ليلة انفلاق الزمن.. لـ(( صباح  الانباري))

النبؤة..الينابيع ..الرمز

تحسين كرمياني

         تتجلى براعة الكاتب من خلال جملة خصائص ، تبرزها نصوصه ، قوة الخطاب ، غائية النص ، ساحرية  الأسلوب ، درجة التأثير في بنية المجتمع ، إذ يمكننا الاستدلال بـ "اللصوص" رائعة " شيلر" لنرى مدى تأثير المسرح في بناء الإنسان ، وتكفينا هذه الجملة/ القانون لم يخلق إنسانا عظيما أبدا ، بل إن الحرية هي التي تخلق العمالقة والأبطال . هذه المسرحية دفعت " كولن ولسون " ليصرخ/ أربعة كتب غيرت مجرى التاريخ اكثر مما أثرت فيه غرف التعذيب لمحاكم التفتيش او جيوش فردريك الكبير/ هذه الكتب هي/ اللصوص  لـ "شيلر"،آلام فيرترلـ"غوته" باميلا لـ "رجاردسن" ، ايلويز الجديدة لـ" روسو"/ ولكي نحقق الموازنة ولا نتخذ رأي كاتب نفساني أحدث ما أحدث من غليان ثقافي لسنوات طوال كرأسمال ما لم نضع في الطرف المقابل أنموذجا أخر من شرائح المجتمع نستشهد بقول عسكري الماني يوم قال " لنيتشه"/ لوعلم الله ان "شيلر" سيكتب "اللصوص"  لما خلق العالم/ ، هذه هي  تأثيرات المسرح في تحزيم الأفكار وتبئيرها في جو لا يسوده اظطراب بل يدفع بالإنسان لقراءة ما حوله والبحث عن مكان يليق به بعد استنطاق أغواره واستشراق حدود الرؤيا المتفاعلة فيه فالمسرح رسالة توجيه لتقويم السلوك وبيان مسالك الاخفاقات   والنجاحات بالإمكان تطعيم النص المسرحي وإثراؤه لثقافات تبني شخصية المتلقي وترفده  بطاقات أمل كلما تفاعلت الأزمات الحياتية، لو استقرانا المسرح العراقي نجده حافلا بنصوص خلاقة وأسماء كبيرة من كتاب ومخرجين ، لقد كان المسرح الجهة الوحيدة التي وفرت مناخات لقول الحقيقة واختراق الحجب الملغومة ونجد ان الطرف المتفاعل،الجمهو،كان حاظرا وبقوة ويمكننا إحالة هذه القضية لوجود أواصر لا مرئية تدفع الإنسان أن يجد محافل الحرية وتمرير الأقوال والتي هي لسان حال المجتمع في ظل القمع والتهميش واستلاب الحقوق فالمسرح العراقي رغم محاولات طمسه أو تسييسه أو رفض إجادة الأعمال الجادة للعمل تمكن أن يخترق وينتشر عبر نصوص عالمية تم تعريفها وتحميلها لسان حال الواقع ربما هناك أسئلة كثار حول عدم ترويج أو تشير هذا الجنس خارج حدود البلاد كسلعة تضيء أصالة هذا الفن وعراقته كونه ينحدر من تراث معرفي حضاري هذه الأسئلة أجوبتها واضحة الكاتب يكتب ، له وسائل تعبيرية مطواعة يعرف كيف يعجن الأساليب ويجعلها حاضنات أفكاره وتوليدها ، هل يمكننا إنتاج شكسبير عراقي،لم لا هناك أسماء ترفد الحياة بنصوص لا تقل جودة عن مثيلاتها في مناحي العالم.

 

      لا بد ان نلقي اللوم في سلة المخرجين، فالمخرج مروج نصوص اكثر مما هو يمارس عمله الخلاق، وهو الضلع القائم بين اعمدة الخيمة، فهو يرسخ النص ويدفعه صوب الاجيال اللاحقة، كون "عصا" الشهرة بيده، وهو أيضا المشعل التنويري الذي يستقطب الباحثين عن الضوء، هناك فراغات ظلت تمرر الرياح القادمة  للتلويث والتدمي،هذه الفراغات كان بالإمكان أشغالها لو تم إنتاج مسرحيات قالت كل شئ في وضح النهار،أو تلك التي توفرت فيها عناصر الخلود،هذه الفراغات سمحت للأذواق أن تنجرف صوب التهريج الغجري وبالتالي خمد العقل تحت شهوة الادلجة و إحراق أوراق الزمن كي لا يفتح الإنسان عينيه على ما يجري أو يستشرف ما سوف يجري، لعمري كان ذلك في صالح السلطة، ثمة جهود لا ينكرها أحد كون البعض التجأ لوسائل غير مباشرة،اختاروا نصوص عالمية وحملوها أفكارهم كي يكونوا في قلب الحدث او عدم الرضوخ لموجهات السلطة،وكم من مسرحي في مرحلة الدراسة تعرض لضغوطات و مطاردات لسبب اختياره لنصوص لا تنسجم مع واقع حال البلد، ولسنا بصدد ذكرها، عسى البعض ان يخرج من صمته أو يحاول تدوين تلك الحصارات اللاذعة في قوادم الأيام. ها هو المسرح توفرت له أجواء الحرية وانزاحت عيون الوشاة من فوق الكراسي، آن الأوان ان تقوم المؤسسات المختصة بالمسرح بالتحرك قبل فوات الأوان لتحرير"انطولوجيا المسرح العراقي خلال قرن" كي  تتم إعادة المسرحيات الى خانة الواقع و جعلها زادا لقوادم الأجيال .

                                                                                                                                      هناك مسرحيات تستحق الخلود كونها حملت رؤى و أفكارا،أليس هذا المشروع إضاءة حضارية تخلق روحا متفاعلة تضاهي ما تقوم بها الأمم الأخرى، اكتب هذه المقدمة قبل الخوض في " ليلة انفلاق الزمن" للكاتب المثابر والمجدد " صباح الانباري" ثلاث مسرحيات تشكل معا احتفالية الزمن،كون الزمن يعرف بـ/ماضي..حاضر..مستقبل/والمستقبل يمكن إخضاعه تحت مجهر التنبؤات،قد لا يدرك الكاتب في كثير من الأحايين الأطر الخارجية لنصوصه وهذا شئ متعارف عليه كون الكاتب خطط لشئ ما، كأن تكون فكرة ينضجها في ذهنه قبل تحريرها، لكن ثمة فروضات تقتحم مخيلة الكاتب وتجد لنفسها أماكن قد تغير الكثير من الأشياء ففي هذه المسرحيات ثمة لعبة فنية وقد تكون صرخة ان جاز التأويل، نجد في المسرحية التي حملت عنوان الغلاف "ليلة انفلاق الزمن" اشتغالا بارعا كونه سحب المستقبل وجعله جثة على المسرح الراهن وقام باستنباط ما سوف يجري هذه المسرحية حملت إدانة واضحة. كون الكاتب مرر رؤيته واعطى رأيه بان المستقبل سيكون افضل من الحاضر، سلطة قمعية قررت إلغاء دور المثقف وتحجيم دور المبدعين، فالزمن المؤهل لقيام "قصر اشنونا للثقافة" كان (2022) وهو الزمن المتوقع بعد زوال دولة الكابوس، وانشغال السلطة الحاضرة بإزالة الألغام وتنظيف الشارع من الأوساخ لتهيئة الأجواء الملائمة لاقامة دولة القانون كي ينال كل فرد مكانه واستحقاقه. يلتقط الكاتب أسماء شخصيات فاعلة وحاضرة كونها طبقة تعمل وتحفر في جسد الحياة ما تؤرقها من جماليات و افكار، (محي الدين زنكنه) ، (صباح الانباري) ، (منير العبيدي) ، (لميعه الناشئ) ، (مجيد مبارك) ، (عادل كوركيس)، أسماء معروفة لا تخرج من فلك الثقافة، لها حضورها و حفرياتها، لا أحد يعيرهم اهتماما،  طالما نأوا عن مستنقع السلطة، هؤلاء ينهضهم (صباح الانباري) في زمن يأت خارج قبضة العصابات الدموية يسوقهم في نص مسرحي لافت للنظر، يمازج الخيال العقلاني بالواقعي، ليجدوا أنفسهم وسط جماهير زحفت من اجل تتويجهم، ميزة (الانباري) في مسرحياته، تشكيل خطاب متداخل، متراكب. يشرك الجمهور في تكملة فقرات النص، وهذه الحالة هي صحوة وخلق، فالمسرح لم يعد تحريك أجساد لتردد أفكار المخرج، بات يشكل انسجام الرؤى و تلاقح الأفكار داخل قاعة العرض لفتح مجالات للتأويل والمدارسة، في مسرحية "عندما يرقص الأطفال" نجد أن الكاتب يشتغل عكس "ليلة انفلاق الزمن" بعد أن سحب المستقبل في النص الأول إلى مسرح الحاضر، عمل هذه المرة بسحب الماضي إلى الحاضر، يحاول تقديم قراءة جديدة و واعية لينابيع الفكر الإنساني الأول، وهي محاولة ممكنة لقراءة أو صياغة نشيد معاصر استنادا على مرجعيات حضارية، فـ(كلكامش وانكيدو) هذا الثنائي الأعجوبة ما زالا يحيران الكتاب و يوفران فرص أخرى لسبر أغوارهما ويبقى "خمبابا" الكابوس الحاضر ولو بشكل مغاير يحاول خنق الحياة أو يسد أبواب الولوج الى حدائق الأسرار الكبرى، قد نتساءل.. ما الذي يريده (الانباري) من هذا النص وهو يقدمه للأطفال بلغة شاعرية، غنائية، يمكننا أن نخلق معادلة من خلال النص، فالحضارة مهد الحياة والطفولة مهد الانسانية، جراء خلط هذين الخطين يمكننا إنتاج   لونا يحافظ على نصاعة الحياة ودفعها صوب الأفق السليم، فالشر كما يؤكد الكاتب لا يهزم ما لم تتضافرالجهود وتتعاضد الطاقات. أما المسرحية الثالثة "متوالية الدم الثانية"،نجد هذه المرة يلتجأ الكاتب للقناع لتغليف نصه كونه يعالج الراهن بكل تجلياته، "نص" صريح، لا يحتاج إلى دليل للوصول إلى غائيته،فالنص قراءة حساسة لتأريخ البلد، يختار هذه المرة "قمقم" السلطة ليقدم أصحاب السيادة دمى تتحرك و تتخبط في وحشيتها، فالرجال الأربعة مثلوا الرؤوس الأربعة الأخيرة والتي تعاقبت على كرسي السلطة، وصولا إلى حالة الفظاعة والبشاعة والتي انتهت بآخر المبتكرات الحديثة لجعل البشر بيادق تتحرك بإشارة واحدة ولا تخالف الأوامر فـ "المخترع" يساوي "المؤسس" والمسرحية يقيمها الكاتب في جو من الخيال العلمي، "جناح التجارب والبحوث" "شعبة الدماغيات" ..يقول "المخترع"/ بالإمكان نقل أي عقلية إلى الآخرين، كيف سنفرض أو بالأحرى كيف نقنع الآخرين بقبول فكرة التحول إلى المجتمع الجديد الموحد عقليا،.. هذا الخطاب لا يمكن قوله كونه واضحا ومستلا من واقع حال البلد، انه خطاب شمولي، ديماغوجي، لا يطلقه إلا أصحاب نظرية ادلجة الإنسان وتجريده من استحقاقاته العقلية من رغبات وشهوات وتطلعات. والقارئ و المشاهد لا بد وان يعرف  من اللحظة الأولى، ماذا يجري وما سيجري في المشاهد اللاحقة، كونه عاصر واكتوى بالنيران، فقط يجلس ليرى شريط ماضيه دفعة واحدة، "الاستاذ4"،آخر الزعماء له نفس الحوارات نفس التصرف، نفس الرؤية في (ص153) يقول: أيها المخترع لقد قمت بعمل عظيم وإنجاز رائع، لقد قدمت لنا خدمة لن ننساها لك ابد الدهر، وقدمت لي الراحة والطمأنينة وصفاء البال،وفي ذات الصفحة يقول ايضا، نعم أنت افضل مخترع أنجبه التأريخ، هذه مقاربة لن تفترق ولو بشائبة عن الذي جرى في بلادنا. فـ (الدكتاتور) لكم أطلق بوقه ليمجد مؤسس نظريته،أليس الذي فعله لتخليده بعد موته يكفي لنقول أن (صباح الانباري) خلق النظير للواقع في مسرحيته، فالمؤسس تم تحصين قبره بمزار مؤهل في المستقبل للزيارات .

      إن إخلاص الكاتب لفنه يجعله أن يقول الأشياء بلا لف أو دوران. فالصدق ليس مفتاح الفرج فحسب بل الضوء المفضي لقلت الحقائق، يقول "الاستاذ4" ص(157)، لم يسبق أن رفض لي أحد أمرا، كذلك ينقل الكاتب حالة مماثلة مما يجري "المسلحون يحيطون بالمخترع في وضع تهديد"..

      يقول "المخترع"،وا أسفاه لم اعرف قبل الآن فداحة الخطر الجسيم الذي صنعته بنفسي، .. فهذا النص امتلك جرأته من خلال صدق التعبير وعدم إضفاء كوابيس الخيال إليه، فالـ"استاذ4" بعد إجراء عمليات نقل "العقلية" لمقربيه وازلامه نراه ينتفخ الأوداج وتركبه أمواج الغرور ليندفع بكل غطرسة صوب تحقيق آمال مستحيلة، يأمر مسلحيه فيداهمون "الصف الأول" من الجمهور لنقلهم إلى كراسي التجارب، هذا العمل يتطلب وقفة عميقة، وقفة لنسترد أنفاسنا ونعي القضية جيدا، أليس هذا خطابا موجها للجمهور، خطابا غير مباشر.  كأنه يقول لهم، "أيها الناس انتبهوا لانفسكم ثمة سؤال، من يجلس في الصف الأول، أما المقربين، أو أصحاب الكفاءات النادرة، إذن هكذا يبدأ "الاستاذ4" بتدمير الإنسان وفق تدرجه من أعلى المجتمع انحدارا نحو القاع،هذه هي الشفرات السرية والسحرية للمسرحيات الهادفة، أن تنقل بكل أمانة واقع حال المجتمع ولو كنت أما أنياب ومخالب وعنون تتأهب للانقضاض. فالمسرح لدى (الانباري) ليس نزيف جسد تختلج فيه صنوف الأرق، بل هناك موجبات تفرضها الضرورة ولا بد من تعامل عقلاني مدروس دون الإخلال بماهية المسرح،ورسالته فالمسرح تقويم وتنبيه وصناعة طرق أخرى لاجتياز المعرقلات الحياتية، ولدى (الانباري) قابلية تؤكدها نصوصه بأنه ملم ليس بالأدبيات فقط بل بالعلميات أيضا، كون الحياة متوازنة ما بين خيال يشطح وعلم ثابت    والمزاوجة تعطي فرصا مثمرة كون الإنسان لا يحيد عن السكتين، يعطينا الكاتب فرصا للتأويل و مستويات من القراءات. وهناك طرائق لاستثمار نصوصه واخراجها، فهي تحمل التنبؤات المتوقعة فضلا عن أجوبة عن أسئلة ربما تحتشد وتشغل الجميع، أسئلة عن قيمة الحياة واسباب تدهورها أو خضوعها لأيدي دموية بشكل مثير، وكل مجتمع يريد أن يعرف موقعه وما يجب أن يفعله ليكون بين الأمم المجالبة،وأعتقد أن المسرح فيه الكثير لترويض الحياة ولم شمل البشر وتفعيلهم بالاتجاه الخلاق، وصدق من قال، "اعطني مسرحا أعطك شعبا"

 

*ليلة انفلاق الزمن.. مسرحيات صائتة_صباح الانباري_منشورات اتحاد الكتاب العرب.. دمشق 2001 .

 

نشرت في :

           ـ صحيفة الصباح ـ العدد290 ـ التاريخ 22/6/2004

           ـ صحيفة التآخي ـ العدد 4373 ـ التاريخ 16/12/2004