البناء الدرامي في مسرح محي الدين زنكنه

قراءة .. وملاحظات

د. فاضل عبود التميمي

         صدر عن دار الشؤون الثقافية الكتاب الجديد  للأديب والمخرج المسرحي صباح الانباري الموسوم بـ(البناء  الدرامي في مسرح محيي الدين زنكنه) وقبل البدء في الحديث عن الكتاب لابد من الإشارة إلى  سمة الملازمة بين الكاتب صباح الانباري والمسرحي محيي الدين زنكنه حتى انك تستطيع أن تقول : (إذا أردت أن تعرف محيي الدين زنكنه عليك أن تعرف صباح الانباري) هذه الملازمة أعطت للاثنين فهما مشتركا لظواهر الفن المسرحي وقدرة عالية على استيعاب الحياة،وقراءة واعية للماضي بعيدا عن التخبط ، ولي أعناق العبارات والتفسير المحتمل للأشياء .. وكيف لا يكون هذا و الانباري نفسه كاتب مسرحي ومخرج طليعي شهدت له خشبات المسرح  في (بعقوبه) بغداد .

 أعود إلى الكتاب فأقول : انه من الكتب المهمة الصادرة في عام ( 2002 ) وتأتي أهميته من أهمية المسرح بوصفه أدبا وسلوكا ثقافيا جماهيريا،وفنا يتربع على عرش الفنون الجميلة مضت على ولادته قرون وحقب ليست بالقليلة.وفضيلة الكاتب ليست في تناوله مجموعة من أعمال     مسرحية الكاتب واحد،وانما في شجاعته وقدرته على التفسير،والتحليل،والتأويل بعيدا عما هو مجاني و مجانب للصدق والحقيقة.

        الكتاب متميز في أسلوبه ومعالجته،ولعل سبب تميزه أن كاتبه الانباري كان مشاهدا واعيا لمسرح محيي الدين زنكنه بل هو قارئ جيد له فضلا عن إخراجه قسما من مسرحيات زنكنه،لهذه الأسباب ولغيرها صار نقد الانباري لزنكنه علامة فارقة في زمن شح فيه النقد الأصيل،وغلبت على خطابه ضرورات المجاملة،والفن المريض.

ينهض كتاب الانباري بعنوان دال متميز (البناء الدرامي في..) و لعل هذا العنوان يحيل القارئ    لان يسأل ما البناء؟ و ما أسسه في المسرح؟ و هل درس الانباري_حقا_بناء المسرح عند واحد    من أعمدته المهمة في الوطن العربي؟

          البناء مصطلح عام دخل الدرس النقدي الحديث،وهذا واضح  في عناوين عديد من الكتب و الدراسات التي تناولت الشعروالنثر،والتي وسمت ببناء القصيدة،أو بناء مقدمة القصيدة، أو البناء الفني في الرواية وغيرها .

          أما في المسرح ففي حدود علمي اليسير لم اقرأ عنوانا يشير إلى البناء المسرحي أو الدرامي إلا في عنوان كتاب الانباري هذا الذي يمكن تحليل رؤيته النصية إلى (بناء) و (دراما)..

           أما البناء في اللغة فهو نقيض الهدم،وهو كما تشير معجميات اللغة:الإنشاء..و البناء: الهيكل الثابت للشيء..

           و قد ورد بمعنى الإبداع الفني عند ابن قتيبة في(الشعر و الشعراء) عندما تحدث عن قول شعر المديح و الهجاء و لعل ابن طباطبا العلوي كان واضحا عندما قال: (إذا أراد الشاعر بناء قصيدة) أي إبداع قصيدة و بهذه الدلالة تعامل الآمدي، و الحاتمي مع المصطلح حتى قيض له ان ينهض ثانية بمحموله الفكري والنقدي في العصر الحديث على يد مجموعة من النقاد و الدارسين .

          أما الدراما،أو الدرامي فان المصطلح لا يحتاج إلى عناء فكر في تفسيره،وتحليله بعد ان تعامل الجميع معه تعاملا يوميا أعود إلى السؤال المهم: هل درس الانباري البناء الدرامي في مسرح محيي الدين زنكنه،أم ماذا؟ لم يحدد الكاتب لنا الانباري رؤيته الواضحة لمصطلح البناء،ولم يحدد لنا بالقول الفصل أسس ذلك البناء،وارتضى لنفسه ان يقدم لنا قراءة نقدية لمجموعة متميزة من مسرحيات محيي الدين و كان الكتاب في مجمله دراسات في مسرح محيي الدين زنكنه و هذا ما كنت أتمنى ان يكون عنوانه، فمحتوى الكتاب يشير صراحة إلى ما سبق التنويه إليه،وكذلك المضمون الذي بدا بعيدا عن فكرة تقسيم البناء إلى أسس،أو انساق، و لقد كان الكاتب صادقا مع نفسه عندما وصف كتابه في المقدمة بأنه (مجموعة دراسات و مقالات) ص5 .

           و إذا كان الكتاب ما يقول عنوانه متخصصا بالبناء الدرامي في مسرح محيي الدين   زنكنه،أقول إذا كان الكتاب هكذا ما دخل السيرة، سيرة المسرحي زنكنه بالبناء،وهل من  المعقول ان يتعمد الكاتب إلى الإشارة إليها اكثر من مرة؟ و هذا ما وجدته في ص7، ثم أين   التوثيق، و الإحالات إلى المراجع في ص8؟ و ما علاقة الحوار بالسيرة، سيرة زنكنه؟ ينظر ص13 .

       لقد وجدت الكاتب يخلط خلطا واضحا بين سيرة الكاتب و فنه، ينظر ص19.وعندما تحدث الأستاذ صباح الانباري في الصفحة (21) عن عناية النقاد و الدارسين بمسرح محيي الدين زنكنه نسي ان جامعة ديالى ممثلة بكلية التربية فيها اعتمدت مسرحية (رؤيا الملك) موضوعا للتحليل الأدبي في قسم اللغة العربية،المرحلة الرابعة في السنة الدراسية (1999_2000) و ان القسم المذكور عقد ندوة أدبية عن زنكنه و مسرحه حضرها الكاتب نفسه و جمع من أدباء محافظة ديالى .

           في الصفحة (27) يذكر المؤلف الكريم ان مدينة أريحا في الأردن لا ادري كيف فاته هذا و هو المثقف العارف في شتى العلوم و الفنون..

           في ص31 الهامش رقم (1) سبق للمؤلف ان نوه إلى ان مسرحية (الجراد) نالت جائزة معينة في المقدمة، فالإشارة هنا تعد فضلة في مكانها، ففي ص95 وقف المؤلف امام عبارة: (الزنوج البيض) فسماها (مزاوجة) و (نشازا لونيا) و الحق ان عبارة الزنوج البيض تحيل إلى (المفارقة) التي عادة ما تكون سياقا لغويا مقتصدا في عبارته يهدف إلى صدم المتلقي لتجاوز الدلالة الأولى للنص إلى الدلالة الثانية المقصودة بهدف إظهار جملة من الغايات منها: السخرية، أو التهكم،أو إظهار حالات السوء .

           و وجدت الكاتب يستعمل لفظة التالي أو التالية بمعنى الآتي و هو لا يدري ان التالي هو الأخير،والصحيح الفصيح ان يقول آلاتي:

           في ص119 يقدم الانباري ببليوغرافيا الكاتب محيي الدين زنكنه وهي _الببليوغرافيا_ على أهميتها و دقتها ليس لها علاقة واضحة بمصطلح البناء الدرامي الذي قام عليه الكتاب. وبعد، فقد بلغ الكاتب الذروة في الصفحة (105) و كان قبل هذه الصفحة قد حلل وأول وعلل معتمدا على ثقافته و قراءته النصية لمسرحيات زنكنه،ولك ان تقرأ بإعجاب كبير الصفحات91، 92 ، 93 ،فانك واجد كاتبا همـه الارتقاء بالنص المنقود و ليس الاتكاء على مقترباته الفكرية،ودلالاته النفسية..

           ان ما قدمه الانباري في (البناء الدرامي في مسرح محيي الدين زنكنه) عمل يستحق القراءة و الإعجاب و التقدير  .

 نشرت في:

           - صحيفة الانباء ـ العدد 7 ـ التأريخ 28/9/2003 ديالى