تجليات الارتقاء في قصيدة عمر الدليمي

"بساقين من خشب ارتقى نخلة النار"*

عنوان القصيدة يشي بإصرار خفي ، يلغي المستحيل ليرتقي ، بأداة قابلة للزوال ، ما لم يستطع الشاعر ارتقاءه قبل أن يتفجر في دخيلته حافز يربط بين حاله الداخلية ومرارة ولوعة تجربته بحال تجربة ذهنية أو افتراضية وبمرارتها وبلوعتها بمفصل أو أكثر من مفاصل التناص و التماهي مع احتفاظ القصيدة بهويتها من خلال طرحها النخلة كرمز وقع عليه فعل الارتقاء. لاشك أن الشاعر عمر الدليمي كتب قصيدته بعد اطلاعه على رواية جورج امادو (تيريزا باتستا) وبعد تأثره بحياة وتجربة باتستا إلى الحد الذي تماهت فيها تجربة القصيدة وما ورائيتها فتحولت البطلة إلى مستقر وموطن لخلاص الشاعر من محبطات الارتقاء  والتسامي عبر " نخلة النار" إلى ثمرتها. القصيدة يفتتحها الدليمي بتحديد زمان تجربتها ، وهو المساء الذي استدق ، وتحول فيها صوته الداخلي الهادر إلى صرخة خارجية مكتومة فجرها وشق نشب أظفاره في دمه الذي تعملق في داخله الفراغ وصار أشد ما يكون حاجة لاستئصال قطوفه. فهو يدرك أن حبيبته ، مثل تيريزا ، حانية مثل انخطافه ليطئ الحياة باتجاه جحيمها ، وليبدأ مهرجان الروح في زمان منظم ، أو هكذا يبدو من الخارج ، ومكان غير محدد.

       زمان الشاعر يلتقي ، وربما يتقاطع ، مع زمان حبيبته / تيريزا في أماكن أرادها أن تكون ممكنة ليلغى بها الحدود الفاصلة بينهما. لقد استدل من خلال " أصابع تيريزا الطويلة " على المكان " كَو لاله " لكن جملة الظروف التي يعيشها نسفت دلالاتها مثلما نسفت ظروف تيريزا كل دلالاتها فاسلمتها للضياع والخوف.

       في المساء يدرك ، مثل تيريزا أيضاً ، أن عليه امتطاء جواده وأنه متعب و " بساقين من خشب " لا تستطيعان حمله عبر الطريق الطويل فيمنّي نفسه " ببهاء الوهم ودرة الجسد " ويتماثل في مواجهة " العفن " بعد أن واجهت هي عفن " الجذام الأسود ". ويتماثل معها بصورة أعمق من خلال صورة السوط المعلق في غرفة أبيه وذاك المعلق في غرفة " النقيب " ، مضطهدها ومالكها كصبية محضية ، فتتماهى ، عنده ، المرأة الأم بالمرأة الحبيبة. وفي المساء أيضاً يبدأ فعل الارتقاء فيضع خطوته الأولى " بساقين من خشب " ممتطياً أداة عبوره إليها " جسر الشهداء " حصان المحارب الباسل الذي ينتظر في طابور الشهادة. وإذ تتفجر أحداث المساء بفعل الارتقاء يتقاطعان: أحدهما يذهب إلى البحر ليتطهر من رجس المدينة والآخر يغادر البحر ليدس نفسه في رجس المدينة. هي تبحث عن خلاصها المتمثل في " جريبا " وهو يبحث عن ستر لعورته بعد أن بترت الحرب ساقيه واستبدلهما بساقين من خشب. وهنا تبرز رغبة المحارب الخفية في أن تقبل به تيريزا وتلعق جراحه مثلما قبلت بالكثيرين ولعقت قيح جراحهم وهو لهذا يريد العبور إلى " جريبا " بعد أن تحولت أداة العبور إلى أداة لنسف العبور ، انه يريد أن يتماهى معها وفيها ليوحد بين عواء جسده وأنين جسدها. انه ، وهو العاشق الأبدي ، ينهض من رماد مأساته خارجاً من نيران المدافع وأتون الحرب مثلما خرجت هي من الموت و الجذام وأتون التجربة المريرة لكنه بالرغم من كل هذا يرى على جسدها " عذوبة ضياء الكاكاو " ويدرك جمالها العسلي في الوقت الذي نام الآخرون " على بقايا الميناء متعبين لا يدركون غير رماد المساء الهابط على رمشيك الطويلين " هكذا تبدو المسافة بينهما ممتدة من " انفجار المساء " إلى " رماد المساء " من الانفجار إلى الرماد ومن الفعل إلى النتيجة ومن ساقين سليمتين قويتين إلى ساقين مبتورتين و مستبدلتين بساقين من خشب ، وهي مسافة افتراضية وحدة قياسها حب الشاعر لوطنه العراق وحب تيريزا لوطنها البرازيل ولخشيته على مدينته يعقد مقاربة ومقارنة بين مدينته في الواقع ومدينتها في الرواية بدت مدينته من خلال هذه المقاربة و المقارنة غافية على خراب الحرب و متوسدة (مخدة) الجذام مثل مدينتها. وإذ يعجز عن تطهيرها ويتفاقم شعوره بالذنب فتنزلق من ذهنه صورة وقوفه عاجزاً أمام آمر السرية فيلوذ بتيريزا مأخوذاً بالدهشة و الاستفسار:

       " لماذا حين راقصني جسر الشهداء صار حطاماً فسد شرايين القلب ؟"

ولا ندري إلى من وجه السؤال ولكننا سنقرر مثله تماماً أن هدف الـ " اف 117 " هو جسر الشهداء أداة عبوره إليها وأن قدم المسخ هي التي حطّمت فرح الشاعر وسدّت شرايين قلبه وأسلمته إلى الموت فلم يبق له إلا أن يتحدى وأن يبعج الماضي ويزيح رائحة البارود و اليود من على جسده المليء بالشظايا ويرتقي نخلة النار بساقين من خشب على الرغم من أنه يدرك أن النار تحرق ساقيه الخشبيتين.

       لقد وصل الشاعر إلى نهايته مجرداً بعد أن أخذت الحياة كل ما أعطته إياه ، وأدرك أيضاً أن لا شيء يعادل السقوط أمام جبروت ظرفه القاسي فيهيب بتيريزا أن لا تتزوج " سوط النقيب " ألا تذعن لسلطته المخربة ، أن لا تركع مستسلمة طائعة خاضعة لمشيئته ورغباته المدمرة وفي الوقت ذاته ينسى أنه لم يستطع فعل شيء ، أي شيء ، حيال ذلك ويكتفي كشاعر مغامر أن يعلن عن تحديه من خلالها:

       " أنا لم أمت بالجذام "

ومن خلاله:

       " لم أمت بانفلاق القذائف "

       وكأني به أراد أن يتماثل في الوقفة المتحدية للموت وأن يعلن أنها لم تمت بالجذام وهي تقاومه حتى النهاية دفاعاً عن مدينتها وهو لم يمت بانفلاق القذائف بعد أن قاتل حتى النهاية دفاعاً عن مدينته ، ولكنه وهو الخارج من الحرب بنصف جسد ممتلئ بالشظايا يأمل أن تقبل به تيريزا التي لم ترفض أحداً مثله وهي الخارجة من حربها بجسد سليم معافى و جميل فيبث لها رجاءه الأخير:

       " أرجو أن تنبشي جسدي الملطخ بالحديد .."

 

..

       " بساقين من خشب ارتقي نخلة النار " مجموعة شعرية صدرت عن دار الشؤون الثقافية العامة بغداد 2001.

       نشرت في :

              - صحيفة العراق ـ التأريخ 12/12/2002