الصراع الصامت 2/4

(هرم الصمت السداسي ) (1) أنموذجا

بلاسم الضاحي

       (إن الكلمات هي العملة الرئيسة  في الشعر والأدب القصصي ، أما في الدراما فان الحضور الجسدي للممثلين هو الأساس) (2) لذا سنبحث عن الصراع من خلال الحضور الجسدي للممثلين داخل النص (المقروء) . (الصراع بين قوتين متصارعتين) (3)  لكي يكون الصراع مثيرا وشيقا على الكاتب أن يخلق توازنا بين هاتين القوتين اللتين أسماهما"ملتون ماركس " (القوة المسيطرة والقوة المدافعة)(4)  وقد قسم الصراع الى ثلاثة أقسام    1- الصراع بين شخصيتين 2-  الصراع بين الفرد وقوى خارجية 3-الصراع بين الفرد و نفسه ، وقبل أن يدخل الصراع إلى المكونات الإبداعية الإنسانية من آداب وفنون وجد مع الإنسان فهو بداية كان صراعاً داخليا بين( آدم) ونفسه وخارجياً بين (آدم) و(الشيطان) الذي أغواه وانتصر على إرادته (المدافعة) وأقنعه بأكل التفاحة التي أخرجته من (الجنة) إلـ( الأرض) موطنه الجديد ، فاستجد صراعه الداخلي لائماً نفسه ونادماً على فعله الذي آل به إلى أساليب حياتية لم يألفها بعد والتي وضعته في صراعاتٍ جديدة  مع الطبيعة وامتد هذا الصراع ليشمل أول أبنائه (قابيل وهابيل) ممثلا  بالخير والشر. مع وجود (الصراع) ابتكر الإنسان أدوات ووسائل ليتكافأ بها مع القوة (المسيطرة) على حياته محاولاً أن يخلق قوة (مدافعة) فابتكر الزراعة لتقيه الجوع وابتنى بيتاً ليقيه من متقلبات الطبيعة وابتكر رسومات لأشكال الحيوانات المفترسة اتقاءً لشرها،فحاكى الطبيعة كقوة (مسيطرة) اختراعه قوة مكافئة (مدافعة) . ومع تقادم الأزمان أخذ الصراع أشكالاً ،( قديما)  سماها(القدر)الذي لا يقوى الإنسان على إيجاد قوة(مدافعة) ضده . (وحديثاً) تمثلت بقوى خارقة أخرى ذات وسائل (تكنلوجية، اعلامية ، فكرية)أيضاً لم يستطع الإنسان الوقوف بوجهها مما اضطره إلى إيجاد قوة مدافعة آيدلوجية معنوية) محاولا أن يوازن القوة (المسيطرة) مع القوة (المدافعة). وعودة إلى النص الأنموذج الذي قسمه المؤلف إلى خمسة مشاهد .

المشهد الأول :-  المكان / سجن .

الزمان /زمانان 1- توثيقي مباشر نستطيع أن نحصل عليه فيما بعد (المشهد الثاني) من خلال الإشارة الرمزية في النص (النجمات السداسية) دلالة من خلالها ندخل إلى التفسير الدلالي لمجمل الحكبة النصية . 2- لازمان/إذا ما تجاهلنا (النجمات السداسية)

لإطلاق النص من (محليته) وتعميمه ،هذا يعتمد على التفسير الإخراجي للعرض.

الشــخوص :

       1- ( في وسط المسرح وعلى مرتفع نسبياً نرى ثلاثة أشخاص لأشتداد الظلام تصعب رؤيتهم بوضوح،الأشخاص الثلاثة مع الهرم الذي يقفون عليه يشكلون خلفية الصورة المسرحية طوال العرض ) ص111 .

      /2-السجين داخل سجن ( يتلوى .. يسقط على الأرض .. يزحف نحو القضبان الحديدية ص1111.

       3- نفس السجين يتأمل حزمة ضوء (ينظر إليها بإمعان وثبات ، لحظة يحاول الابتسام لكنه سرعان ما يتلبسها الألم .. يقطب حاجبيه يبدو كما لو انه يشرع بالبكاء لكنه يكابر الألم الذي راح يمزقه من الداخل بقوة).ص 112 

القراءة  :

السجين يصارع القضبان الحديدية وهذا المشهد تأسيسي في البناء الدرامي للنص الذي جاء واضحا ، جذابا  ، حسن البداية . 

المشهد الثاني : الزمان/(فلاش باك)

                المكان/ 1- خارج العرض، ثكنة عسكرية ( الرجل الذي كان سجينا يرتدي  الآن بزة عسكرية ويحمل بيده بندقية آلية ويتحرك كما يفعل الخفراء )ص113  .

2- داخل العرض،( نفس السجن) لبقاء الأشخاص الثلاثة ، والقضبان الحديدية على المسرح  .

الشخوص : 

             1-السجين الذي كان خفيراً عسكرياً ( يفتح النار على المتسللين ويرديهم قتلى .

            2- ثلاثة رجال على رؤوسهم (نجمات سداسية)، (إسرائيليون) .

            3 امرأتان تحاولان إغراء العسكري (العربي )  بتوجيه من الرجال الثلاثة   

                  (بالنجمات السداسية) .

القراءة :

             حاول المؤلف أن (يخفض) هذا الصراع إلى صراع (فردي) لكي يؤكد شمولية هذا الصراع (العربي،الإسرائيلي) المنطلق من الخاص (الفرد) إلى العام . هذا المشهد هو ذروة الحبكة الذي يطور العناصر التي طرحها المشهد الأول والذي يعتبر المشهد الأخير ، فقد وضع المؤلف الحل في بداية المسرحية ذاهباً بـ (المتلقي)إلى ترقب الأسباب التي آلت بالعسكري إلى السجن ونتائجها .

المشـــهد الثالث :

                           المكان :  محكمة عسكرية .

                           الزمان : بعد قتل الرجال الثلاثة بالنجمات السداسية .

الشـــــخوص :

                         1-  العسكري وقد كبلت يداه .

                        2- ثلاثة قضاة (عرب ) يدخلون من البوابة النسرية

                        3- امرأتان كشاهدتين على الحدث .

القـــراءة :

                 محكمة عسكرية تحاكم السجين لقتله ثلاثة متسللين اسرائلين فجاء الصراع بعموم المسرحية صراعا داخليا وصراعا خارجيا ضد قوة مهيمنة (مسيطرة) .

المشهد الرابع :

                    المكان: آخر .

                    الزمان : نفس الزمان .

الشــــخوص :

                          1- ثلاثة أشخاص يرتدون ملابس سوداء وعلى وجوههم أقنعة بمثابة رجال إعدام ، وهم نفس الأشخاص في المشهد الثالث (القضاة).

                        2- ثلاثة عسكريين متهمين آخرين .

القــــراءة :

                 هنا أراد المؤلف توكيد الصراع من اجل الوجود لم ينته بإعدام ( العسكري ) أو سجنه وانما يستمر، بدليل إدخاله ثلاثة عسكريين  آخرين في هذا المشهد لأداء دور (العسكري) الذي غاب عن هذا المشهد .

المـــــهد الخامس :

                            هذا مشهد إعدام العسكري ( الخفير ) أو تنفيذ حكم الإعدام بواسطة الشياطين الثلاثة وبأمر قضائي من محكمة (عربية)،العسكري ينظر إلى الجمهور الذي يعتبره امتدادا لصراعه المستمر بينما يستمر نزف دمه بلا توقف نحو الجمهور دلالة على مشاركة الأمة بهذا الصراع وسر ديمومته .

       وقبل العودة إلى النص الأنموذج أود أن أشير إلى أن حكاية هذا النص مأخوذة من خبر صحفي ، واقعي،(جندي مصري)(5)  يقتل متسللين اسرائيلين ويحال إلى محكمة عسكرية

(مصرية) تدين فعله هذا وتحكم عليه بالإعدام ، هنا يتكشف الصراع بين وجودين خارج (أجندة) الحكومات التي تدخل في صراع آخر مع شعوبها التي تكبت إرادتها ،انفلاتها محاولة أن تنظم هذا الانفلات (أيدلوجيا).

نقول : إن الصراع في هذا النص صراع (جمعي)وصراع (فردي) من داخل هذا الجمع ،  بقوة فردية (مدافعة ) مرة وأخرى (جمعية ) عندما يقتل المتسللين وعندما يكون داخل السجن ،هذا الموروث ، المفروض على الذاكرة (الفردية) من خلال الذاكرة (الجمعية)،صراع أمة تنازعها الأخرى في الوجود والبقاء شكّل ردود أفعال فردية في محاولة لأحداث مغايرة للواقع بمجموعة أفعال صغيرة تحفز الآخرين على القيام بمثلها لأثبات وجود قوة (مدافعة)ضد قوة (مسيطرة) ثم يجسد الصراع (الجمعي) من خلال عملية قتل (العسكريين الثلاثة) من قبل (الشياطين)  بحقد وكراهية بواسطة (شيش المبارزة)الذي يسمل عيونهم ومشهد جريان الدم ووصوله إلى الجمهور في قاعة العرض هذا النـزيف الذي ورثناه منذ قرن ومازال ، وقد التفت المؤلف لذلك من خلال هندسة النص بتقديم وتأخير المشاهد (حصرا) بتقديم أحداث المشهد الأول الذي يظهر (الخفير العسكري)داخل السجن قبل أن نعرف ما هو سبب سجنه الذي نعرفه فيما بعد في المشاهد الأخرى ، هذا  (الصراع )/ إذا قرأنا النص من خلال (الخبر الصحفي) الذي يحدد زمان الحدث ومكانه وطبيعة هذا الصراع وحيثيات تكوينه واستمراره ، أما إذا قرأنا النص خارج الخبر الذي أشرنا اليه سابقاً سنجد : لازمان ولامكان محددين لمجريات أحداثه بل سنجد صراعا داخليا بين السجين ( القاتل ) ونفسه داخل السجن وبينه وبين (المحكمة) التي تدينه وبالتالي ستتحول الحكاية وصراعها الى حكاية (عامة) وستأخذ منحا آخر لمتلقي آخر . بقي أن نقول هذا الصراع وعلى وفق التفسير الأول قد أعطى للنص بعدا ملحميا ، (قوميا)رغم غياب عناصر العمل الملحمي الأخرى .التي إذا ما التفت إليها المؤلف وأعاد كتابة هذا النص سيعطينا نصا ملحميا متكاملا .

المصادر :-

1-    ارتحالات في ملكوت الصمت/مسرحيات صامتة/صباح الأنبا ري/دار الشؤون الثقافية/ بغداد 2005

2-              قراءة المسرحة/رونالد هيمن/ترجمة د.مدحي الدوري/دار الشؤون الثقافية /بغداد 1995

3-     المسرحية كيف ندرسها ونتذوقها/ملتون ماركس/ترجمة فريد مدور/دار الكتاب العربي/بيروت 1965

4-              نفس المصدر السابق .

5-              نفس المصدر السابق .

6-             لابدان نشير هنا إلى أن الجندي المصري الذي نشر في(الخبر الصحفي) هو (سليمان خاطر) .                  

.  

* بلاسم الضاحي ..شاعر ومسرحي من العراق balasimalthahy@yahoo.com