(الحروفي)

محاولة في نمذجة أنثولوجيا الشاعر

   يحظى بعض الأدباء والفنانين باهتمام نقدي، غير محدود، لغنى تجاربهم وتميز أساليبهم، وسعة أمدائهم، وحداثوية مشاريعهم. وقد تناول النقد تجاربهم تلك بالتحليل والتأويل والتفسير والتركيب والتفكيك والاستقراء والاستبطان والاستكناه والاستنتاج والبحث والدراسة والحفر في آثار تلك التجارب ومرجعياتها في فصول أو كتب جعلت وقفا على خصوصياتها وتفردها أو تميّزها من بين عشرات وربما مئات التجارب الأخرى. ويعد كتاب (الحروفي)(1)، الذي أعده وقدم له د. مقداد رحيم، واحداً من تلك الكتب التي سعت إلى أن تتضمن على أغلب إن لم نقل كل ما كتب عن التجربة الإبداعية لهذا المبدع، وفيه تضافرت  جهود ثلاث  وثلاثين ناقداً (2) تناول بعضهم ارتكاز تجربة الشاعر أديب كمال الدين على الحروفية التي صار يعرف بها ويتميز بتنويعاته عليها، فضلاً عن تناول بعضهم الآخر لموضوعات أساسية في تجربته أتاحت المزيد لمن يريد التعرف على الموجهات الفنية والفكرية في منجز أديب كمال الدين الشعري.

  إن كتاب الحروفي لم يكن الأول في مضمار جمع وتدوين وتوثيق ما كتب أو يكتب عن المبدع ومنجزه الإبداعي بطريقة توثيقية فلقد سبقته تجارب أخرى وستلحق به تجارب أخرى. ويظل المهم في هذا كله هو البحث عن كيفيات نمذجة هذه الطريقة لتصبح أكثر تكاملاً وغنى عما قدم لنا في النماذج السابقة. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل استطاع كتاب الحروفي أن ينمذج طريقته بإضافات جديدة؟

  لنبدأ بمقدمة د. مقداد رحيم وما قدمته لنا كمتلقين ومتابعين لتجربة الشاعر الإبداعية. لقد اختصرت المقدمة تناولها لتلك التجربة اختصاراً شديداً معتمدة على الإشارات السريعة التي ألقت من خلالها أضواء خاطفة على بعض تجلياتها. ففي الفقرة الأولى يقول د. مقداد رحيم ما يأتي:

 "هذه باقة من الجهود النقدية المهمة التي تضافرت لتشكّل خلاصة نقدية مثمرة طيبة الأكل، ولتكون أنموذجاً نقدياً يمكن أن يحتذى، فيصار إلى افتراع اتجاهات نقدية جديدة تأخذ على عاتقها بلورة الرؤى حول التجارب الإبداعية المائزة، ليس في مجال الشعر وحده، بل يمكن أن تعمم لتشمل الفنون الإبداعية كلها، كتابة ورسماً ونحتاً وسماعاً."

  وفي هذا إشارة واضحة إلى كون (الحروفي) أنموذجا يمكن أن يحتذى مع أنه مسبوق بنماذج من هذا القبيل لها من الأهمية، فنياً وتوثيقياً، ما للـ (الحروفي) بالضبط. إن جمع المقالات والدراسات في كتاب لا يشكل أنموذجاً يحتذى ما لم يضاف اليه ما يجعله متميزاً فعلاً. لقد وجدت، على صعيد الإعداد، في (الحروفي) أن المعد ابتدأ من المقالات التي كتبت عن آخر أعمال الشاعر معتمداً الترتيب التنازلي لمطبوعاته من الدواوين فجاء الفصل الثاني متضما على كل ما كتب عن ديوانه الأخير(ما قبل الحرف..ما بعد النقطة) الصادر عام 2006 وجاء بعده الفصل الثالث ليتناول فيه المعد ديوان (حاء) الصادر عام 2002 ثم ينتقل منه إلى الفصل الرابع والذي تناول فيه ديوان(النقطة) الصادر بطبعته الأولى عام 1999 وبهذه الطريقة التنازلية جاء ترتيب الفصول اللاحقة ترتيباً فوّت، على المتلقي، فرصة الإطلاع على تجربة الشاعر خطوة إثر خطوة ابتداء من أول الدواوين(4).

  في الفقرة الثانية من المقدمة يشير المعد إلى أن تجربة أديب كمال الدين "تتجلّى عبرها أصناف لا عد لها من المحن والكوارث التي ليس للبشر قبل بتحملها"، وهي إشارة دقيقة إلى تضمن التجربة على كل ما هو إنساني وبشري وعلى تفرّد أديب بوضعها ضمن تشخيصاته الحروفية المؤنسنة، وهذه وحدها تحتاج إلى دراسة واسعة لا يمكن أن يغامر بها المعد ضمن مساحة مختزلة جداً ولهذا نراه اكتفى بهذه الإشارة حسب.

  وفي الفقرة الثالثة يقول المعد عن تجليات التجربة أنها تجربة "فريدة ذات خصوصية تدل على الشاعر وحده، وتختص به دون سواه، وقد بدا وكأنه يعمل من أجلها بإخلاص وحب شديدين، منذ زمن ليس باليسير". وهذه أيضاً إشارة دقيقة كسابقتها وكلاحقتها التي اختصت بالقول أن خصوصيتها هي التي ولدت (التجربة الحروفية)"حتى أصبح لصفة(الحروفي) وقعها الخاص الذي يدل على الشاعر أديب كمال الدين وحده وحتى صار مناسباً أن تكون هذه الصفة عنواناً لهذا الكتاب" . بهذه الإشارات فقط جاءت المقدمة مقتضبة ومختصرة لتجربة تناولها النقاد، والدارسون، والباحثون بما يزيد على 350 صفحة(3) من (الحروفي). وإنصافا لكل ناقد من الذين ساهموا بتشكل هذا الكتاب التقط المعدُّ بعض ما جاء في مقالاتهم بجهد يدل على قراءته العميقة لكل مقالة منها واختياره لما يمثل جوهرها وفي الوقت الذي نثمن فيه هذا الجهد الرائع في القراءة والاختيار نشير إلى أنه لم يكن إلا جهداً انتقائياً حسب، وعملاً يمكن القيام به بسهولة لا تترك مجالاً لجعله من الكتب التي يحتذى بها في هذا المضمار.

  إن أهمية (الحروفي) تكمن في أنه استطاع أن يوفر لمتابعي شعر أديب كمال الدين فرصة الإطلاع على التنويعات النقدية  التي تناولت حروفية الشاعر على وفق رؤى نقدية مختلفة وإن تقاربت حيثيات المنهج النقدي بين هذا الناقد أو ذاك. وهنا أشير إلى تضافر جهود عدد من النقاد والشعراء والأدباء والكتاب الذين استهوتهم تجربة الشاعر محفزة في دخائلهم الرغبة في سبر أغواره أو الجنوح إلى تفسير حروفه أو الكشف عن المديات الإنسانية فيه فراداً، كل على وفق منهجه الخاص، بعيداً عن الموجهات المؤسساتية(الجمعيات والروابط) التي توجه العملية النقدية برمتها ليكون الجهد مثمراً عبر دراسات لا شك في أنها ستوفر للقارئ مساحات معرفية هو في أشد الحاجة اليها. وقد رأيت من باب الاستزادة أن أضع بين يدي القارئ بعض الاستنتاجات النقدية المستخلصة من تجربة أديب كمال الدين الحروفية والتي تضمنها الكتاب بشكل عام، ومنها:

 

1. قدرة الحرف على  التحول إلى أكثر من مسمى في نص واحد

2. عدم التزامه بخاصية التوحد الرمزية.

3. اشتقاقه من كلمة يكون جزءا منها.

4. طلسمته بحيث يكون تابعا لحرف أو متبوعا لآخر مثل طاء اللام ولام السين وسين الميم..الخ.

5. قدرته على خلق الإيهام.

6. صوفيته الشعرية

7. تشكيله مع النقطة لوحدة واحدة قوامها (الحرفنقطة) التي منها تتشكل القصيدة. فالـ(حرفنقطة) هي عالم القصيدة، والقصيدة هي عالم الـ(الحرفنقطة).

8. ذكوريته غير المتوازنة ،كدال مخصي، مع نقطة (أُنثذكرية) مهيمنة.

9. جدليته في الجيم والحاء فالنقطة هي الموت وبإزالتها من الجيم يتحول الحرف إلى حاء الحياة والحرية والحب، والحاء هنا استحالة رجعية عن فكرة الجيم التي واطنت الشاعر في فترة حرب الثمانينات.

10. تضمنه على معطى أيدلوجي يجعل العملية الشعرية مبطنة، شاعر يكتب حرفاً، وحرفاً يكشف معنى، وهذا بحد ذاته يعد إثراءًا شعرياً مؤطراً بالعديد من آليات  الاشتغال الشعري الحديث.

11. الحرف دلالة مفتوحة والنقطة علامة مكملة له.

12. الحرف هوية الشاعر والنقطة ذاته القلقة المانحة لحياته معنى، وهي عند أديب نقطتان: نقطة الحرف، ونقطة الدم، وكلتاهما تتسعان أحياناً وتتحدان أحياناً أخرى لتشكلا  معادلاً موضوعياً للشاعر نفسه.

 هذا فيما يخص الحروفية كتجربة شعرية وكمنجز إبداعي، أما ما يخص مقالات الكتاب، بشكل عام، فقد وضعت،بعد التدقيق فيها، الملاحظات الآتية:

1. سعت بعض مقالات الكتاب إلى التأكيد على موضوعة واحدة من الموضوعات الكثيرة التي تضمنها منجز الشاعر، وضغطها في عدد محدد من الصفحات مما يدل على نزوع أغلب النقاد إلى التكثيف والاختزال، وعزوفهم، في الوقت ذاته، عن الإطالة والاستفاضة والاستزادة مما جعلنا نقول بعدم وجود دراسات كبيرة للشعر إذا استثنينا الجانب ألتنظيري البحت.

2. ركزت بعض المقالات جهدها على تحليل قصيدة واحدة منتخبة من دواوين الشاعر فأعطتنا تفسيراً دقيقاً وتحليلاً وافياً، ولكنها في المقابل جعلتنا نخسر التعرف على الخواص العامة والعوامل المشتركة بين القصيدة، موضع الدراسة، وبين القصائد الأخرى.

3 .بعضها تناول ظاهرة ما في منجز أديب كمال الدين ولكنها لم تتوسع، بالقدر المطلوب في بيان تلك الظاهرة مكتفية ببضع أمثلة أشارت اليها ولم تتعمق في إثرائها.            

4. بعض المقالات حاولت البحث في سيكولوجية الحرف ولكنها انعطفت إلى المظاهر العامة، والإشادة والاحتفاء بالشعر والشاعر على حساب موضوعتها الأساسية.

5. حرص المعد على إدراج كل ما كتب عن تجربة الشاعر، ربما بدافع الترضية مما أدى إلى تقييد موجهاته لعملية الانتقاء المدروس باتجاه جعل الكتاب بالغ الأهمية من الناحية التقييمية، ومسؤولية هذا لا تقع على المعد وحده حسب، بل على خلو الساحة من الموجهات الجمعية للنقد العربي.

 

  كتاب (الحروفي) إذن يستمد أهميته من تناوله لتجربة رائدة في مجالها، ومتميزة في أدائها، وفريدة بين قريناتها، ويعدُّ من الناحية الفنية موجهاً ضرورياً لعمليات الإعداد التي يراد لها أن تكون بمستوى أفضل(أنثولوجياً)، وبشكل يلقى قبول ورضا جمهرة القراء والمتابعين والنقاد على اختلاف مشاربهم الثقافية والمعرفية.

 .................................................

(1) الحروفي: 33 ناقداً يكتبون عن تجربة أديب كمال الدين الشعرية إعداد وتقديم: د. مقداد رحيم - المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت2007 .

 

 (2) النقاد هم: أ.د. عبد العزيز المقالح، أ.د. عبد الإله الصائغ، أ. د. حاتم الصكر، د. ناظم عودة، د. حسن ناظم، أ.د مصطفى الكيلاني، أ.د عبد الواحد محمد، د. عدنان الظاهر، عبد الرزاق الربيعي، صباح الأنباري، علي الفواز، وديع العبيدي، عيسى حسن الياسري، خليل إبراهيم المشايخي، زهير الجبوري، د. محمود جابر عباس، صالح زامل حسين، هادي الربيعي، فيصل عبد الحسن، د. إسماعيل نوري الربيعي، نجاة العدواني، د. حسين سرمك حسن، رياض عبد الواحد، واثق الدايني، ريسان الخزعلي، د. محمد صابر عبيد، د. بشرى موسى صالح، عيسى الصباغ، عدنان الصائغ، يوسف الحيدري، ركن الدين يونس، معين جعفر محمد، ود. مقداد رحيم.

(3) الكتاب صدر ب368  صفحة من القطع الكبير. 

 

(4) دواوين الشاعر حسب ترتيبها الزمني:

تفاصيل 1976، ديوان1981، جيم1989، نون1993، أخبار المعنى1996، النقطة1999، حاء2002، ما قبل الحرف..ما بعد النقطة 2006

 ************************ 

أستراليا / أديلايد

2008