عذريةُ الحب وساديتهُ  في (قصائد صافينازيه)

توقف الزمن اذ حدثت المعجزة معلنة ظهور حب من نوع جديد في تاريخ العالم .. العشق فيه شاعر جاء من ثلاثينات القرن الماضي ، إلى بداية القرن الحالي.. قاطعاً مايقارب السبعين عاماً من سندبادية الحب .. مكتشفاً ، عبر رحلاته السبع ، قاراته الغرائبية الجديدة بجنّياتها وملائكتها وحواري بحورها الهادئة.. جاء من قرن مضى ليعلن في بداية قرن جديد حبه الصوفي النبيل .. مؤسساً دعائم مملكة عشقه على خراب حبه الأول (صافيناز) المرأة العشتروتية الطباع ، السادية الغريزة ، التي كلما امعنت في تعذيب الشاعر كلما ازداد حباً لها ، وتعلقاً بها وتعبداً في محرابها مثل كاهن مقهور يصرخ فتنتشي لا مبالاتها ملتذة بمعاناته المريرة.(لكم كنت التذّ كلما يعاني) في قصيدته الأولى ، وهي قصيدة تعريفية  ، يقدم لنا حبيبته (توأمة هيرودياد العذرية الباردة التي يصعب امتلاكها و اقتناصها) ، كما يؤكد في هامش القصيدة ، غلبت الجمل الفعلية و الأفعال التدميرية في موازنة غير متكافئة مع سكونية فعل الشاعر وهدوئه المستكين. ومن خلال سلسلة هذه الأفعال تبرز هيمنتها الكلّية عليه.. واستسلامه الكليّ لها:

(تخليتُ عنه - عزلتهُ - نقلت مملكة سعادته - غادرته عندما كبرت

اجنحتي جعلته يضمر حرمت عليه عذبته جعلته  يتأوه

يصرخ يعاني يموت )

هذه الهيمنة تغطي مساحة القصيدة كلها و لا تترك للشاعر إلا فسحة صغيرة تقدّمه ، من خلالها، ككاهن مقهور ، و مصلوب معذّب ، وتابع محتضر يحاول الوصول إليها ولا يصل.

(وإذ أدرك ، انه لن يراني ثانية

طلب أن يرسلوا لي بيان وفاته

مع أول طير يغادر قبل النهار)

ومع انتهاء القصيدة واكتمال صورة (صافيناز) الحبيبة القاسية المهيمنة الساديّة يطرح السؤال نفسه هنا:

أهذا هو الحب الذي ولد من رحم معجزة أوقفت الزمن ؟!

لا نتعجل الإجابة فثمة في رحلات الشاعر السندبادية ما هو مفاجئ و مدهش.

       إذا كانت القصيدة الأولى قد وردت على لسان المرأة / الحبيبة كقصيدة تعريفية ، توضّحت من خلالها طبيعة الشخصية و سلوكها فان قصيدة (احتفالية ليلة صافينازية) ، وهي القصيدة الثانية في المجموعة ، قد وردت على لسان الشاعر / العاشق.. و للوهلة الأولى نتوهّم أنها ، أي القصيدة ، تبغي وضع الموازنة بين الشخصيتين .. ولكننا نكتشف ان الشاعر يتنازل طوعاً عن أداء هذه الوظيفة و يمنح المساحة التي كان ينبغي ان تكون مخصصة للإفصاح عن شخصيته ، كعاشق ، بجملة أفعال تتناسب في الحجم ، وتتماثل في العدد مع حجم و عدد أفعال الشخصية الأولى .. انه ، أي الشاعر، قد اشتغل ، منذ البدء، على إزاحة صفاته و أفعاله لتحلّ محلّها صفاة وأفعال حبيبته ، ربما ليباهي بها التاريخ الذي توقف زمنه لحظة تشكّل حبّه لها بعد حدوث المعجزة.. ان هذه الازاحة تعطي ثقلاً لشخصية المرأة دونه ثقل شخصية الشاعر / العاشق.. وهو أمر مقصود فنياً   و عاطفياً.. و الآن لننظر إلى الجدول الآتي ثم نستنتج:

صافيناز     الشاعر
صفاتها افعالها الماضية افعالها المضارعة افعاله
النبية غيرت تكنس استشف
القديسة فتحت تصحب أمر
البحر جاءت تجدف الامس
الأسطورة   توحد اتدلى
    ترشد  
    تسأل  

أولاً-احتلال صافيناز أكبر مساحة وتحديد مساحة الشاعر إلى اصغر حدّ.

ثانياً-إيضاح قدرتها العظيمة على تفعيل الأحداث و الصور الشعرية سواء في الزمن الماضي أو الزمن الحاضر، في الوقت الذي يتخلى الشاعر طوعاً ، عن فاعليته  و تأثيره في سيرة القصيدة.

ثالثاً-استحواذها على صفات التمجيد و التعظيم في الوقت الذي يتنازل الشاعر عن صفاته النبيلة و يكتفي بذكر بعض الصفات التي تظهر بمظهر الضعيف المتخاذل أمامها.

رابعاً-تعدد متغيرات المعادلة في طرفها الأول واختصارها ، اختصاراً شديداً، في طرفها الثاني.

ومن خلال الجدول أعلاه ، يتضح ان الشاعر يبلغ بنفسه أدنى درجات الخضوع لها و التذلّل أمامها و الركوع تحت قدميها:

(في قدميها يشرفني

انتعالها إياي زوج حذاء)

وعندما يلجأ إلى المقارنة فانه يتعمّد الى وضعها على كفة التعظيم و التقديس بينما يضع نفسه دونها بكثير.

(توحّد موج نهري الهادئ الأزرق الصافي

 بموجة بحرها الجامحة الشقراء)

فهو يعطي لموجتها شكلاً اكبر ، وحجماً أوسع حتى تبدو موجته اذ توحدها مع موجتها كقطرة ماء صغيرة ساكنة في مياه بحر هائج مائج مهول.

وبذا يكون الشاعر قد اختار مصيره منذ البداية

(كلانا بقايا حطام حب هادر)

ففي (قالت صافيناز) يحطّ مثل حمام كسير الجناح على حديقة منزلها محدداً لنفسه حدود المرتجى ، ولكنه يطير عائداً مهاجراً بجرح نازف بلا ضماد.

لقد أدمته صافيناز ، ونتفت ريشه ، و كسرت جناحيه ولم تأبه به فتراجع بانكسار و ذل وهو يطالبها ان:

(ارفعي كأسك

  وارشفيها دفعة واحدة حتى الثمالة

نخب حمامك الذبيح

 تحت قدميك اللمّاعتين)

ومع ذلك فهو بعشق جرحه الرهيف المتفتح مثل وردة بيضاء تمتص رحيق روحه بشفتين و ديعتين

(جرح تلذني عبوديته)

(جرح ليس في يدي صده

لأنه هبة لي

من أميرتي المفدى صافيناز)

   وإذ يرتكن إلى جرحه الصافينازي فانه يبدأ بروايةِ حكاياته الزرق التي يُلبسها لبوس (اللوحات) وفيها يعاقر الخمرة بإلحاح و عناد كنتيجة شبه حتمية لفشله في الاستحواذ على مشاعرها الصافينازية المتنافرة.

(عندما يأتيه النادل

 يطلب كعادته كل مساء

 مزيداً من الشراب)

ومن خلال توصيفه لحال العاشق بالتوصيفات الآتية:

 (مهموماً يغادره خاطره تتقاطر على مائدته الكؤوس يتأمل فـي

 انتظارات لم تكتب لها نهاية يغلبه البكاء يشرب المزيد كعادتـه

  يسكر يشرب حتى الترنح في قلبه بركان هاج الشاعر في حضرة

  بؤسه مترنحاً متعثراً يسقط ينهض)

نجده انهزامياً أمام صافيناز ، هارباً إلى السكر المتكرر وقد داهمه الهمّ و غلبه البكاء وصار يشك ، في السائرين ، على الرصيف ، كونهم أحياء.

  إن قحطان الهرمزي في قصائده الصافينازية كلّها اشتغل على شخصيتين شعريتين دراميتين ، زجهما في تراجيديا الحياة العاطفية وجعل من حياتيهما مثيرة إذ أسسها على التضاد الذي يدفع الحدث الشعري ، عن طرق الصراع ، نحو بلوغ ذروة المأساة الشعرية.

  إنه يريد للشاعر الذي تماهى في شخصية العاشق و حبيبته أن يكونا صنوين لقيس و ليلى أو روميو و جوليت  أو كرم و أصلى أو شيرين و فرهاد وكل هؤلاء كان الجانب الأكثر إثارة في حياتهم إصرارهم على الحب حتى وإن ألقى بهم ، ذلك الحب ، إلى التهلكة.

 إن الحب عند قحطان الهرمزي ، بعد كل هذا و ذاك ، حب سلبي مؤسس على مآتم الروح و استسلاميتها و نزوعها إلى المأساة كقدر لا مهرب منه وارتكانها إلى الأحزان حدّ الرثاء.. وهو احادي حدّ القطيعة .

   متلذذ بجنونه نحو المازوكية.. ممعن في خضوعه حد انتعالها إياه..وهو لهذا و ذاك أيضاً لا يشبه أي حب آخر في العالم..إنه مزاوجة بين العذريّة و الساديّة.. ومحاولة للجمع بين الشواذ و القاعدة..انه حبّ صافينازي غريب جداً وشاذ.

 

نشرت في:

          - صحيفة اشنوناـ العدد 61 ـ التأريخ 6/4/2002