مرافئ ضبابية

رحلة لاقتناص المجهــــول

       منذ بدأت المجاميع الشعرية المحدثة بالظهور إلى حيز الوجود ، والشعراء ينتقون عنوان واحدة من قصائدهم ليجعلوا منه عنواناً للمجموعة كلها . كذلك فعل كتّاب القصة في مجاميعهم القصصية قبل أن يتحرروا من هذا القيد الذي بفعل قبوله صار تقليداً أدبياً . نقرأ للسياب ، على سبيل المثال لا الحصر ، مجموعته "أنشودة المطر" ثم نصل إلى حقيقة استقلالية هذا العنوان عن عنوانات قصائد المجموعة كلها .فالمسألة ، هنا ، لا تتعدى كونها انتقاء تمليه ذائقة الشاعر وتفضيله لهذه القصيدة على تلك . ولو افترضنا ، جدلاً ، أنّ هذا العنوان يقبل القسمة على قصائد المجموعة فيحولها إلى أناشيد باستبداله صيغة المفرد "أنشودة" بصيغة الجمع "أناشيد" فهل يعبّر هذا عن شمولية المعنى ووحدة المجموعة ؟ وهل يمكن اعتبار كل قصيدة من قصائد المجموعة نشيداً من أناشيد المطر ؟ وهل تمتلك صيغة الجمع عصا سحرية تمنح المجموعة وحدتها ؟

 إنّ قراءة سريعة لتلك المجاميع تنبئنا أنها تعتمد وحدة القصيدة بدل وحدة الديوان . وما ينطبق على "أنشودة المطر" للسياب ينطبق على "شجرة القمر" لنازك الملائكة إذ لا يمكن لعصا الجمع السحرية أن تمنح المجموعة وحدتها . أما "أباريق مهشمة" لعبدالوهاب البياتي فبالرغم من صيغة الجمع "أباريق" لم نجد أي علاقة بين هذه الأباريق وبين بقية المجموعة . وللقارئ أن يقيس على هذا .

  نستنتج مما تقدّم أنّ القصيدة المحدثة قد تجاوزت وحدة البيت في الشعر العمودي إلى وحدة القصيدة ولكنها لم تتجاوز وحدة القصيدة إلى وحدة الديوان أو المجموعة الواحدة إلا منذ وقت قريب صارت فيه العنوانات تمثل مجاميعها ، فنقرأ للشاعر علي أحمد سعيد (أدونيس) مجموعته "كتاب التحولات والهجرة في أقاليم النهار والليل" ونقرأ للشاعر محمد عفيفي مطر مجموعته "كتاب الأرض والدم" ونقرأ للشاعر قحطان الهرمزي مجموعته "قصائد صافينازية". وقد تتضمن المجموعة الواحدة على عدد من العنوانات الرئيسة التي تضم عدداً من العنوانات الفرعية تشكّل مع العنوان الرئيس وحدة مجموعة لها استقلاليتها وتميزها عن الوحدات الأخرى ضمن وحدات المجموعة كلها .

  وتأتي الشاعرة منوّر ملا حسون لتجعل من عنوان قصيدتها "مرافئ ضبابية" عنواناً لمجموعتها الجديدة وهو عنوان يشتمل ضمناً على عمومية تعمل من داخل المجموعة على توحيد بعضها مع بعض . ففي هذه المجموعة تتوقف كل قصيدة في مرفئها حيث تسافر الشاعرة على متن مركبتها (القصيدة) لتنزل في مرفأ لا تكون الرؤية فيه إلا مشوشة ومضطربة جراء ضبابية تعمل على تعويق حركتها وشلّ قدرتها والنيل من فاعلية مسّها لكل ما هو جوهري وإنساني . الشاعرة هنا تقودها المغامرة ويحدوها الأمل في الوصول ولا تدري ما إذا ستحقق غايتها أم تخفق في اختراق ضبابية العالم لكنها تصر ، كشاعرة عنيدة ، على بلوغ مرمى القصيدة .

  لقد أكدت منوّر ملا حسون على ضبابية مرافئها (عنوان المجموعة) مع أنّ الضبابية انقشعت عن بعض تلك المرافئ مقررة ميوعة العنوان ومحدودية نفاذه إلى عموم المجموعة وعلى وجه التحديد إلى القصائد التي جنحت ، على نحو منفرد ، جنوحاً واضحاً نحو المغايرة .

   ومن ثريا المجموعة ندخل المتن الشعري راكبين موجة منوّر السندبادية لتقذف بنا ، مرغمين أو مخيرين ، إلى قنديل مرفأ (فنار) لا يقبل القسمة إلا على مرارة بهجتها حيث تلملم الحروف المبهمة لتلد من مخاضها الومضة في

معادلة تشكيلية تفوح رعباً

عندما يلتقي سر الوجود

بديمومة الصبر المرير

وصخب اللحاق

بسراب العمر

وهي هنا توحّد بين الشيء ونقيضه في وحدة أضداد تبتكرها من المرارة والبهجة ومن البراءة والاكتئاب ومن الاخضرار والذبول . وإذ تهتدي في رحلة العمر إلى منارها الذي يغدو في قلبها مثل قيثارة تنشد لمواسم الصبا المنسية ، تشاطره الانكسار والذبول والذوبان والنزف والخفوت والخوف والارتجاف والتمزق والرعب . وهي بعد كل هذا وذاك:

قلب مطعون

وهمهمات أنين

في عينين عسليتين

شوش النزف

رؤاهما الخائفة

هي إذن محاصرة بضباب العالم الخارجي ولكنها منطلقة ، أبداً ، إلى ما وراء ذلك الضباب ، كمساحة أولى لمجهولها الأول ، حيث تتسع لها الرؤيا كي تهبط بعالمها على ساحل آمن تطلق منه صرختها المريرة:

ها هنا ،

قلب مطعون ،

وهمهمات أنين

وإذ تنتقل ، عبر رحلاتها السندبادية داخل تضاريس روحها المضطربة يغدو ما تكتبه مرآة تنعكس على صفحتها تفاصيل تلك التضاريس دون أن تفصح عنها لأنّ صخب الكلمات يجتاحها محولاً هدأتها إلى مرجل يتشظى في أية لحظة مخلّفاً وراء تشظيه جرحاً يقطر على محرابها ، كمساحة ثانية لمجهولها الثاني ، دم الكلمات دونما انتهاء . فهي دائمة الترحال والبحث ، لم تسلم في ترحالها من قسوة الزمن ومرارة الكتابة . تقول مستذكرة:

كانت الأيام ،

مصفدة تتثاءب ،

بين مخالب الزمن

وعلى الرغم من هذه القسوة وتلك المرارة تستمر في مطاردتها التي لا تنعتق منها أبداً وهي تبحث (عن الروح الآفلة في الضفة المجهولة) ، كمساحة ثالثة لمجهولها الثالث ، تطاردها مثلما يطارد الشاعر حدوسه في رغبة عارمة للامساك بها وإيداعها مبنى القصيدة . إنّ منوّراً تفعل هذا كله بكثافة صورية تتقاطع فيها الأشياء أو تلتحم بعلاقة تتأسس على مخيال شعري دائم التدفق والانفلات من واقع الحياة إلى واقع القصيدة عبر كمّ هائل من مدلولات الصمت والكبت واللغة المتخفية وراء بوابات الروح ومجاهيلها السحيقة . إنّ منوّراً لا تريد البوح بشكل سطحي ومباشر لأنها تدرك ، تماماً ، أنّ تجربتها الداخلية أكبر من أن تبوح بها بشكل مباشر   وسطحي . وكلما أرادت أن تمسّ لها معنى فإنها تأخذك إلى داخلها لتتستر على ذلك المعنى حتى عندما يشتد عليها الخناق ويقتضي البوح:

إذ تضيق بي الدنيا

أعود إلى ذاتي احتضنها

وربما كان سبب غموضها الذي جعلها تمتطي موجة السوريالية ، أحياناً ، أو تتستر وراء ضبابية المعنى وقتامة الكلمات . وبذا تتحوّل القصيدة ، عندها ، إلى طقس خاص له إيماءاته وهمهماته وإيقاعاته وموسيقاه ، أو إلى رحيق روحي يصعد في نسغ الترتيلة إلى مصافي الروح الأخرى المنشطرة والآفلة:

روح سرابية

تنطلق مع روحي

نحو آفاق خضر

         بنجوم خضر

لكنها في سيل الضياع

انتحرت

     وهي لم تولد بعد

وهنا تأكيد آخر على رحلة الشاعرة ، منوّر ، نحو المجهول ، التي ابتدأت منذ جموحها نحو الضفة الأخرى ، وهي ضفة لم تكتشفها إلا روحها السرابية الآفلة . فهي إذن رحلة صوفية إلى عمق المجهول يصعب أن تبوح بها لأنها أكبر من أي بوح وأسمى من التحديدات الحسية المدركة . ولأنّ منوّراً دائمة الترحال والسفر بين شواطئ الحياة ومرافئها ، ولأنّ حياتها مشدودة إلى ذلك الترحال بأواصر متينة ، نجد مفردات القصيدة ، عندها ، لا تخلو من دلالات السفر والرحيل والهجرة . ولا تكاد قصيدة من قصائدها تخلو من هذه الدلالات أو مداليلها فهي جميعاً تشترك بمفردات ذات دلالات واضحة كالبحر والمياه والزوارق والأمواج والشواطئ والأشرعة والمجاذيف والنوارس والسواحل والرياح . ودلالات مشفرة كالأفول والعطش والصخب والعبور والضباب والآفاق والدروب والإعصار والوداع والضياع والمجهول . وكلتا المجموعتين تقبلان القسمة على العنوان الرئيس (مرافئ ضبابية) وهذا يعني أنّ منوّراً استطاعت ، إلى حد ما ، أن تنقل مجموعتها من وحدة القصيدة إلى وحدة الديوان . وأن توزع ذاتها وهمومها ورؤاها ورؤيتها لعالم المرأة وضياعها على قصائد مجموعتها . لقد تشظت ، بعد انفجارها الشعري ، إلى كتل وأعضاء حيوية فاعلة تؤدي كل منها دوراً محدداً ينصهر في بوتقة الأدوار الأخرى ليكوّن رؤية خاصة بها وتلك غاية لم يبلغها إلا القلة من شاعراتنا . فالقصائد كثيرة ورديئها كثير جداً ولم نعد نقرأ كل ما يكتبه الشعراء كما كنا نفعل ذلك من قبل ونحن نهمل الكثير ويضيع منا بعض الجواهر الثمينة . وعندما نضع أيدينا ، صدفة على ملمسها الناعم الجميل لا نملك إلا أن نتوقف عندها منبهرين بها ومأخوذين بسحرها وبهائها . هكذا وجدتُ نفسي ، على الأقل ، وأنا أتوقف عند مرافئ منوّر ملا حسون الضبابية المبدعة .

 

*     *    *     *     *

................................................

نشرت في:

-         صحيفة العراق ـ العدد 7740 ـ التاريخ 5/10/2002

-          صحيفة العرب العالمية ـ العدد 6551 ـ التأريخ 12/12/2002