بدءا
المجاورة تنطوي على عنصرين أساسيين هما: السكن والجورة، وأما الدراما فتنطوي على
عنصرين أساسيين أيضاً هما: الفعل والصراع (فضلاً عن العناصر المسرحية الأخرى)،
وهذان العنصران الدراميان تحديداً هما ما تتَّصف بهما المسرحيات بأنواعها الصوائت
والصوامت، كما تتصف بهما بعض الفنون الأخرى مثل اللوحة والقصيدة والموسيقى والفيلم
لهذا لم تقتصر صفتهما الدرامية على المسرحيات، ولا على النصوص المسرحية فحسب، بل
تعدت ذلك إلى الرسم والشعر والنثر وحتى الموسيقى. الفرق أنهما في المسرح يتمتعان
بقوة مركزيتهما التي تتأسس عليها المسرحية. بينما لا تكون كذلك في الفنون الأخرى.
وعلى وفق هذا جاءت بعض أحكامنا السطحية المبنية على الإعجاب المباشر بالدرجة الأولى
- من لوحة شاهدناها في معرض تشكيلي- على أنها درامية، أو أن الدراما فيها أخذت
شكلاً معززا بالمعنى الجوهري للصراع في تلك اللوحة، أو السيمفونية حتى. وفي ضوء هذا
كررنا السؤال على أنفسنا غير ذات مرة: لماذا قيّضَ لنا القول بالمجاورة؟ وإلى أي
مدى يمكن الجمع بين الدراما وقصيدة النثر؟ (1)
نحن نعتقد أن المجاورة قائمة بين الطرفين (الشعر والدراما) منذ زمن بعيد ولهما
تأسيسات سابقة نوقشت على مدار عصور من الزمن، ولكنها لم تتضح بما يكفي. وما بين
المجاورة والدراما في عنونتنا تقع قصيدة النثر (2) فما هي هذه القصيدة، وهل هي
قصيدة فعلاً أم مجرد كلام منثور، وسرد مشعور كما يحلو لبعضهم وصفها؟ هذا السؤال
يجرّنا إلى هذيان طويل وآراء مختلفة، وتفاضل مقصود بهدف إدانتها أو التقليل من
شأنها ومن انتمائها أو إلى محاولة تدمير فكرة وضعها في خانة الشعر بدلا من خانة
النثر، وإن أشد ما يثير غضب عشاق النسق الشعري القديم إقرانها بالشعر أو منحها صفة
قصيدة شعرية فهل توارثوا غضبهم عليها جراء كسرها لعمودهم الثابت، وتحطيمها قوانينه
الجائرة؟ وهل حطمت قصيدة النثر فعلاً قوانين وقواعد الشعر التقليدية؟
لا شك أنها عملت على هذا وأنجزته بمباركة جيل من الشعراء والأدباء والنقاد نشدوا
جميعا حالة التحرر من تلك القوانين الفولاذية التي حبست الشعر في قوالب جاهزة على
مدى قرون طويلة. ومع أنها هدمت تلك القواعد المتحجرة فهل مارس الشعراء كتابتها بلا
قوانين مبتكرة؟ وهذا سؤال مهم آخر يطرح نفسه علينا بقوة. وهنا نقول كما قالت من
قبلنا سوزان برنار إن قصيدة النثر ابتكرت قوانينها الخاصة، وإنها تتمتع بإرادة
واعية للانتظام وتفترض أو تفرض على نفسها أن تكون ذات وحدة عضوية مستقلة، ومع هذا
نقول إن لكل قصيدة نثر قوانينها التي تُجْتَرحُ من داخلها، ومن جوهرها حتى وإن قال
المتحررون خلاف هذا. وهذا هو ما لا تستسيغه الأذن التي تعودت على الإيقاع الرتيب،
والغنائية، والوزن الطربي الذي يجعل أمر تلقيها وقبولها سهلاً وميسوراً إلى حد
رفضهم الجديد ووصفهم قصيدة النثر بالهراء، وانتفاضهم العارم على من يدعي أن قصيدة
النثر من الشعر. ولما كان لكل قصيدة نثر قوانينها الخاصة وإرادتها في الانتظام
بوصفها قصيدة؛ لذا سنأخذ هذا بنظر الاعتبار ونحن نحلل كل نموذج من نماذجها على
انفراد سعياً لبيان دراميتها وبيان اللحمة الأكيدة بينها وبين الدراما آخذين بنظر
الاعتبار الحكم القائل ثمة شعر أو لا شعر.
أردت من هذه المقدمة المختزلة الربط بين الدرامية بوصفها صفة لموصوف وبين قصيدة
النثر التي نحن بصدد دراميتها. فما الذي يجعل هذه القصائد تتصف بهذه الصفة
المستعارة؟ اعتقد أن علينا البحث والتحري عن الأدلة الثبوتية في موقع تلك القصائد
أعني قصائد النثر تحديداً على الرغم من توفرها في قصائد أخرى كثيرة مثل قصيدة
العمود، وقصيدة التفعيلة، وغير ذلك.
درامية قصيدة النثر:
نموذجنا الأول في هذا المبحث قصيدة الشاعر أديب كمال الدين الموسومة (الغراب
والحمامة) من مجموعة الحرف والغراب 2013 (3). عنوان القصيدة بمفردتيه (الغراب
والحمامة) يشي بوجود صراع شديد لاختلاف ما تنطوي عليه المفردتين. الشائع أن الحمامة
رمز للسلام والاطمئنان والحياة الحرة الكريمة بينما الشائع عن الغراب أنه رمز للشؤم
والتشاؤم والظلم والسواد الذي يرمز للحزن والغياب الدائم. الطرفان في حالة تناقض
دينامي، وتنافر شبه أبدي على وفق منظومة الفكر الشرقي. أقول هذا لأن رمز الغراب
يختلف من الشرق عما هو في الغرب، وفي أستراليا على سبيل المثال فأن الغراب يرمز
للخير والمحبة والتفاؤل، وأن بعض الفرق الرياضية اختارت مفردة الغراب اسما لها
بدعوى جلب الحظ في التصفيات الرياضية. ولم يؤثر مكان الاغتراب (أستراليا) على
الشاعر أديب كمال الدين من قريب أو بعيد فقد ظلّ رهن شرقيته من جهة، والتزامه
بقداسة الرؤية من جهة أخرى. هنا أتوقف لحظة لأقرر أن أول مقتضيات الدراما قد توفرت
في هذه القصيدة (الشخصية والشخصية المضادة) أو (الغراب والحمامة)، وهما شخصيتان
رئيستان في القصيدة، وعلى الرغم من أن القصيدة أسست على قصة قرآنية (قصة نوح
والطوفان) إلا أنها اتَّخذت من الشاعر أو (صوت الشاعر) راوياً لحدثها:
حين طار الغراب ولم يرجع/ صرخ الناس وسط سفينة نوح مرعوبين
لاحظ أن الشاعر هنا لم ينقل حرفيا من القرآن، ولم يسع إلى الاقتباس منه، وفقط راح
يروي عنه رؤيته الخاصة، وتأويله المتعالق مع القصة، وفي الوقت نفسه لعب دوره بوصفه
شخصية ثانوية أيضا تدخلت في الحدث وفرضت ذاتها على القصيدة:
وحدي- وقد كنت طفلا صغيرا-
رأيت جناح الغراب/ أعني سواد جناح الغراب/ فرميت الغراب بحجر
الجملة الاعتراضية هنا بمثابة ملاحظة خارجية يضعها الكاتب المسرحي بين هلالين ليفصل
بين الحوار القائم في النص وبين ملاحظاته الخارجة عن النص، وهذه ميزة من مزايا
كتابة النصوص الدرامية فضلاً عن استخدام المونولوج، وهو ما اشتهرت النصوص المسرحية
باستخدامه بطريقة جد مؤثرة، ولنا في مونولوج هاملت وحواره الداخلي (أن أكون أو لا
أكون) مثالاً شكسبيرياً متفرداً. وقبل هذا وذاك لابد أن نشير إلى الموقف الدرامي
الذي تجلّى في هذا النص من خلال الحركة (رمي الغراب بحجر) والفعل (الرمي) الذي أشار
إلى أن الصراع بدأ بالصعود من هذه اللحظة (لحظة الرمي)؛ وبهذا تكون القصيدة قد
انطوت على عدد من العناصر الدرامية الرئيسة في بنائها داخل القصيدة.
في
الحوار الداخلي للشخصية (مونولوج) يسأل الراوي (الشاعر) نفسه:
لماذا
كنت وحدي الذي رأى/ سواد الغراب/ ولم يره الناس؟
هذا الفرق يدل على أن الصراع الناجز في هذه القصيدة تدور رحاه بين شخصية الشاعر
ونفسه أولا ثم مع الغراب ثانيا وعنهما نتجت ردة فعل المجموعة (الناس)، وهي ردة
متوازنة ومتناقضة في آن واحد؛ ففي المقطع الثاني عند عودة الحمامة حاملة غصن زيتون
صرخ الناس فرحين، وهذا الموقف مغاير ومناقض تماما لموقف الناس في المقطع الأول،
ويتبيَّن لنا هذا من خلال تناقض الصرختين، فعند عودة الغراب صرخوا مرعوبين لكنهم
عند عودة الحمامة صرخوا فرحين. وكأن الصراع انتقل تأثيره من الشخصيتين إلى المجموعة
بهيئة ردة فعل درامي جمعي تجسد من خلالها الموقف الدرامي للمجموعة (الناس)، ثم عاد
الصراع بين الشاعر والغراب ثانية بشكلٍ تصاعدي بعيد عودة الثاني مدفوعاً برغبة
انتقامية تجسدت من خلال ضربه عين الشاعر بقوة جارحة ثم نقر جبهته وانبثاق (الدم
عنيفا كشلال)، وهنا يكون الصراع قد بلغ ذروته الدرامية التي بدأ بعدها بالهبوط من
تلك الذروة نحو نهاية المسرحية، ويقابله في القصيدة نزول الناس (من السفينة فرحين
مسرورين، يتقدمهم نوح الوقور)؛ فهل انتهت القصيدة عند هذه الجزئية حسب؟ اعتقد أن
أوان انتهائها لم يحن بعد؛ فما زال الشاعر في محاولة دائبة لوقف النزيف الذي تسبب
به الغراب، ولكنه يفشل في مهمته فتتبنى الحمامة ذلك واضعة الرماد على جرحه النازف.
في المقطع الرابع/ الأخير من القصيدة ثمة إشارة إلى استمرار الحال على ما هو عليه
(منذ ألف ألف عام)، بمعنى أن البداية والنهاية ستكونان مدورتان ومرتبطتان بعقدة
واحدة (Celtic)
تلغي البداية والنهاية لتظل القصيدة مشتغلة على التدوير إلى ما لا نهاية، ويظل
الغراب ينقر جمجمة الشاعر (الإنسان) وتظل الحمامة في دأبها على معالجة جرح الإنسان،
من دون توقف، ومن دون جدوى أيضاً، وهذا هو ما توصل الشاعر إليه بصفتها نتيجة
للصراع، وقرره في نهاية رحلة السفينة.
إن اختبار الدرامية هنا يتجلى للمتلقي من خلال عدد الأفعال التي تَفجر الصراع عنها
في هذه القصيدة الذي تضمنه أغلب أبياتها (سطورها) مثل: طار، وصرخ، ورأيت، ورميت،
وأصبت، وكنت، ورأى، وعادت، ويصيح، وضربني، وظهرت، ونقر، وانبثق، ونزل، ويتقدمهم،
ويتأمل، وحاولت، واقترب، ووضعت.. إلخ. وإعادة النظر إليها تكشف عن:
أولا. إن أغلب هذه الأفعال، إن لم أقل كلها، أفعال حركية. بمعنى تضمنها على الحركة
الدرامية التي تخدم النص المسرحي.
ثانياً. تضمنها على زمنين مختلفين، هما الماضي الذي اختص به صوت الشاعر/ الراوي
والمضارع الذي اختصت به عملية الصراع. ومن اندماجهما تتشكَّل حبكة القصيدة. وإذا
حكمنا على هذه القصيدة من خلال أفعالها بوصفها نسقا دراميا أوحى لنا وللشاعر قبلنا
بوجود قاعدة فرضتها بالضرورة طبيعة القصيدة وجوهرها؛ فهل يمكن أن نعمم استخدام هذه
القاعدة على قصائد أخرى غيرها؟ ذلك هو السؤال الذي نحاول الإجابة عليه في الفقرات
القادمة.
قصيدة النثر الوامضة:
وهي تختلف اختلافاً كبيراً عن قصيدة الومضة؛ لأن الأولى قد تأتي طويلة على خلاف
الثانية التي تأتي قصيرة مختزلة ومكثفة. وهذا الاختلاف يظهر واضحاً من خلال الفوارق
الكبيرة والكثيرة بين القصيدتين. قصيدة الومضة بنصها القصير وكثافة المحمول فيها
وجوهرها المختزل تشبه إلى حد ما وميض البرق الذي ينتشر بسرعة خاطفة مغطياً مساحات
شاسعة بضوئه الوامض الذي يكشف كل ما تحته بالضبط، وهكذا تعمل قصيد الومضة على كشف
ما وراءها وما تحتها من المعرفة لتحقق قدراً كبيراً من المعنى يصل أحيانا -من حيث
قدرته- إلى مستوى القصيدة الطويلة. أما القصيدة الوامضة أو قصيدة الومضات فإنها لا
تشتغل بالضرورة على الطول ولا تفكر فيه أصلاً، وهي تستقر على بناء فريد يجترح طولاً
مناسباً لها، وهي تشتغل - في الوقت نفسه- على عدد من الومضات قد يكون عددها بعدد
مقاطعها. وبناء على ما نحن بصدده في مبحثنا عن درامية القصيدة يفرض علينا السؤال
نفسه بإلحاح: هل ثمة دراما في الومضة وكيف؟ لأن الدراما تفرض طولا ومساحة يتحقق
عليهما صراع المتناقضات. وسنحاول إثبات هذا من خلال نص الشاعرة فرات إسبر (الأجساد
كتب تغطيها الأثواب) في مجموعتها المحدثة أطلس امرأة برية 2024 (4) والتي جاء في
مقطعها الأول ما يأتي:
ما بين قلبي ولساني/
تترمدُ كلماتي
الشخصيتان هنا هما القلب واللسان وما بينهما تقع الكلمات (نتاجهما الفكري
والمعنوي)، هذا النتاج يصاب بعائق تعجيزي يحجب الرؤيا، ويشوش الصورة لأن دافعاً
للصراع يتأجج بهيأة مرض يصيبهما في مقتل بوصفه نقيضا لسعيهما اجتراح القادم
المعنوي، وتتجسد قوته في رمد الكلمات، وعجزها عن الوصول إلى مآل رؤيا الشاعرة فرات
إسبر. لقد توفرت لهذا المقطع العناصر الآتية: النقيض/ الفعل/ الصراع/ الومضة/
النهاية (النتيجة). ويمكن عد الصراع هنا أشبه بمبارزة شرسة بيت الشاعرة والموضوع،
أو لنقل بين المادة والروح.
في مقطع وامض جديد تتكرر العملية مع بعض الاختلافات الجزئية حيث تقول:
افتحُ قفص صدري/ وأطيّر عصافيره/ يا أيها الإنسان: لا تكن سجاناً
يفترض
هذا المقطع وجود سجن وسجان وشخصية ثالثة هي من ستقوم بالفعل الدراماتيكي. ويتحقق
النقيض هنا من طبيعة شغل كل منهما وما تفرضه عليه طبيعة المهمة التي قام بها، فثمة
أمر وقع في زمن ما قبل بداية المقطع تسبب في دخول السجين إلى السجن، ومن قام بهذا
الفعل هو السجَّان. ولما كان السجين تواقا للحرية والانطلاق خارج السجن بعيداً عن
جدرانه الخانقة والمقيدة لحركته لذا فهو يفتح قفص صدره ليطلق الطيور- الرمز الأقرب
لروح الشاعرة - التي تنشد الحرية والخلاص من الأسر القسري. وفي نهاية المقطع تأتي
الومضة الحكيمة (يا أيها الإنسان: لا تكن سجَّانا)، وبهذا يكون المقطع قد حقق ما
يأتي: النقيض/ الفعل/ الصراع/ الومضة (الحكمة).
وخزتني وردةٌ
/
بكيتُ من جرحها/ أيتها الوردة/
:من
أضاف إليك صفات الناس؟
في هذا المقطع ثمة فعل دراماتيكي يسبق الأحداث
القادمة، ويجر الانتباه إليها، ويظهر فيها التناقض بين الفعل (وخز) والفاعل (وردة)
التي خرجت عن طبيعتها، فأنابت عن نقيضها الجمالي (الشوك)، ووقع فعلها على المفعول
به المختفي وراء شخصية الشاعرة فجرحها فأطلقت حكمتها بصيغة سؤال عميق عمن أضاف
للوردة صفة اتصف بها الناس دون الزهور جميعاً. ووراء هذا المعنى معان كثيرة وعميقة
مهيمنة على مرافق حياتية كثيرة. في هذا المقطع كما في المقاطع الأخرى تحقق ما يأتي:
النقيض/ الفعل/ الصراع/ الومضة (الحكمة).
وهكذا تقفو مقاطع القصيدة، وتنحو هذا المنحى حتى النهاية. إن ما تحقق في هذه
المقاطع لم يقتصر عليها دون غيرها؛ فهي شاملة عامة ثبت من خلالها ما ألصقناه بقصيدة
النثر الوامضة المحدثة فضلاً عن استقلالية مقاطعها واكتمال بناء تلك المقاطع وتحقق
مغزاها ومبناها. وهي جميعا تشكَّلت من وحدات متعدِّدة في وحدة واحدة. تفترق في
استقلاليتها، وتتوحد في معناها العام.
الملحمية في قصيدة النثر:
في قصيدة النثر أيضا ثمة شخصيات ملحمية منحها الشاعر أسطرة جعلت منها محوراً لفكرة
أراد إيصالها للقارئ بهدوء وتروٍ، من دون ضجة أو فوران دم على أرضها اليباب. في هذه
القصيدة نجد شخصية شعبية جدا سلّط عليها الشاعر رياض محمد - الذي جاء إلى الشعر من
المسرح - كشافاته لتكون داخل حزمة ضوء تزيدها وضوحاً، وفاعلية، وقدرة على المواجهة،
وإدارة الصراع الدرامي، هي شخصية صاحب العربة التي سبق للفنان الدكتور خليف أن
جسدها بلوحة مائية مبهرة، مشتغلاً فيها على لغة اللون التي كشفت معاناة وعذابات
صاحبها، وتعبه الشديد الذي ألقى به عليها ليغفو إغفاءة مرهق شقي، تجلت دلالتها في
قوة الربط بين العربة وصاحبها، وها هو الشاعر رياض محمد يجسِّدها بحروف شعرية جميلة
ومعبرة عما تعانيه هذه الشخصية الاستثنائية. يقول في مقدمة قصيدته (عربة الألم)
(5):
لا
شيء يستوقفه/
لا أعوام طفولته السعيدة
/
ولا الأفكار التي/
كان يتغنى بها/
ولا تلك الشجرة التي
تنبت في قلبه،
هكذا قدَّم الشاعر شخصية صاحب العربة، والإنسان البسيط المتواضع (الحمال) ومنحها
صفة ملحمية خارقة للعادة، ومنزوعة من المألوف حين قرر أن لا شيء يستطيع إيقافها،
وخلافا للمألوف نزع عنها رتابتها لتكون خالصة تماما، وهذا هو بالضبط ما نادى به
بريخت حين قال إن أي شخصية تخلصها من رتابتها وتعرضها عرضا خاصا تماما هي شخصية
ملحمية، وهذا هو بالضبط ما قام به الشاعر والمسرحي رياض محمد حين قدَّم لنا شخصية
صاحب العربة المألوفة لنا حد الرتابة.
أعد النظر إلى اللاءات النافية الثلاث؛ وكيف أضفت على الشخصية من النفي قوة
استثنائية جعلتها خارقة إذا ما قسناها بشخصيات شبيهة لها في الواقع المعيش. هذه
الصفة المهمة عززت أبعاد الشخصية وجعلتها أقوى من أن تذعن لأعوام الطفولة لأنها
تتمتع بقوة بدنية وعقلية تجعلها قادرة على الوقوف في وجه: الأعوام، والأفكار،
والجذور. وفي هذا إشارة لبعدين الأول طبيعي والثاني فكري وسيلحق بهما البعد النفسي
حين يقرر الشاعر إن هذه الشخصية كانت تحاول تجاوز أوجاعها التي تنخر في روحها وتترك
على نفسها أعراضها المرضية/ النفسية. ويتجلى صراع الشخصية ليس بينها وبين شخصية
أخرى، بل بينها وبين الحياة التي تحاصرها وتضيق الخناق عليها وترميها بسهام الجوع
والمشقَّة التي على الرغم منها تستمر في دفع عربتها إلى الأمام. وإزاء هذا الحيف
تتمرد الشخصية على واقعها وعلى يوم ولادتها لاعنة إياها ونافرة من الزغاريد التي
احتفت بمقدمها إلى هذا العالم المليء بالوجع، والحيف، والضيم، والجوع، والخوف،
والقهر، و، و، إلخ. إنها تكافح من أجل البقاء على الرغم من قسوة الحياة، ولا
معقوليتها، وضراوتها حتى يستحيل على الكسبة مثلها الحصول على الحد الأدنى من العيش
بكرامة، ومع كل هذا تستمر في العتالة دافعة العربة إلى الأمام على الدوام حتى
ينهار
جسده النحيل/
فيصرخ/
مثل امرأة لحظة الطلق
أيها العالم المسكون
؟/
بالآلام
والخوف
/
أيها العالم الـ ............. ع ا لـ مممم
/
يسقط فجأة
هذه المقاومة الفريدة والعجيبة استمرت حتى النفس الأخير، وحتى سقطت جثة هامدة
لتنتهي ملحمتها عند هذه النقطة/ النهاية. لاحظ أن الفعل (يسقط) حدث بقوة ارتداد
المخاض العسير الذي مرت به الشخصية طوال زمن الأحداث الماضية ولم تكشف عن ضعف
مواجهتها أو هبوطها معنويا أو بدنيا يقلل من شأنها في التحدي والمواجهة. وإن وصفه
بـ(فجأة) جعلت من الفعل الرتيب فعلاً دراماتيكياً قوياً ومؤثراً ممتزجاً بالقليل من
الدهشة. إن الصرخة القوية والطويلة التي أطلقها في وجه العالم قطعها الشاعر بفعل
مؤجل بعض الشيء (يسقط) محددا كيفيته الفجائية. الدالة على قوة أسطورية عظيمة.
الشخصية المونودرامية في قصيدة النثر:
في الغالب تشتغل المونودراما على ذكريات الماضي، وما تلتقطه منه لتبثه إلى المتلقي
في الزمن الحاضر، وهذه العملية تتم بشكل فرداني فيه الكثير من الشكوى والتذمر
والتنمر على الروح. وفي هذا كلّه ما يقرّبها من قصيدة النثر التي يتماهى المحمول
فيها أحيانا مع الذات الشاعرة في صراعها مع المادة أو مبارزتها للموضوع، وتفترض في
أغلب الأحيان- إن لم أقل كلّها- غائبا عنها وملاماً من قبلها. ولكي تحافظ على درجة
الشد والتشويق فأنها تعتمد على الأفعال الموازية للأقوال وبهذا تكسب الفوز باستقدام
عملية الصراع الداخلي (صراعها مع الذات) أكثر من استقدامها للصراع الخارجي (مع
الشخوص الآخرين)، وحتى في هذه الحالة فإنها تنوب عن الشخوص في أداء أدوارهم وهنا
يكمن مصدر قوتها، وصعوبة أدائها.
النموذج الآتي (انتظريني في مطلق اللحظة) (6) للشاعر جلال زنگبادي من مجموعته
الموسومة (ها هي معجزتي 2009) ينطلق صوت الشاعر معبراً عن ذاته المرتبكة ولوعة
الوجود مقدماً الأنا- بعد اسم الإشارة- على محمول القصيدة:
هذا أنا في جحيم صمتي/ متاهات أسراري/ أجتاز دياجير خارطة مهجورة/ تحت سماء الحِمام
إذن شخصية الشاعر أو صوت الشاعر هي المهيمنة الأساسية على النص وهي التي عززت
فردانيتها في القصيدة، بمعنى أنها لم تلغ بالمطلق القانون المركزي للمونودراما
(الفردانية). والمقطع الأول فيها بني على فعل دراماتيكي هو (اجتياز) الفاعل فيه هو
الشاعر، والمفعول به (دياجير خارطة مهجورة) ومكان وقوع الفعل (ـتحت سماء الحِمام)
تحديد الفعل ساعد على بيان موقف الشخصية وهو موقف ضعف لأن الموت راصد لها أينما
رحلت ومتربص بها أينما حلّت.
في المقطع الثاني تظهر الشخصية الغائبة التي ترتبط بالشخصية الرئيسة بسيل من
الذكريات التدميرية يفتتحها الشاعر باكتظاظ نهاره بالأشغال الشاقة واكتظاظ ليله
بها. وتولِّد حالة قهرية يحاول علاجها بالنحيب، ولكنه على الرغم من هذا كله يعلن عن
نفسه ثانية بالإشارة الذاتية إلى كونه وحيدا يعاني دونها من تراكم العذابات الكثيرة
والمختلفة وتشبّح لحظته وارتشاف حزن شفتيها ومناجاته لها باستسلام وبمزيد من مرارة
النكوص والشعور بالتعاسة المشتركة
أيتها التعساء / وأنت تنتظرين / حطامي الأتعس من التعاسة...؟!
ويستمر بهذا البوح والنواح وتشتد الأزمة عليه، وتستحيل عيونهما (إلى أفواه موتى)
وتنطفئ موسيقى مستقبلهما حتى تتداخل الأزمنة متخذة شكلها المأساوي فيقرر:
إنما الماضي مخض صدى/ المستقبل انتظار ليس إلا/ بينما تتأبد لحظة روحينا القصوى/ ما
بين وهم ماض نافق وشبح آت ممسوخ
هي لحظات أزمة سيكولوجية اجترحتها معاناة الشاعر، ومضض الاغتراب، وسرطانات الفراق،
واقتراب شبح الغياب وانتهاكه لحرمة الحياة والحضور. على الرغم من قدرة الشخصية
الغائبة على قهر ما يهدد دورة حياتها بالعدول عن الحياة. هذه القدرة الخارقة لم
تجعله يكف عن تناسل الشكوى ومضاجعة المرارة. وعندما توحي له بالصبر يقرر بشكل
إيجابي:
أجل لا بد أن انتظر فقد أغوانا المستحيل وأغويناه!
قصيدة النثر المونودرامية:
في قصيدة نثر هي الأقرب إلى المونودراما. يطالعنا الشاعر جواد الحطاب برائعته (...
ومن يأبه) مستوفية أغلب اشتراطات المونودراما مما وضعنا أمام تساؤل فوري: هل قصيدة
النثر مونودراما مسرحية؟ وإن لم تكن كذلك فماذا تكون؟ يقول د. احمد زياد في كتابه
الموسوم (قصيدة النثر) مستنتجاً:
(قصيدة النثر بعد ذلك ليست قصة ولو اعتمدت على أسلوب السرد أو القص، وكذلك ليست
حكمة ولا جملة تلخص موقفاً ولو كانت قصيدة ومضة، ولا بد لها بعد ذلك من نظرة جديدة
إلى العالم، وليس ثمة موضوع خاص بها كذلك ليس ثمة موضوع ما لا يمكن أن تعالجه،
والمشكلة ليست في الموضوع إنما في معالجته وزاوية رؤيته وطريقة تناوله) (7)
وهنا أضيف أنّ قصيدة النثر ليست مسرحية، وإن اشتغلت على قوانين المسرح واشتراطاته
التقليدية المعروفة للجميع. وما قصيدة جواد الحطاب إلا قصيدة نثر عملت على مجاورة
خلاقة للمونودراما فنتج عن هذه المجاورة نصاً شعرياً منفتحاً على المسرح، ومحتفظا
بسماته الشعرية في آن واحد. عنونة القصيدة (8) تشير إلى أن نصها معطوف على سابق له
حدث في الماضي القريب وارتبط بالنص الحالي عن طريق حرف العطف (واو)، وهو نص لم
يصرّح الشاعر به لأنه ترك أمر تأويله للمتلقي الذي سيصدر حكمه أو رؤيته من خلال
النقاط الثلاث التي سبقت العنونة؛ عملاً بما فرضته قصيدة النثر من شرط الإيجاز
والتكثيف. يستهل الحطاب قصيدته بجملة فتحت الأبواب أمام المتلقي ليعرف تحديداً عن
ماذا سيخبره النص:
ما كان عليّ أن اسجن في يوم كهذا
.....
وإذن فالحدث يتعلق بالمكان (السجن) الذي لم يكن توقيته متوافقا من إرادة الشاعر
وفحوى تلك الإرادة، كتم الشاعر البوح عنها وتركها مثلما فعل في العنونة مفتوحة
لتأويل المتلقي الذي سيقرر المعنى الذي يرتبط بالموقف الذي مر به الشاعر آنفاً.
يزيد الشاعر القارئَ إرباكا حين يثبّت الاعتقاد بدلا من اليقين مبتدئا جملته
الثانية بالفعل (اعتقدتُ) لأنه لم يكن على يقين مما سيحدث وأردف ذلك بالفعل
(أوشكتُ)، وهنا يتوقف ثانية كما يفعل الممثل في المونودراما ليجر انتباهنا إلى ما
وراء الكلمة أو ما بعدها مستدركاً:
لكن اللحظة التي رأيت فيها المفرزة، أيقنتُ أنهم جاءوني لإلقاء القبض
مع أنه لم يكن متهيئا لدخول السجن في هذا اليوم تحديداً. الحطاب هنا يعقّد الأمور
على نفسه وعلى القارئ بقصد جر الانتباه إلى عقدة القصيدة الدرامية. ومع تأكيده على
زمن إلقاء القبض عليه (في يوم كهذا) إلا أنه لم يفصح عن سبب هذا التحديد بمحددات
معينة، وترك المتلقي يتأرجح بين استحسان فعل الشرطة واستهجانه لذلك الفعل ارتباطا
بعدم استعداده في ذلك اليوم. ثم تتبع هذا نقاط مرصوفة تترك كفاصلة لاستراد المتلق
تفكيره ليحسم الحكم على الحدث بوعي تام. وهذا هو عين ما فعله بريخت في مسرحه
الملحمي. بعد هذه النقاط يقدم الحطاب إيضاحا يزيد من عقدة الحدث والتباس القصد على
المتلقي:
لم أجد التاريخ، بكتاب القبض عليّ/ وشاورني الضابط: إنه أشبه ما يكون بيوم كهذا
الحطاب هنا يلجأ إلى التكرار لزيادة الغموض الذي يفضي في النهاية إلى اللهاث سعيا
وراء اكتشاف سر الزمن الغامض أو الذي أراد الحطاب له أن يكون غامضا ويكرر الاستحسان
أيضا لسر في ذاته المرتبكة حتى يفصح عن ذلك السر مصرحا أنه (لا يأبه بالأيام
كثيراً). وكشخصية مونودرامية تتمتع بفردانيتها تسرد ما كان لها من أمر الاعتقال
باستخدام الفعل الناقص (كان):
..
كان كتابي: من دون فوارز، ونقاط، وهزيل الديباجة/
إلا أن الضابط شاورني "ومن يأبه"
ولعل من المهم الإشارة إلى أن الشاعر الحطاب يجيد استخدام الحركة الدراماتيكية
وطبيعة تأثيرها على المتلقي في حالة الشعر، والمشاهد في حالة المسرح. ويظهر هذا
جليا في حركة الضابط الذي قرّب فمه من أذن الشاعر ليهمس فيها بضع كلمات مكررا عبارة
العنونة (ومن يأبه)؛ فكل الأيام سواسية عندما يتعلق الأمر بواقع الناس وأيام
الاستلاب والرضوخ لسلطة الضابط؛ وحين يتحول الناس إلى مجرد أرقام صفرية في عالم
الوجود واليأس الذي يفرض عليهم عدم المبالاة أو الاهتمام فجميعهم لا يأبه بما يحدث
لغيرهم.
في كتاب إلقاء القبض عليه شاهد الفوارز التي ذكرته بالمفرزة وشاهد النقاط التي
ذكرته بنقطة التفتيش، وهذا يعني ازدحام ذاكرته بمفردات تسلطية، وهيمنة تعسفية،
واستغلال جشع، وقصدية في فرض هذه المفردات على الثقافة الشعبية العامة؛ والا لماذا
لم ترتبط هذه المفردات بمرادفات إيجابية غير المرتبطة بالسلطة والتسلط؟ لقد أحسن
الحطاب الاشتغال على الأفعال دعما للحركة الدراماتيكية واقترابا من الدراما
المسرحية وضبطا لحبكتها. ولننظر نظرة سريعة على بعض تلك الأفعال: (اعتقدتُ، ورأيتُ،
واقتنعتُ، وأوشكتُ، وكنت، وتوقفت، وكدت، وفعلت.. إلخ) وكلّها ارتبطت بدلالات
موحَّدة ومفسِّرة الحالة التي صارت عليها الشخصية عبر مراحل تطورها داخل القصيدة.
ومن هذه الأفعال الدينامية إلى فعل التفكير ينتقل الحطاب ليوضح لنا شيئا عن بعد
الشخصية الفكري وعن أفكارها التي جاءت بوصفها محصلة لما حدث لها طوال الزمن السابق
من عمر القصيدة. يقول:
كنتُ أفكر بالهجرة لليونان.. بزوربا.. بمساءات راقصة، ووجوه كاملة الدسم
إنها مرحلة الهروب من الضيم والقيد وما ابتلي الناس به من الظلم والقتل والدمار
والفتنة والبغضاء وما إلى ذلك من القيود الثقيلة التي صار الكل يرضخ تحت نيرها
الثقيل. الهروب إلى موطن الرقص والسحر والجمال بعد أن فقد الناس مباهج الحياة
والحرية وكل شيء جميل.
ومما يثيره الحطاب أيضا هو أن كتاب إلقاء القبض لم يدوَّن فيه اسمه أو أي اسم على
الإطلاق، ومع ذلك لا أحد يأبه للأسماء بعد حلول الأرقام محلها، وهذا ما دعاه إلى
التساؤل:
هل ستضعون على شاهدتي رقما؟!!
طبعا لا أحد يأبه كالعادة؛ فالبلد يسير على جادة الخراب الذي طال كل شيء حتى بناء
الإنسان الذي قيل سابقاً (ملعون من هدمه.. ملعون من تستر على هادمه) لقد حشروه داخل
صندوق السيارة:
شاورت الصندوق: إنني آنست قيدا، فالداخل والخارج زنزانة
قال، ومن يأبه، فالإنسان بلا معنى..
انظر كيف قاد الحطاب الصراع بدراية كافية لصعوده نحو الذروة ابتداء من حضور المفرزة
لإلقاء القبض عليه وانتهاء بوضعه في صندوق السيارة لغرض إيصاله إلى الزنزانة.
معاناة هائلة، وآلام قاسية، ولوعة، وتشتت، واندحار، وهزيمة لحقت بالشاعر ومواطنيه،
وإذلال، ومسخ للمشاعر الإنسانية، وهدم للإنسان وبنائه، وعمل دؤوب لتدجينه على وفق
ما يريدون ويأملون:
فكرت أن أضع لزنزانتي حجر أساس/ وأدفن فيه نقودا من أقصى العملات لأصغر فلس ملكي
فالإنسان بخدمة زنزانته
.....
ومن يأبه
وعند هذه الخاتمة أعود إلى عنونة القصيدة (...ومن يأبه) لأن معناها الخارجي تجلّى
في عمق معناها الداخلي وأكدها أربع مرات على مدى مساحة القصيدة، وهذا موقف انتقادي
صارخ لمن لا يأبه بشيء مع أن الأشياء من حوله مضطربة، وهزيلة، ومربكة حتى النخاع.
ختاما يمكننا القول إن العناصر الدرامية والمونودرامية قد تظافرت بهذا النص ما جعله
درامياً بامتياز.
الصراع الجمعي في قصيدة النثر
في قصيدة الشاعر سهيل نجم (حين أمشي تساقط جراحي) (9) ثمة تنازل عن الفردانية لصالح
الصوت الجمعي، أما صوت الشاعر فقد أوكل بدور الراوي الذي يرى وينقل ما يرى للمتلقي.
وبشكل عام يمكن القول إن صوت الجماعة يمثل صوت الشعب ومواجهته للأحداث الدامية التي
قلبت حياته إلى دراما مأساوية (تراجيديا) رافقت العراقي منذ فجر التاريخ وحتى يومنا
هذا، وقد أشار النص الرافديني إلى ضراوة المأساة التي رافقته منذ ذلك التاريخ (10)
وسهيل نجم يصدمنا من اللحظة الأولى بعنوانه المبني على نزف الجراح وتساقطها على
الطرق كلما أراد السير من أجل الوصول إلى الهدف المستحيل، وبينما هو كذلك فإن جراحه
تتماهى مع الأعراس بشكل جنوني يقيمها لتكون فرصة للجنون، أو تقيم نفسها بوصفها فرصة
للخيال الوحشي والصراخ الذي يعلن عن حجم المأساة وكارثيتها:
(أيها العراقيون لقد أسميتكم قتلى)
من هذه الصورة القاتمة ينتقل سهيل إلى صورة أخرى لا تقل قتامة عنها فقد غادر العمال
بيوتهم وحطوا رحالهم في الصباح الباكر تحت جدار (المسطر) منتظرين إطلالة السيد
المقاول بعد أن تناولوا فطورهم الزهيد على الرصيف، أملا بكسب يوم عمل قد يعينهم على
إعالة حفنة من الأفواه الجائعة.
ثمة تمايز يقدمه سهيل نجم بين الطبقة العراقية العاملة التي تريد التخلص من جوعها
بالكسب الحلال وبين المقاول الذي يروم شراء قوة العمل بالحصول على أدنى ثمن
للعمالة، ولا يهمه وقت الحضور إلى المسطر فلم تكن بطنه خاوية كبطون العمال الفقراء.
فردانيته وما يروم الوصول إليه (شراء الأيدي العاملة) أمام جماعية الأيدي العاملة
المنتظرة رزقها القادم مع قدومه هما البديل الموضوعي للفرد والجماعة.
هل نحن في مسرحية كلاسيكية (سوفوكلية) تشخَّص بممثل واحد وكورس جماعي؟ لا أظن ذلك
وما أبعد ما يقدمه سهيل عما قدمه سوفوكليس زمنياً ومكانيا، فضلاً عن اختلاف الجنسين
(الشعر والمسرح) اختلافا كبيراً، وإن كان المسرح قد بدأ شعرياً عند الإغريق باعتبار
نبل لغته كما ادَّعى أرسطو ذلك في كتابه الأشهر فن الشعر. وبالعودة إلى مقطع
القصيدة الآنف الذكر نجد بذرة التناقض الضمني بين الحال والمآل بين ما يطلبه الشاعر
من العراقيين وبين حالهم المزرية:
اجلسوا باسمين/ بينما تتطايرون/ ضحايا لإله المحو
هنا يتحول الشاعر إلى مخرج مسرحي يطلب من الممثلين أن يبتسموا، وهم يقدَّمون ضحايا
(لإله المحو)، وما عليهم إلا أن يرسموا على شفاههم ابتسامة معجونة بموت زؤام يلغي
وجودهم المضطرب بفناء فجائي بمفخخات أو ناسفات أو ما ملكت أيمانهم من أسلحة الإبادة
الفردية والجماعية الجينوسايدية (gynocide).
في المقطع الثاني يستمر الشاعر/ السارد في وصفه لحال المدينة الكارثي، وتسجيله
لشهادات الناس وأقوال العمال في محاولة لكسر الإيقاع عن طريق نقل الأقوال التي وردت
على ألسنتهم: (قال بعضهم، قال أصغرهم، قال كبيرهم) ثم يستعرض شهاداتهم حول مجريات
الأمور وما نتج عن ظرف الاحتلال والانفلات الأمني من خلال ثلاث شهادات كلها روت عن
القتل والذبح وإزهاق الأرواح إلى الحد الذي جعله يقرر أن العراق انتفخ متورماً بهذا
الكم الهائل من الجثث، وأن طرقه صارت معبراً للعويل، وللمستعمرين، وللبغضاء، وفن
الذبح والنطح والقصائد المرتزقة، والأحذية الثقيلة، والدبابات و.. و.. إلخ، ولكنه
على الرغم منها جميعا ظلّ متعايشاً مع الأمل المرتجى وصارخاً في وجه الموت:
أيها الموت.. ستكون دائما ثمة بدايات جديدة.
وهذه هي ذروة المأساة الدرامية في هذه القصيدة وما بعدها يبدأ الهبوط، والتوضيح،
والاستنتاج وفك رمزية المقاول/ الشيطان الذي:
قال هذه فأسي وأنا المقاول فتعالوا معي.
وعندما غادر رأى الجميع كيف أن ذيله كان يقدح شررا على الحصى. وبهذه الجملة الوامضة
ختم سهيل نجم درامية قصيدته (حين أمشي تساقط جراحي)
لقد سعينا من خلال اشتغالنا على هذه القصيدة وقصائد النثر السابقة إلى توطيد
قناعتنا بحسن المجاورة بين قصيدة النثر والدراما آملين النجاح في مسعانا والتوفيق
في تحليلنا وتقديم ما يضيء هذا الحقل المعرفي من الشعر عامة وقصيدة النثر تحديداً.
أستراليا 2024
******
إشارات وإحالات:
ومن
الطريف أننا طرحنا هذا السؤال على الذكاء الصناعي فكان جوابه:
(نعم من الممكن استخدام شعر النثر في الدراما. يمكن تكييف الشعر النثري، بعناصره
السردية وإمكاناته للتعبير الدرامي، للأغراض الدرامية، مما يؤدي إلى طمس الخطوط
الفاصلة بين الشعر والمسرح).
وأضاف
الذكاء الصناعي أيضا:
(إن اندماج الشعر النثري والدراما يمكن أن يخلق تجربة مسرحية غنية وجذابة تجمع بين
الصفات الغنائية للشعر والطبيعة الديناميكية للأداء الحي.)
ولا
يفوتني التذكير أن الشاعر الأمريكي ت. س. إليوت كان قد عارض هذه المجاورة أول الأمر
لكنه سرعان ما تخلى عن هذا الرأي، ورأى فيها رؤية جديدة حتى أنه كتب قصائد متعدِّدة
نسبت إليها وهو القائل
بنبذها بسبب قربها من المذكرات والسيرة الذاتية، وكان لا يشعر بالارتياح من طبيعة
كونها جنساً أدبياً غير غنائي كما جرت العادة والتقليد.
الغراب والحمامة ص 9.
أطلس
امرأة برية ص 8.
عربة
الألم/ صحيفة العالم/ العدد 3360 التاريخ 8/ 4/ 2024
انتظريني
في مطلق اللحظة ص 93,
أحمد
رياد محبك قصيدة النثر ص107.
قصائد
لم يحوها ديوان لجواد الحطاب.
سهيل نجم فردوس أسود ص 24.
يقول الأستاذ شوقي عبد الأمير في مقدمته لكتاب القيثارة والقربان إن: (حالة
تراجيدية موجودة في النص الشعري العراقي منذ آلاف السنين ولا أدل على ذلك من ملحمة
الشعب ينوح "السومرية" وغيرها من نصوص المراث والبكائيات التي يحفل بها الشعر
السومري)
المصادر:
سوزان برنار، قصيدة النثر/ الهيئة العامة لقصور الثقافة/ مصر 1978.
د. أحمد زياد محبك/ قصيدة النثر/ اتحاد الكتاب العرب/ دمشق 2002.
مارغوريت. س. مورفي/
قصيدة النثر سماتها الخارجية والداخلية/ موقع إيلاف 2004.
ت. س. إليوت وقصيدة النثر موقع إيلاف2004.
جواد الحطاب/ المجاميع الشعرية.
صحيفة العالم/ العدد 3360
التاريخ/ 8/4/2024
مجلة الأقلام العدد 14 التاريخ حزيران 2023.
سهيل نجم/ فردوس أسود/ منشورات الجمل بيروت، بغداد 2015.
سهيل نجم/ القيثارة والقربان/ضفاف للنشر والتوزيع الشارقة، بغداد 2012.
أسامة فرحات/ المونولوج في الدراما والشعر/ الهيئة العامة للكتاب مصر 2014.