اعتراف بضمير أنا المتكلم

 


قالوا في لسان العرب: "إذا اعترف لنا عرفناه أي إذا وصف نفسه بصفة نُحَقِّقُه بها عرفناه" والاعتراف غالباً يفترض وجودَ معترفٍ ارتكبَ ما يوجب عليه الاعتراف به سرّاً أو جهراً بغية التخفيف عن نفسه من وطأة ما ارتكب ولهذا قيل: " من اعترف بذنبه فلا ذنب عليه" وكأنَّ الاعتراف فعل تطهيري يمحو ما علق بالمعترف من ذنوب. وقد مضوا إلى أكثر من هذا حين عدّوا "الاعتراف بالخطأ فضيلة" أو وسيلة لتطهير النفس مما علق بها من أخطاء وآثام وذنوب. وقديماً اعتبر أفلاطون التطهير علاجاً يؤدّي فعله حين يبلغ الإثم مبلغ المأساة الكبرى مثيراً كماً هائلاً من الخوف الذي يفرض على المرء التخلّص من آثاره الجسيمة عن طريق الاعتراف. ومن وجهة النظر القضائية اعتبر "الاعتراف سيد الأدلة" ينطق به المرء فيدين نفسه بنفسه وفي هذا تخفيف من وطأة الحكم عليه أحياناً. وفي الديانة المسيحية يحتاج المرءُ الاعترافَ بما اقترف من الذنوب في حضرة رجل الدين المخول بالإصغاء لذنوب العامة والخاصة تخلّصاً من ذنوبهم القديمة كلّها فتزول عنهم وطأة الشعور بالذنب، لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحدّ الطوعي من الاعتراف بل تعداه إلى حد الإجبار والقسر فتأسست من أجله الدوائر الرسمية وشبه الرسمية، السياسية وغير السياسية، الدينية وغير الدينية لإجبار الناس على الاعتراف بما لديهم من معلومات أو أسرار تخدم هذه الدائرة أو تلك من دوائر التعذيب الوحشي الرهيب. ولنا في هذا من التاريخ شواهد وأدلة لا يجهلها القارئ المطّلع والمتأمّل في أحداث الماضي، وكيف أجبرت المحاكمُ أفراداً وجماعات على الاعتراف حتى من لم يقترف - منهم - ذنباً لتحكم عليه بتعطيل ما جاء به من الحقائق المضادة التي دحضت السائد والمعروف من الحقائق المربكة، ولنا في غاليلو غاليليه 1564- 1642 خير مثال على هذا إذ أجبرته محكمة من محاكم التفتيش الرومانية عام 1616 على الاعتراف - أن الأرض هي مركز الكون وانها لا تدور حول الشمس- لتثبت باعترافه أن التعاليم الكنسية السائدة إن هي إلا حقائق ثابتة فضلاً عن اتهامه بالهرطقة وقد صادرت كتبه بعد أن ألقت به في دياجير سجنها المظلم. ومن أجل الاعتراف أيضا ضرب الحلاج بالسياط نحوا من ألف سوط ثم قطعت ذراعاه ورجلاه ودقت عنقه وأحرقت جثتُه أيام الخليفة العباسي المقتدر بالله. والحال نفسه مع كوكبة من مناضلي اليسار العراقي في خمسينات القرن الماضي وعلى رأسهم المناضل الشيوعي سلام عادل الذين أدينوا دون أي اعتراف يدينهم. وفي سجن نقرة السلمان الصحراوي الرهيب عندما نجح الجلادون في انتزاع اعترافات السياسيين، وفرضوا عليهم توقيع وثيقة البراءة من انتماءاتهم، كتب الشاعر العراقي الكبير مظفر النواب قصيدته الشعبية الشهيرة (براءة الأخت) التي على إثرها مزق أغلب السجناء هذه الوثيقة سيئة الصيت، وثمة مئات الأمثلة إن لم أقل آلاف الأمثلة على طرق الوصول إلى الاعتراف لكنني هنا لا أبغي الاستمرار في بيان هذه الأنواع المربكة من الاعترافات بل أروم تناول نوعاً آخر من الاعترافات التي تنحو منحى أدبياً خالصاً ولا تمت بصلة لما ذكر إلا من حيث كونها اعترافاً حسب. ومن الممكن الجزم هنا أن المعترِفَ مخيرٌ فيما يريد الاعتراف به لجمهرة القراء أو النظارة في حالة العرض مهما اختلفت وسائط إيصاله التقليدية. فهو عمل طوعي، وبوح إرادي بمكنون النفس البشرية. لقد قدم لنا الأدب العربي اعترافات مختلفة على درجة عالية من الخلق والإبداع في الجنسين الشعري والسردي. ولعل القدر الأكبر من تلك الاعترافات قد جعلت من الأنا أداتها المباشرة في بيان هوية المعترِفِ، والكشف عن أفعالهِ الخارق منها والعجيب والغريب الذي تفاخرَ أو تفردَ بها دون الأفعال البشرية كلّها، وانطلقتْ من السؤال المركزي (من أنت؟) فها هو ذا المتنبي يجيب بأناه في قصيدة يندر وجود مثيل لها في قصائد الشعر العربي القديم إذ يقول:
أنا الذي نظرَ الأعمى إلى أدبي وأسمعتْ كلماتي من بهِ صَمَمُ
أنامُ ملءَ جفونـي عن شواردها ويسهرُ الخلقُ جَرّاها ويختصِمُ

المتنبي هنا يعترف علانية وبلا تردد بما في ذاته من شعور بالمجد والرفعة والسمو والرقي والأدب الخارق. إنه يبني المعجزات على التضاد العكسي والمستحيل فما من أعمى يستطيع النظر وهو فاقده، لكن سحر كلمات المتنبي بما لها من جزالة وقدرة وملكة شعرية خارقة وترياق سحري أعاد للعين إبصارها فرأت ما لم تره من قبل، وكذلك الصمم الذي زال عن أذنيّ الأصم فسمع كلمات المتنبي حتى ظن بعضهم بنبوته مقاربين بين معجزاته في الشعر وبين معجزات الأنبياء فاذا جاز لنا أن نسميه نبياً فهو نبي الشعر والقصائد والأدب الرفيع. وهو الواثق الكبير المميز عن الخلق جميعاً إلى الحد الذي ينام عن الشوارد بينما يختصم الخلق عليها ومن أجلها.
أما آخر أعمدة الشعر العربي الكلاسيكي الملقب بشاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري فقد جاء اعترافه بعظمة نفسه من باب الفخر أيضا في قصيدة أنوية جاء فيها:
أنا حتفهم ألج البيوت عليهم أغري الوليد بشتمهم والحاجبا
أنا ذا أمامـــــك ماثلاً متجبراً أطأ الطغاة بشسع نعلي عازبا

فهو كالمتنبي يأتي بمعجزة تقلب الحال وتغير المآل، فمن حيث لا سبيل لإغراء الوليد فان الجواهري يستطيع ذلك بقدرته التي دونها قدرات الشعراء جميعاً. لقد نطق وليد مريم العذراء وأجاب الحضور بدلا عن أمه قائلا:
"قال إني عبدُ اللهَ آتانيَ الكتابَ وجعلني نبيّا وجعلني مباركًا أينَ ما كنتُ وأوصاني بالصلاةِ والزكاةِ ما دمتُ حيّا وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقيّا والسلام عليَ يومَ ولدتُ ويومَ أموتُ ويومَ أبعث حيّا"
وها هو ذا وليد الجواهري يدرك ما يريد الجواهري فيشتم الطغاة كما لو انه بعمر الحاجب الذي تم إغراءه بشتمهم أيضا.
ومن عصر الرومانسية العربية يطل علينا الشاعر نزار قباني بقصيدته الاعترافية (إفادة في محكمة الشعر) حيث يقول فيها:
أنـا جرحٌ يمشي على قدميــــــه وخيولي قد هدَّها الإعيـــــاءُ
فجراح الحسين بعض جراحي وبصدري من الأسى كربــلاءُ

وفيها يعترف نزار بقدرته الهائلة على تصوير جرحه ككائن له ما للكائن من قدمين، ويدين، وجسد يترجل عن صهوة خيله بعد أن أصابها الإعياء من ثقل الجرح وعمقه الغائر. وإمعانا في تضخيم الصورة فانه يجعل من جراح الحسين الجسدية والمعنوية الكثيرة كلّها بعضاً من جراحه الهائلة، ويجعل من حجم الأسى في صدره حجم مدينة استباحها الظلم والمآسي والفواجع كمدينة كربلاء.
وفي السرد كما في الشعر برزت الأنا لتعبر عن نفسِ المعترِفِ وما تضمره من الخفايا والنوايا التي حان وقت بثّها وإيصال شفرتها إلى جمهرة القراء والمتلقين بشكل عام، ولنا في قصة (الموت سداسيا) للمبدع الراحل محيي الدين زنكنة خير مثال على هذا حيث يقول مجاهراً باعترافه:
"أنا محيي الدين زنكنة مؤلف هذه القصة وخالق أحداثها وشخوصها فقد استطعت بعد إجراء بحث دقيق مصنف طويل أن أتوصل إلى جملة حقائق أضعها في خدمة التاريخ والحقيقة وكل من يهمه أمرهما، تاجر الجملة هذا لم يكن أكثر من أحد الأشقياء ولكنه هنا حيث تتزمكن القصة أصبح فجأة صاحب بستان تفيض بالخير والعطاء دون أن تخرق قدمه شوكة أو يسكب جبينه قطرة عرق سوى أن حريته اخترقت العديد من الأجساد، وسكينه سكبت سواق من الدم"(1)
وقد جرى الاعتراف هنا بوساطة الـ(أنا) فضلاً عن الاسم الصريح للمعترف (محيي الدين زنكنة) وهو اعتراف واضح، وإفادة قائمة على أساس المعرفة الدقيقة لسلوك تاجر الجملة (الجلاد) الذي استحوذ على كلّ شيء ولم يترك للناس أي شيء سوى استعبادهم. لقد كان هذا الاعتراف أجرأ اعتراف في مرحلة اتسمت بالقهر والقسر والعنف والطغيان. وفي مجال السرد أيضا برز صوت يوسف الصائغ في كتابه (الاعتراف الأخير لمالك بين الريب) بجزأين فيهما أدلى باعترافه المطول عن تجربته منذ وقت مبكر من طفولته مرورا بأبرز ما رأى وما شهد من الأحداث الجسام (2). ومن زمن السرد المحدث ذلك الذي أدلى به الشاعر الفلسطيني محمود درويش حين قال مؤكداً:
أنا من الشعراء الذين لا يحتاجون إلى نقاد لكي يدمروهم، أنا كفيل بتدمير نفسي والتمرد عليها (3).
وهو اعتراف بقدرة الذات (الدرويشية) على تجاوز ذاتها وتجديدها والإتيان بكل مبتكر في عالم الشعر والقصيدة وهذه هي معجزة الشاعر التي تفرَّد بها على جيل من الشعراء.
قلنا إن الاعترافات اتكأت على الـ(أنا) ضمير المتكلم أداة بينة لها، وضربنا الأمثلة على ذلك لكننا نود أن نضيف هنا أن الشطر الأكبر من الاعترافات قد ارتأت تغييب الـ(أنا) لصالح البوح الذاتي المباشر ليدلي المعترِف باعترافه بشكل صريح أو مرموز، فالبوح الذاتي هو شكل من أشكال الاعتراف بما يَعْتَوِرِ النفس البشرية من أحاسيس ومشاعر ومدارك و. و. إلخ، ومع هذا مارس الضمير (أنا) حضوره من خلال صوت المعترِفِ وبوحه المستمر بما خفي وكتم وتمترس وراء السطور. ومن أمثلتنا على هذا قصيدة الشاعر علي فرحان (موت للعالم) والتي ضمتها مجموعته الأخيرة (ليل سمين). لقد سطّر علي فرحان اعترافاته بمواضع مختلفة من هذه المجموعة التي مارس فيها الضمير (أنا) حضوره الفاعل والصريح ومن ذلك ما يأتي:
"أنا الملوّحُ بالفواجع"
"أنا معتمٌ وقميصي حالَ لونُه"
"أنا أيضاً تذوقتُ قرابينه عند حافة البوصلة وتلمظَ
الشرق أمام أصابع الحلوى وتمخطَ وهو يتبرزُها"

وبعيداً عن هذه الأنا سنبيّن أعمق اعترافاته في قصيدة (موت للعالم) (4) والتي يفتتحها بحاجة العالم لسماع بكائه ثم ليعترف أنْ لا شأن له: "بالقصائد الحديثة أو بأنهار الدم التي أتلفت الحقول" أعود لعتبة هذه القصيدة بعد أن جرّتني إليها تركيبة العنونة التي استفزتني (موت للعالم) وقد جاء إيقاعها مخالفاً لما ألفنا مثل: موت العالم، والموت للعالم، فالأولى تشير إلى ملكية العالم للموت وحتميته، وتشير الثانية إلى التهديد والوعيد بالموت، وقد جاء التعريف بالأولى مقرونا بـ(العالم) بينما جاء في الثانية مقرونا بـ(الموت) مثل قول الشاعر العباسي ابن النبيه:
الناس للموت كخيل الطراد   فالسابق السابق منها الجواد
أما في عنونة الشاعر علي فرحان فقد أزيح التعريف من العبارة وحلَّت محلَّه النكرة (موت) وكأنه هبة أو هدية أو باقة ورد تقدم لعالمنا بهذه السهولة والبساطة العجيبة مثل قولك ورد للحبيبة.
الموت مفردة لا تؤَّل بشيءٍ غيره فهو كما هو وإن اختلفت كيفيّاته لكن السؤال الجوهري هنا لماذا اختاره الشاعر للعالم حصراً؟ واي عالم هذا الذي سيحوز جائزة الموت الشعرية؟ فضلاً عن أسئلة أخرى وردت ضمناً من خلال البوح بما سكت عنه الشاعر طوال تجربته التي سبقت زمن القصيدة. وحيث نقف على عتبة القصيدة لطرق بابها فإننا ندرك أن القصيدة بنيت أساساً على دعامتين متناقضتين هما الموت، والعالم، وان أي اعتراف للشاعر سيصبُّ لا محالة في قالبي هاتين الدعامتين. والسؤال الذي نفتتح به كتابتنا مبني على إقرار من الشاعر بما يحتاجه العالم حيث يقول:
ما أحوج العالم لسماع بكائي
فلماذا يحتاج العالم لبكائه تحديداً؟ هل لأنه خبر الحياة وإرهاصاتها وجنونها؟ أم أن لبكائه قدرة سحرية تندمل بها جراحات الحياة؟ أم أن نغمة البكاء بذبذباتها الميتاموسيقية تشفي أرواح العالم المضطربة؟ وهل يمتلك تلك الطاقة فعلا؟ لنتأمل ونرى.
كغيمة نيكوتين يصنعها مراهق تلاشت قافيتي
وهذا اعترافُ أوليٌّ بالعجزِ لا المعجزةِ على خلاف من سبقوه من الشعراء فهو لا يضفي على نفسه الخوارق والمعجزات. ولا يتفاخر بقوة تأثير القصيدة قدر ما يعترف بضعف قوافيها وتلاشي بريقها كغيمة نيكوتين، وفقط يظلُّ له القلب الحنون، والصدر الواسع، ومهجة تذرف البكاءَ بدموع لها ما للقصيدة من سحر التأثير وحكمة الأثر وطاقة الشفاء. لم تعد للكلمة فعل الخنجر في عالم متخم بالموت الرخيص. لم تعد قادرة على تقويض الظلم والظلمات. لقد رحل ذلك الزمن أعني زمن المتنبي ثم الجواهري ونزار القباني وأمسى مجرَّد ذكرى نجترُّها كلّما زاد شعورنا بالعجز المفرط. وهذه سمة عصرنا المترهل الذي أمعن في التدهور العظيم الذي أفقدنا الرغبة حتى بالكتابة:
وبدون رغبةٍ بالكتابةِ أصعدُ سلَّمَ الوحدةِ
واقطف امرأة.

يضيف الشاعر هنا سمة أخرى من السمات التي جاد بها العصر علينا إذ لم يعدْ الصعود والارتقاء حالة مجتمعية تضع الجميع على قمة المجد العتيد قدر ما هو حالة فردية نادرة حدَّد الشاعرُ، في هذه القصيدة، هدفَها الجميل بقطف امرأة بعد ارتقاء سلَّم الوحدة.
حالة الفردية إذن مقترنة بالوحدة الموشومة بالعزلة أيضاً في عالم أشدّ ما يكون حاجة للإصغاء التطهيري من الموت الذي لحق بمفاصل الحياة لا ليفنى الوجود بل ليصبح أكثر قدرة على الحياة. هذه الوحدة المرضية التي أشار إليها علي فرحان هي جوهر ما اعترف به محمد علي سلامة وهو يدلي به في قصيدته (لحظة في السعادة) إذ يقول:
لم يكن لديك أحد
غير الوحدة
(5)
ويذهب إلى أكثر من هذا عندما يعترف بصريح العبارة إنه فقد الوحدة بالوحدة بعد أن فقد طريق الوصول بنفسه لنفسه في عالم يرسل الأشياء لنفسه فقط. انه عالم من الخرافة والضلال والظلام والبشاعة. عالم تُرِكَ الأمر فيه لمن احتل بقباحة ووقاحة دور الإله بين أناس لا حول لهم أمام جبروت وطغيان الفاسدين والقتلة اللصوص. ولقد وجدت من الأهمية بمكان أن اقتطع هنا جزءًا من القصيدة:
ما من شيء
لا قلب طيب ولا رحمة.
كل شيء يرسلك لنفسه
يحدثك
يجازيك على الوقت والعلاقات الفاشلة
على القانون الذي انتهى.. فلم يعد عدل
على النشأة وعدم الفهم
على المصير الضال
والسجن والكرباج

هذا هو العالم إذن. العالم الذي بحاجة ماسة لبكاء علي فرحان ودموعه الكلّية النقاء، ومجاهرة محمد علي سلامة الكلي الصراحة بما صار عليه بعد أن فقدت القلوب طيبتها، وثقلت موازين العدل بنهاياتها الخائبة وما عادت الأشياء ترسلك إلا لنفسها وتجود عليك فقط بالهلاك، والدمار، والشؤم والاضطراب.
إن مقررات محمد علي سلامة الواقعية جداً والتي فرضتها الظروف الجديدة على عالمنا المستباح بالنظم غير العادلة شكَّلت صرخة مدوية بوجه النائمين على فراش الزيف والديماغوغيا المعاصرة. ومن الجدير القول هنا إن محمد علي سلامة طرح أناه بشكل لاذع متخلياً عنها لصالح اعترافه القاطع الصريح ليكون سيّد الأدلة على تهاوي القيم إلى الدرك الأسفل، وإنه تنبأ بضياع هذه الأنا مثلما تنبأ بضياعها الشاعر العراقي مروان ياسين الدليمي الذي جعل منها عتبة لواحدة من قصائد مجموعته الموسومة (سماء الخوف السابعة) والتي فرضت حالة الغياب على نفسها في قصيدة (أنا.. غائب عني).
في هذه القصيدة يعترف الشاعر بمدى التغيير الذي أصابنا بفعل ما اقترفنا على مر السنين. يقول في أحد مقاطعها:
نحن لم نعد نشبه ما نحن
نحن من اقترف حماقات تحت نجوم نامت في ثيابنا.

وهذا اعتراف دقيق في محكمة الشعر، وإفادة وبيّنة على ما وصلنا إليه، وسوف لن نجد من هو أكثر صراحة وبوحاً واعترافاً، بما اقترفنا، من الشعراء. نحن من صنع الظلام لنعيش النهار بظلمة أنفسنا، واخترعنا التأليه لنغذي به الجانب المظلم من أنفسنا حتى صرنا لا نشبهها فهل ثمة من يمنحنا بعضاً مما كنّا عليه؟
لا أظن، فما هو خارج الذات سيظلُّ خارجها على الدوام. نحن فقط من يغيّر الأشياءَ ويضعها في مواضعها فان شئنا قدناها إلى الخراب، وان شئنا أخذنا بيدها إلى فراديس السحر والجمال والحكمة ولكن ألا يحتاج هذا كلّه لاعتراف مفصل بما نحن عليه كما يفعل الشعراء الحكماء؟
الشاعر أمير الحلاج يضيف اعترافاً آخر في إشارة منه لسمة أخرى اتسم بها واقعنا المعيش وأعني الخوف الذي أعمى البصر والبصيرة وراح ينمو بشكل هستيري في دواخلنا، داخل المطارِد والطريدة وقد صوره الحلاج في مقطع شعري قصير اعترافاً بوجوده فينا وطموحاً منه لانتزاعه منها حيث يقول:
يجمع بينهما الخوفُ
في بيئة الغابة النائيةِ،
فمن الغزال الهاربِ
تتعالى قهقهات الصيادِ
ومن سماعه الزئيرَ
يبحث عن مخرج من فراغ البندقيةِ

فهو خوف مشترك مصدره إطلاقة الصياد التي تردد صدى فرح الاقتناص فيها داخل الطريدة الهاربة خوفاً، ومن داخله في بحثه عن مهرب له بعد دنو الزئير تحت مؤثر الخوف نفسه. ولا غرابة إن نحن زعمنا أن ما قدمه الحلاج هو اعتراف افتراضي لأنا الشاعر لأن الأنا لدى أمير الحلاج لا تختفي ليحلَّ محلّها البوح الذاتي المباشر وإنما ليحلّ محلّها الضمير المنفصل الغائب (هو) أو (هي) وهما يشيران إلى الشخص الثالث الغائب فقصائد الحلاج في أغلبها إن لم أقل كلّها تشتغل على هذه الضمائر حسب، وهذه واحدة من ميزاته الشعرية الحلاجية.
عموماً الاعترافات كلُّها تصبُّ في مصبّ حياتنا المستهدفة دوماً من قوى مختلفة بعضها يغذي بعضه الآخر لتكتمل الصورة المجسدة لكل أنواع الاضطراب والارتباك. ولم يقتصر الاعتراف في دورته الساحقة على فحول الشعر حسب بل تعدى ذلك إلى إناث الشعر أيضاً. إلى المرأة الشاعرة. الشاعرة التي تعني، بحسب (لسان العرب)، القصيدة. فاذا كان فعل الدمار برجوليته يصب جام معاناته على الواقع فان المرأة هي الحاملة دوما لوجع تلك المعاناة فها هي ذي الشاعرة فرات إسبر تدلي باعترافها في محكمة الشعر كانسان مكمل للحياة البشرية، وشريك له ما للآخر من خفايا وأسرار ينبغي البوح بها والاعتراف بتفاصيلها لنفهم فهماً كلياً حقيقة حياتنا وما تم السكوت عنه طويلاً وسنجد أنفسنا مضطرين ثانية الاستعانة بالسؤال المركزي من أنت؟ لتجيبنا فرات إسبر قائلة:
أنا عابرة الأكوان مع الوجع
وهذا يعطينا لمحة خاطفة عن سرّها الكبير الذي تخطى أكوان عديدة عاشتها كلَّها مع وجع مزمن كان ولا يزال لصيقاً بمشاعرها. الوجع في هذا الاعتراف ليس كلمة عابرة، ولا تعبيراً سطحياً، ولا فذلكة تبغي من ورائها التفلسف الشعري الأعمى. إنه حالة المرأة الأم والأخت والحبيبة في عالم اختطف منهن الزوج والابن والحبيب وترك لهن الآلام، والدموع، وأسوأ حالات القهر والاضطراب حتى بدت الحياة مضطربة هي الأخرى وممعنة في الهبوط إلى الهاوية:
كأني على عجل!
الجميع يسير ببطء وأنا على عجل أسير
وكأن العمر رمانة تفرط حباتها حبة إثر حبة
ها أنا أذوي كحديقة غادرها الأحباء (7)

في هذه القصيدة أو بالأحرى في هذه القطعة الشعرية بمساحتها الصغيرة، ودلالتها الكبيرة صوَّرت فرات إسبر حياتنا مشبهة إياها برمانة غاية في دقةِ ترتيب حبّاتها وجمالها وحكمتها ولكنّها تذوي مع كلّ حبة تفقدها، وكل حبة فيها هي روح تواقة للارتقاء وهي في الوقت نفسه إسراء إلى العدم. ولعلها في اعترافها (الأنوي) الأخير تجترح يباباً بلا روح وبلا حكمة بعد أن نضت عنها ورود الأحبة. أما الشاعرة الكردية (كژال إبراهيم خدر) فإنها تثبت اعترافها في قصيدتها المترجمة إلى اللغة العربية (شابة أنفلوا خطيبها) إذ تقول:
ها أنا الآن في منتصف الليل
فروحي تحترق كجمرات مدفأة عائلة قروية
(8)
قد يبدو قولها هذا سطحياً بعض الشيء إنْ لم نقف على عتبة قصيدتها (شابة أنفلوا خطيبها) لنتعرف على أوجه العلاقة بين مكونات القصيدة التي تُرِكَت السيادة فيها لضمير المتكلم (أنا) الخطيبة العاشقة الهائمة بحب الحبيب الذي وقع عليه فعل الأنفلة المرتبط بالقتل الجماعي (الجنوسايد) الموجه ضد الكرد أيام النظام المقبور.
الفعل الناري المشتق من مفردة الأنفال (أنفلوا) إذن أعاد لنا ذكرى أقسى اللحظات التي مرت بها الحبيبة إبّان وبعد عمليات الأنفال التي لم يتوقف أثرها عند حدود القتل حسب، بل تعدى ذلك إلى ما بعدها وهذا هو جلّ ما اعترفت به الشاعرة في هذه القصيدة.
لقد وجدت وأنا أبحث في المجاميع الشعرية كماً هائلاً من الأنا في قصائد الشعراء الكبار فهل يوضع هذا في باب النرجسية المفرطة أم يوضع في باب الثقة المفرطة؟ سؤال قد يتسنى لنا إجابته في قادم الكتابة.

................................
إشارات واحالات:
(1) مجلة (الأقلام) العراقية العدد 11 لسنة 1970.
(2) الاعتراف الأخير لمالك بن الريب ج1 و ج2 منشورات شركة مطبعة الأديب البغدادية المحدودة/ العراق بغداد
(3) صحيفة اليوم العدد 10965 التاريخ 27/ تموز/ 2003.
(4) ليل سمين/ علي فرحان/ دار ميزوبوتاميا/ العراق بغداد/ الطبعة الأولى 2016.
(5) تداعيات في المطلق/ علي سعيد سلامة/مؤسسة النرد للثقافة والفنون/ القاهرة 2012.
(6) سماء الخوف السابعة/ مروان ياسين الدليمي/ دار الينابيع/ دمشق 2011.
(7) مثل الماء لا يمكن كسرها/ فرات إسبر/ التكوين للنشر والتوزيع/ دمشق 2004.
(8) عين للعشق حضن للمحبة/ كژال إبراهيم خدر/ مطبعة ) روناكبيري)/ إقليم كردستان 2000.