كتاب الصوامت

بقلم المحرر

 

     يجهد الناقد المسرحي صباح الأنباري في كتاب الصوامت الصادر حديثاً عن دار التكوين في دمشق من أجل وضع أسس لما سماه المسرح الصامت باعتباره جنساً أدبياً قابلاً للقراءة كنص أدبي من على الورق إضافة إلى قدرته على أن يكون عرضاً درامياً على الخشبة مبيناً الفرق بين هذا النوع من المسرح وبين البانتومايم كجنس مسرحي مستقل بذاته.

ويبين الأنباري أن ما سماها الصوامت تستند إلى مجموعة من الأسس أولها الاشتغال على التشكيل الصوري واعتماده كأداة من أدواتها الأساسية فالصورة بحسب الناقد العراقي تحتاج إلى فعل والفعل إلى حركة تتأسس على هدف ومبرر وهنا يتشكل المعنى المحدد عبر تقارب الصور وتعاقبها وتساوقها وتداخلها.

أما الأساس الثاني للصوامت فهو تضمنها قصة أو حكاية والاستفادة من عناصرها الدرامية وأسلوبها في كتابة النص المسرحي أو تحقيقه كعرض ولاسيما أن المسرح الصامت كما يراه الأنباري هو مزاوجة بين القصة كأدب والمسرحية كفن مع اعتماده على خطة إخراجية مرنة ممكنة التنفيذ على الورق والخشبة في آن معاً وعدم انغلاقها على مخططها الإخراجي بل انفتاحها على الرؤى الإخراجية المختلفة.

ويتجلى الأساس الثالث للمسرح الصامت بمخاطبته العالم من خلال الإيماءة والإشارة والحركة كلغة كونية أقدر على البوح وأبلغ في التعبير عن خفايا الذات وإرهاصاتها ومعاناتها ومفارقاتها وأمثل في تمثل حالات الحلم والأفكار والطقوس المميزة.

ويقول الناقد السوري عبد الفتاح رواس قلعة جي في مقدمة الكتاب إن المسرح الصامت ليس بدعة وإنما مؤسس على سابق له هو البانتومايم ولكن هذا يشكل على الأغلب حالة مسرحية فردية بمعنى أنه بمثابة المونودراما في مسرح الكلام أما المسرح الصامت الذي يقدمه الأنباري من خلال نصوصه التطبيقية أو توصيفه النظري فهو مسرح جماعي شأن المسرح الجماعي في مسرح الكلام يشترك فيه ما يقتضي العرض من الممثلين ويسند فيه التعبير ليس إلى المسرد الكلامي الملفوظ وإنما إلى المسرد الحركي وما يتبعه من تشكيلات وتكوينات جسدية فردية أو جماعية أو حركة مجموعات فهو مسرح بصري يضج بالكلام لكن من غير كلام.

ويضيف قلعة جي.. مثل هذا التقاطع والافتراق بين المسرحين الصامت والبانتومايم نجده أيضاً بين المسرح الصامت وبين المسرح الحركي والراقص فهو يستفيد منهما ويفترق عنهما وبالرغم من أن استخدام الجسد كلغة موازية أو بديلة والتشكيل به والتعبير بوساطته يجمع بين الأنواع الثلاثة إلا أن الأولوية في المسرح الصامت ليس لاستعراض جماليات الجسد واستنطاقه وإنما للموضوع الذي تقدمه قصة المسرحية أو فكرتها أو لوحاتها والتي يكون حاملها على الخشبة مجموعة الممثلين من خلال ميزانسين عام إضافة إلى دعم عناصر العرض الأخرى من ديكور وإضاءة وموسيقا ومؤثرات صوتية.. ويبني الأنباري نصوصه التي تضمنها فصل المسرحيات الصوامت على قصة أو حكاية تراثية مثلما فعل في نص عندما يرقص الأطفال حيث يقدم أحداثاً من ملحمة جلجامش مضيفاً إلى بعض شخصياتها الأسطورية شخصيات أخرى وأطفالاً يشاركون في صنع الحدث لتصبح كوميديا خفيفة يجد فيها الطفل نفسه مشاركا ومستمتعا أو كما فعل في نص حدث منذ الأزل الزاخر بالحركة والأحداث المتعاقبة منذ آدم وحواء والصراع المستمر بعدهما على السلطة والتملك ودور المرأة في هذا الوجود الدموي والنزاع بين الخير والشر وبين القبح والجمال.

كما يقارب الناقد المسرحي العراقي بعض أفكار نصوصه من بيئته العراقية وتراثها من مثل متوالية الدم الصماء التي يعري فيها الحاكم الطاغية عبر فضح العلاقة بين كهنة بألبستهم السومرية وكهنة جدد يهبطون من مركبة فضائية ليمثلوا قوى الطغيان العالمي.

وأحياناً يبني الأنباري عمله على شخصية محورية لها قيمتها الإبداعية والإنسانية كما في مسرحيته تجليات في ملكوت الموسيقا وهي دراما موسيقية تجسد حياة الموسيقار العالمي بيتهوفن مستفيداً من العناصر الدرامية في سيرة هذا المبدع النمساوي محققاً مزاوجة بين القصة كأدب والمسرحية كفن.

أما مسرحيته الهديل الذي بدد صمت اليمامة فتحكي قصة امرأة تعاني من الوحدة بعد أن غاب حبيبها وزوجها بسبب فتنة الحرب الأهلية ويبرز من خلالها الأنباري امتزاج الجمال الأنثوي المتمثل بتلك المرأة اليمامة مع الحزن.. واختلاط دفء البيت مع برودة العزلة والسجن التي دلت عليها المشابك التي تسقط من أعلى المسرح مضيقة الخناق على تلك المرأة.

كما يتضمن الكتاب الذي جاء في 287 صفحة من القطع الكبير فصلاً بعنوان "تجربة الصوامت في مرايا النقد المسرحي" تضمنت خمس عشرة دراسة نقدية حول هذا الفن من مختلف الجوانب نذكر منها "قراءة صائتة لطقوس صامتة" التي قدمها إبراهيم الخياط.. و"رموز الصمت الصارخ" لـمشتاق عبد الهادي.. "خطاب الصمت" التي كتبها بلاسم الضاحي.. و"دعوة إلى الرؤية بالأذن" للكاتب الراحل محي الدين زنكنه.

إصدارات ثقافية

2012-12-06