مع إحدى ضيفاتها فيقوم بهروب عكسي إذ يعود الى عالم نسرين تخلصا من وساوسه وأفكاره التي أثارتها خيانة زوج برتا ليقول لنسرين

"اعدي القائمة ... ريثما أغير ملابسي"

في المقطع الثاني وعبر عملية استرجاع ( فلاش باك ) يعود بنا زنكنه الى مرآب السليمانية حيث ودع فريدون من هناك زوجته التي لم يمر وقت طويل على سفرها حتى عادت إليه محملة بأفكار غريبة ذات طابع عدائي ضاعفت من أزمتها النفسية وراكمت شكوكها ولا يقينها إذ راحت تسأله بحمق :

       "- أ صحيح يا فريدون .. انك لم تعد .. تـ .. تـ.. تحبني ..

-         ما هذه الخرافة .. يا نسرين ..

-         ربما .. ربما .. بسبب الأطفال

-         يا للحماقة لم تكوني أبدا امرأة حمقاء .. فما جرى لك"

إن عملية الاسترجاع هذه فضلا عن كونها مهمة من الناحية الفنية لأنها حفظت التسلسل الزمني  والمنطقي للأحداث ، فقد ألقت الأضواء مجددا على طبيعة العلاقة التعارضية بين شخصيتي القصة وكشفت عن عقدة السيدة (نسرين قادر) تلك العقدة التي ما تزال تلعب دوراً مؤثراً وخطيراً  في تحديد سلوكها العدائي و أضافت تعارضا جديداً لسلسلة التعارضات  القائمة بينها وبين (فريدون).

وبعد أن تكون عملية الاسترجاع قد حققت غايتها كاملةً فان الحدث ينسل من الماضي ليدخل منطقة الحاضر عبر انتقالة لينة وهادئة لأفكار لا نكاد  نلمس فيها نشازا ولا قفزا وكأن الفعل مستمر الوقوع من الزمن الماضي وحتى الحاضر المستمر ذلك الوقوع  لفعلي الذهاب والإياب والاسترجاع في ذهنية المتكلم   (وهو هنا فريدون) التي تمتلك الترتيب والتسلسل لأحداث القصة كلها بالرغم من التدخل الفني للكاتب والذي غير في ذلك الترتيب والتسلسل في المقطع الثالث يكون فريدون قد عاد من السوق  محملا بطلبات زوجته مضافا إليها بلوزة كان قد انتقاها لها وكان يأمل أن تتلقفها منه باهتمام بالغ ولكن الذي حدث هو أنها تقبلتها ببرود بل أن مجرد سماعها طرقا على بابهم جعلها ترمي بها إليه بلا مبالاة ودونما اكتراث  وقد حسبت الطارق ضيفا ولم تكن تعلم أن الحاجة (نركز)  لم تأت لتهنئها  بسلامة وصولها بل لتطلب ثلجا ، و (كلناز) هي أيضا لم تأت كضيفة بل لتعرض عليها الأقمشة التي ابتاعتها قبل قليل من السوق ولكن نسرين مع ذلك تحاول جاهدة أن تجعل من (كلناز) ضيفة:

       "وليكن  لتدخلي ..عزيزتي .. لتدخلي .. أنا كنت مسافرة .."

ثم تقول أيضا :

       "السفر متعب في الحقيقة يا كلناز"

وتقول :

"تعبانة.. يا كلناز .. اليوم عدت من السفر .. وتعرفين الطريق ثلاث.. ساعات من.. ولكن لتدخلي.. يا حبيبتي.. أرجوك ادخلي"

وهكذا تبدو نسرين كمن يستجدي ضيافة شخص لم يأت أبدا ليحل ضيفا وقد أجج هذا التهالك والاستجداء في نفس فريدون الضيق والإحساس المتفاقم بالعار الى الحد الذي لم يعد يطيق المكوث في داره بل اصبح مجبرا على مغادرته كما غادره ،أول، مرة حين استشعر ضيقا جراء تفاقم أفكاره ووساوسه بعيد اكتشافه الغدر الذي لحق بالسيدة برتا يونج.

ويأتي المقطع الرابع ليأتي فريدون الى منزله وقد تعمد العودة في ساعة متأخرة من الليل كي يراها نائمة فيتخلص من مواجهتها وما يترتب على تلك المواجهة من منغصات ومصادمات كانت ومازالت سببا وراء مغادراته المنزل  وتهربه من واقعه الى أجواء اكثر انفتاح وارتياح وبهذا تتدنى قيمة البيت الجمالية   وتتبدل رمزيته فبدلا من أن يكون البيت رمزا للاستقرار والهدوء والراحة والطمأنينة والسعادة نراه قد تحول في القصة الى رمز للضجر والسأم والخيبة والإحساس بالعار.

وعلى أية حال فانه خلافا لما توقع يجدها يقظة جالسة الى المائدة منتظرة لتقول له بلهجة استفزازية  وبنية مبيتة وسوء قصد ومكر أن (الست سوزان) قد حضرت  أثناء غيابه وأنها امرأة مثقفة ذات  اتيكيت بأمل استفزازه وإجباره على الاعتراف بالحقيقة. غير أن فريدون يحاول جاهدا تجنب التصادم معها خصوصا وقد أحس بالنفور من الاستماع الى كلامها التلميحي والتنويهي المتشكك فيتوجه مسرعا الى غرفته ولكن صوت ارتطام المائدة التي قلبتها نسرين بغضب هستيري أوقفه ليرى إليها وقد نهضت بانفعال شديد وهي تصرخ في وجهه :

(اعترف انك كنت تريد الضيوف اكثر مني .. بالرغم من تصنعك الصمت واللامبالاة لكي يحدث لي ما حدث لبطلة قصتك).

ثم أنها قذفت الكتاب في وجهه وولت هاربة.. ليصل التقاطع هنا أقصاه وليترك زنكنه عندها القارئ  أمام نهاية مفتوحة كما هو دأبه في اغلب قصصه القصيرة.

  نستنتج من السياق العام للقصة أن مدى التأثيرات التي مارستها قصة (منتهى السعادة) على (الضيوف) هي تأثيرات مدروسة من قبل محي الدين زنكنه خارج النص ومعقلنة داخله ولهذا يبدو الترابط والتداخل والتقارب والتشابه والتقاطع أيضا بين القصتين طبيعيا الى حد لا يصدق  وكأن كل واحدة من القصتين كتبت لتصب في  مصب الأخرى مع احتفاظ (منتهى السعادة) بسيادتها كنص موروث على الضيوف كنص وارث أن الجملة الأخيرة التي قذفتها في وجهه (اعترف انك كنت تريد الضيوف ...) كانت آخر مفصل من مفاصل التناص ارتبطت خاتمة القصتين من خلاله بحالة الخيانة الواقعة فعلا في الأولى والمحتمل وقوعها في الثانية أي أن (ثيمة ) (منتهى السعادة) الأخيرة نقلت تأثيراتها وسطوتها  الى الضيوف والى نسرين تحديدا فجعلها تتوهم خيانة زوجها لها فيما لو حضر الضيوف .

ويزداد هذا الترابط صلة من خلال عبارتها الأخيرة .

       (لكي يحدث لي ما حدث لبطلة قصتك)

 لتجعل من بطلة (منتهى السعادة) بطلة لزوجها لإحساسها بتعلقه الشديد ببرتا  من خلال إصراره على قراءة قصتها المثيرة 0وهذا هو الذي أدى في النهاية الى تحفز الأوهام والشكوك وبالتالي احتدام الصراع واستمراره الى ما بعد القصة .*[1]

إشارات وإحالات

 ...

1.دراسة في بلاغة التناص الأدبي / د. شجاع العاني /مجلة الموقف الثقافي العدد 17 عام   1998              

2،3،4،5. وردت هذه المفردات تباعا في تعاريف كل من جوليا كرستينا و فيليب سرلرس و جرار جينيت و لوران جيني.

6.التناص و السطو على نصوص الآخرين/صباح الانباري/صحيفة العراق 9/11/2000

7.يقسم النقاد التناص الى تناص ظاهر و تناص مستتر /تناص داخلي و تناص خارجي/تناص مضموني و تناص شكلي /تناص اعتباطي و تناص واجب.

8.مجلة عشتار /العدد 8 ربيع 1996ص 129

9.عزلة انكيدو/مجموعة قصصية /بغداد2000  

10. الليث = مجموعة الخراف المهضومة

11.صحيفة العراق  9/11/2000

12. كائنات صغيرة /مجموعة قصصية صادرة عن اتحاد الأدباء و الكتاب /بغداد 1994

13. مجلة الأقلام العدد 1-2-3 عام 1995ص 34

14. صحيفة العراق 3/8/2001  

    15. في ليلة هاملتية مثلا لا نحتاج الى أن يشار الى مكونها الذي انبثقت عنه فلا أحد يجهل هوية هاملت و شخصيته المتفردة و المتميزة و الخالدة في تاريخ الدراما العالمية .و كذلك الحال مع قناع  بورشيا و سائر النصوص المتناصة مع الأدب العالمي و شخصياته الإنسانية.

 16 .راجع مقالنا المنشور في جريدة العراق  1/11/2001                                

 17.في زورق واحد /جليل القيسي /مجموعة قصصية صارة عن دار آفاق عربية /بغداد 1985

18.استعرنا مفهوم الأسر هنا من المفهوم الجغرافي للأسر النهري .فالنهر الكبير إذ يجاوره نهر صغير فانه ،بمرور الزمن ،يعمل على أسره و احتوائه تماما .و هذا ما تفعله الشخصيات المهيمنة الكبيرة مثل شخصيات شكسبير و دستوفسكي و آخرين. 

19.مجلة الاقلام /العدد 11-12 تشرين الثاني كانون الأول /1988

20 . مجلة الأقلام /العدد 5-6عام 1993

 1 2. كتابات تطمح أن تكون قصصا محي الدين زنكنه-مجموعة قصصية بغداد 1986  

   نشرت مجزأة في:

ـ صحيفة العرب العالمية ـ العدد6488 ـ التأريخ 16/9/2002 لندن

ـ طريق الشعب ـ العدد 23 ـ التأريخ 11-17 كانون الثاني 2004 بغداد

ـ طريق الشعب ـ العدد 24 ـ التأريخ 18-24 كانون الثاني 2004 بغداد