أسئلة أمير الحلاج.. من النقطة إلى الدائرة

  منذ ديوانه الأول "مواجيد الحلاج" مرورا بـ " نقطة فوق هامش التوضيح" وهاجس الشعر ينبض في دخيلته ويستبيحها مثل كومة أسلاك شائكة تدمي روحه التواقة الى الظفر بسمو القصائد. ومنذ ديوانه الأول حاول أمير الحلاج، ولا يزال، الغور في أعمق أعماق أشيائها النابضة ليحايثها ويستقرئ خاماتها وينطلق بها الى عالمه الخاص لتنطلق به ،من هناك، عبر مساراته الفلسفية، ماسكة بزمام حضور الشعر وماثلة بين يدي المتلقي ذي الخبرة والدربة والدراية بعقد مسالك قصيدة النثر وتجلياتها.

  لقد أراد الحلاج في مجموعته الشعرية الثالثة " من النقطة الى الدائرة " أن يثبت شهادته كإنسان ،وموقفه كراء، ومعاناته كشاعر عبر سبع عشرة قصيدة طرح من خلالها أسئلة لا تعنى بإجاباتها لأنها تؤكد ضمنا، على تلك الإجابات، ففي مجموعة شعرية صغيرة كمجموعته "من النقطة الى الدائرة" طرح ما يزيد على العشرين سؤالا هي في مجموعها تؤكد على حالة معروفة لديه، ولكنه من خلالها يريد بيان موقفه ويسعى الى ان يتخذ المتلقي الموقف نفسه لانهما، معا، يعرفان حيثياتها وافتراضاتها. ففي قصيدة "هاتف في افتراضات" على سبيل المثال لا الحصر يطرح أسئلة تصب في المهاتفة المفترضة:

       ما بالهم يرفض الصوت غزو أسماعهم؟.

       هل هم خارجون؟.

       هل كمموه صدا لمعاكسة طرأت ضد سيرة الذوق؟.

       أم مارسوا الصوم نطقا؟_ص45).

       ما بال هاتفكم يأنف الرد؟(ص46).

لقد جاءت هذه الأسئلة بعد طول انتظار ذبذبة الهاتف، وبعد ان تشظى الهاتف وهو ينتظر "كالسطور المهشم اللحم لأمل الصدفة" وطلبا للتوازي "في اتصال المتهاتفين". وجاءت لتؤكد، أو هكذا يبدو، ان الحلاج انتهج الاستفهام طريقا مؤدية الى الحياة اليومية بملابساتها وتعقدها وانغلاقها وتفشيها بين جمهرة واسعة من المعذبين والمحرومين والمنكوبين والجياع. ولكننا نكشف بعد تفكيك الأسئلة وتركيبها انها إجابات عفوية اغلب الأحيان لا تؤدي غرضا منهجيا قدر ما ترضي في نفس الشاعر توقه لتوكيدها في نفس المتلقي. لقد خسر الشاعر أداة حضارية مهمة، تديم اتصاله بالآخرين، ولكنه في الوقت نفسه يلقي بافتراضاته التشكيكية حول سبب تلك الخسارة على هيئة افتراضات حسب:

"ربما قطعوا الخط منتظرين اكتمال قيمة الفاتورة السابقة

ربما الجرس عاطل

ربما السلك، لشد حملها قطعته شاحنة عابرة" ( ص46).

من خلال هذا كله يريد الحلاج ان يقدم تجربة يزاوج فيها بين وضوح العبارة وسلاسة التعبير ولين الكلمة من جهة، وبين التباس المعنى وتعقد الجملة وغموض المغزى من جهة أخرى، وكأني به يريد من المتلقي الدخول الى عالم القصائد من مدخلين يفضي احدهما الى الآخر لتنجلي للجميع رؤياه على الرغم من قتامة الصورة الشعرية وتشوشها أحيانا وتناوله لها من الخارج:

1- بمناداتها     :   يا دخان الأبراج/ يا مضخة بئر الرئتين.

2- التعجب منها :  يا لبون المسافة/ يا لهذا الشارع بل يا لهذه الشوارع.

3- الاستعانة بها:  يا لجسارة الانفراد في الحيز المكشوف/ يا لجناية موسيقى

                   الأمواج على سلم سيرتي.                   

4- ان ما بين القصيدة الأولى والقصيدة الأخيرة لهذه المجموعة مسافة من القصائد كان ينبغي ان يحسن الحلاج اختيارها بما يخدم فكرته المطروحة خارج المتن (النقطة و الدائرة) وبما يعزز فهمه وفلسفته، داخل المتن، بعد ان جعل لكل منهما موضوعة ودلالة وعالما خاصا. إن فكرة القصيدة الأخيرة تتناقض مع فكرة القصيدة الأولى وتتعاكس معا أيضا. ففيها ،على وفق منظورنا النقدي، يظل المهاتف نقطة صغيرة متواضعة لا تستحوذ على موجودات الدائرة، ولا يمكنها ذلك خارجها وتأتي القطيعة بينهما مفتعلة ومقصودة لتؤكد عزلة النقطة وعجزها حتى وان كانت تلك النقطة مركز الدائرة.

في القصيدة الأولى "نقطة ودائرة" التي ابتدأ الحلاج رؤياه الجديدة منها واليها انتهى ينظر الى النقطة على انها كائن صغير فضاؤه الدائرة التي تستحوذ على كل شيء داخلها وتطمح الى الاستحواذ على كل شيء خارجها. النقطة كائن بائس ضئيل منحته الأشياء ما يريد، فراح يلمس الثريا" إن لمس الثريا أقصى حلمي" ويتحول بإرادته هو الى ملاك " اسرافيل" يسوق الغيوم ويمطرها أنى شاء ورغب.

النقطة تتسع لتشتمل على الدائرة كلها والدائرة كرة أرضية واستدارات فضائية تمنحها قوة ان تتأله و تقود المصائر الى حتوفها ومن لا ينحني تقديسا لها فان مصيره ان يشرب بدلا من الماء الحامض الكيميائي المتقطر من معوجة التحضير. بين النقطة والدائرة مساحة شاسعة وحوار طويل جدا وعميق جدا ومهم لكن الشاعر يختصره ويكتفي في قصيدة قصيرة في حجمها، طويلة في مسيرة توغلها نحو المغزى. ان طموح الكائن الصغير وتجليه وهيمنته على مدار الأشياء وتسلطه عليها لم يكن إلا تصفية الحساب وقلب الموازين وتحول النقطة المنكفئة على نفسها والمحاصرة بركام هائل من الحيوات الى دائرة هائلة تسحق ما في داخلها وتصبوا الى تحويل ما في خارجها الى دمى آلية ليس إلا.

في القصيدة الأخيرة لا تستطيع النقطة ،لأسباب إنسانية نبيلة، ان تتبع مسارات أفعال القصيدة الأولى. لذا فان كل ما سيتبعها سيحدث بشكل أو بآخر، داخل محيط الدائرة التي ينفلت الشاعر منها ممسكا بحرية ،ومتشبثا بانعتاقه ومحاولا تحريض كائناته لتحذو حذوه مهدمة أو مخترقة كل الأسوار التي ضربت حولها قسرا.

ان النظام ،هنا، تفرضه سلطة النقطة على الدائرة، الفرد على المجموعة ،الجزء على الكل، وان قوانين النقطة التي يسوغ انفلاتها من مركز الدائرة تمنحها فرصة الاستحواذ والتملك وبسط النفوذ، عبر هذه الرؤيا المعقدة يحاول أمير الحلاج طرح موقفه ومفهومه وتجربته من خلال قصائد بعضها غامض بجمل معقدة مركبة من قصيدة "مضخة" (ص11)، و" موجة" (ص17)، و"ظمأ"(ص21) وبعضها سهل بعبارات سلسلة مفتوحة غير منغلقة على معانيها مثل قصيدة " اتصال هاتفي" (ص31) و" انكسار" (ص40) و" حاسة" (ص43) و" هاتف في افتراضات ( ص45).

والحلاج في الحالتين يستبعد عن قصائده التطريب والجرس وليونة الكلمات وخفتها وخفرها، وإذا كان قد حافظ على الوزن في مجموعته الأولى " مواجيد الحلاج لعام 1989" بنظام التفعيلة، فقد هجره في مجموعتيه الأخيرتين تماما، ربما لأنه صار ينظر الى مواجيده نظرة حلاجية جديدة ومختلفة.

 1- أمير الحلاج: شاعر عراقي ولد في محافظة ديالى سنة 1969، له " مواجيد الحلاج" 1989 و " نقطة فوق هامش التوضيح" 1997 و" من النقطة الى الدائرة" 2000 له مخطوطة لقصائد نثر " عذراء خارج الشرنقة". عضو اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين- دبلوم علوم صيدلة.

2- صباح الانباري: ناقد وكاتب مسرحي و مخرج، عضو نقابة الفنانين  ، عضو اتحادي الأدباء والكتاب العراقيين والعرب.

 

نشرت في :

صحيفة العرب العالمية الصادرة في لندن بتاريخ   29/ 9/2000 .