خطاب الصمت 3/4

(الهديل الذي بدد صمت اليمامة) ( 1 )

أنموذجاً

بلاسم الضاحي

   يرى(موكارفسكي) (2)  أنَّ ( السيمولوجيا) الذي يشكل الخطاب المسرحي جزءاً منها تبرز وظيفتها في الفنون المتعدد على (الصورة)التي تشكل   خطاب  العرض المسرحي لان التعبير في المسرح يتهيكل على الصورة التي تعدّ روح الخطاب المسرحي الرئيسية.هذا في الصورة المرئية،أما في الصورة السمعية فيمثل (الملفوظ) روح النص. ويشكل الاثنان (الصورة)و(الملفوظ)المعطى الداخلي للخطاب المسرحي الذي نتواصل معه بـ ( المشاهدة )

   و(القراءة). الخطاب المسرحي يرتكز على محورين حسب (موكارفسكي)

الأول :  الأداء / الذي يشكل الصورة المرئية (العرض) الناتجة عن التعبير الذي يعتبر روح   الخطاب.

 الثاني: المحاكاة/التي تعتبر المقروء (النص) روح الخطاب ومن هذا نستنتج_وفي المسرح على وجه الدقة-أن الخطاب نحصل عليه من مصدرين  :- النص والعرض ، وهذان المصدران هما المكونان الأساسيان  لأي عمل مسرحي فالنص  مكونه الأساسي       اللفظ (المسموع) والعرض مكونه الأساسي  الصورة (المرئي)من هنا نقول:-هل يمكن أن نستغني عن أحدهما لنقدم عملا ونسميه عملا مسرحيا؟ فإذا افترضنا إمكانية الاستغناء عن التعبير بالصورة/المرئي/المعروض واشتغلنا على الملفوظ/المنطوق/المفردة

   لنبقي عملنا مرتكزاً و محصورا على ما هو مقروء كنص أدبي 0وهذا ما يشاكس مقولة إن النص المسرحي إنما يكتب ليمثل كعمل على خشبة المسرح الذي اعد النص المرئي لأجله 0عكس ذلك لم يعد عملاً مسرحيا لغياب الصورة المجسدة بأدوات العرض المعرفية  الأخرى بل أدباً مسرحياً،وإذا افترضنا إمكانية  الاستغناء عن الملفوظ/المنطوق/ المفردة وقدمنا الصورة /المرئي/العرض فقط ، ننتقل هنا إلى شكل آخر من أشكال العمل المسرحي الذي يعتمد على مكونات العرض  (موت النص) فعلى من نعتمد إذن لنعوض غياب النص ؟ 

  علينا في هذه الحالة أن نبتكر نصاً مغايراً لا يعتمد على (الملفوظ)في تقديم خطابه0نصاًيتواصل معه الممثل ليرسم صورة  العرض المرئية،  نصا يستبدل الكلمة بالحركة الجسدية التي تقدم خطابها أثناء العرض على خشبة المسرح و إحدى هذه الابتكارات(النص الصامت)ونقدم له رؤية  نقدية تقويمية ليؤدي مهامه الخطابية، الصورية، الجمالية،التي تقنع المشاهد من جدوى هذا (الابتكار)والاستغناء عن النص (الصائت) وهذه الرؤية النقدية الجديدة يجب أن تعمل على مستويين :-

الأول: كيف نقّوم كتابة هذا النص الواصف للحركة التي تخلق الصورة التي توصل الخطاب؟

الثاني :  كيف نؤسس لممثل يفهم أدواته الجسدية  الخالقة للصورة ويعي مهامها  بامتلاكه (بدي تكنيك) يؤهله لاقناع المتفرج بجدية وأهمية خطابه المصّور ليشكل (نص العرض)ويتواصل معه ليرسم صورته المرئية ليبث دلالات معرفية بعد أن يلغي المنظومة القرائية والاستعاضة عنها(بمنظومة جسدية)في إرسال خطابيته؟

الصمت:

   (عكس النطق) (3) وهو وحدة زمنية فاصلة بين فعلين في تشكيل الخطاب المسرحي .ويشكل جزء مهما من بنية العرض ويقسّم حسب الحاجة إلى صمت طويل وصمت متوسط وصمت قصير ويحدث  في( الإلقاء) وفي (الحركة )أثناء العرض ويمكن أن نجدة في النص _ إشارة  المؤلف _ وهو وسيلة من وسائل إيصال الخطاب المسرحي في النص الحواري/الصائت/الذي يعتمد في خطابه على نص مكتوب أو معروض وما يهمنا النص المكتوب الذي يحقق خطابه بواسطة (الكلمة)وهي صمت إذا لم تجد وسائل لتصويتها(فم،لسان،شفتان،زفير).الكلمة لوحدها لا تشكل مسرحاً لأنها لا تمثل العلاقات الفعّالة بين الشخوص وانما بحاجة إلى مؤلفات أخرى كـ (الحركة) مثلاً التي تشكل جماليتها من خلال عرض (الصورة)التي تفوق جمالية (الكلمة) لوحدها. الصورة التي  يرسمها الممثل من خلال تجسيد الحوارات بتشكيلات حركية إذا افترضنا إلغاء هذه الحوارات وقدمنا وصفا لهذه(الحركات)ألم نستطع أن نقدم مسرحا يسمى :-

المسرح الصامت:- pantomime

  ليس بمعنى المسرح الصامت الراسخ في أذهاننا وكما عرفناه وشاهدناه، قيام الممثل بحركات إيحائية بهلوانية دقيقة مركزة وحادة توحي لنا بأن الممثل يقوم بالعمل (الفلاني)   وانما المسرح الذي يفعّل الداخل الإنساني المهمل ويحاول التركيز على الذاكرة الخارقة التي تستفز المدرك العقلي لدى المتلقي بعد توظيفها بمنظومة حركية ذات دلالات معرفية  تؤسس   مرتكزاتها المعرفية في رؤيته لمفهوم خطابها من خلال دلالة رسومات اشتغالها الإيمائي الفاعل الذي يرسمه المؤلف أو المخرج في آلية خلق الطاقة الداخلية لدى الممثل وكما يقول"مايرهولد" (يكون ذلك من خلال الجسد بوصفه المجال الكهرومغناطيسي الذي يرسم علاقة العرض من خلال الحركة الجسدية التي ترسم (صور )بتوليفتها ومنتجتها ذهنياً نحصل على عرض يقدم خطاباً مرئياً ) (4) يثبت دلالته المعرفية بعد أن يلغي المنظومة القرائية والاستعاضة عنها بمنظومة حركية في تحقيق الخطاب .ولو أخذنا نص (الهديل الذي بدد صمت اليمامة) أنموذجا وقسمناه على متواليات نصية تحقق آليات الخطاب بإظهار الحالات الجوهرية الداخلية للإنسان من المتقابلات الإيحائية بين الممثل والمتفرج التي يمنحها الجسد ويفتح بها نوافذ  لا مرئية في الإنسان تتحقق في نطاق (الحلم)في لحظة حضور خارج زمن بنية الخطاب داخل زمن البناء التعبيري للصورة المعروضة المتشكلة من بلاغة الحركة التلقائية المعرفية التي تعتمد على مهارة العارض0

والاستفادة من خواصه الجسدية ومدى تطويعها لتشكيل عرضه  الصوري0وللتحقق من مدى نجاح هذا النص (الواصف للحركة/العرض)من إيصال خطابه بأدواته  (المقروءة)قبل تحوله إلى عرض/خطاب مرئي.ينقسم النص على تسع متواليات والتي نستطيع أن نشبهها(بالمشاهد)في المسر ح الملحمي التي منها يتكون النص الكلي المقروء أو المعروض .

ما قبل المتواليات :- المكان/

مكان العرض،فضاء المسرح ، الذي يحوله المتفرج إلى مكانه الخاص،فضائه الذاتي ،المعرفي ،الذاكراتي ، التراكمي من خلال تمثله للسرد واعادته كمنتج كينوني قد يتطابق مع مخزونه المعرفي المكاني أو قد يضاف كمعرفة لذاكرته المستقبلية فالمكان هنا تحدده إجابة المتفرج عن سؤال (أين )  .

الزمان/

 يبدأ بهديل اليمامة،وعنوان (ذهب مع الريح)وينتهي بهما ايضاً0  فالزمن خارج الزمن الرقمي التقليدي زمن معرفي خارج الوقت0يكسر وهمه زمن المتفرج ويرقمه بإجابته عن سؤال(متى)؟إذن كان المكان( أين)والزمان( متى)ولكل متفرج إجابته.

المتوالية الأولى:-

  تبدأ من (انطفاء الأضواء ونسمع من خلال الظلمة  هديل اليمام )  وتنتهي بـ(تفز المرأة..تهرول إلى النافذة الأولى)  وما بينهما نقرأ سينوغرافيا  المشهد1-امرأة في الثلاثين وحيدة،مستوحشة،منتظرة،قلقة 2-منضدة وضع عليهاكاسان من عصير البرتقال3-كرسيان أحدهما فارغ 4-مشبكان من القضبان الحديدية0 الموضوع/امرأة تقرأ في كتاب ذهب مع الريح، الذي يهمنا ما يرمز له هذا العنوان الذي يشكل مع هديل اليمامة المدخل الأول لفهم النص والبناء عليه لما لهديل اليمامة من دلالة ميثيولوجية معروفة في (الذاكرة الجمعية)ثم نسمع صوت انفجارات متتالية0 إذن هناك شخص غادر هذه المرأة في زمن حرب تعيش على أمل عودته .

المتوالية الثانية:-

  هنا ندخل في أجواء  الأحلام  و الكوابيس المخيفة وما سيؤول إليه حال هذه المرأة الحالمة  بعودة حبيبها المحارب لتكشف لنا الحالات الإنسانية المعذبة التي يمر بها الإنسان في زمن الحروب0 تبدأ من (تفز المرأة) وتنتهي بـ  (تسحب أنفاسها بعمق)وما بينهما امرأة خائفة تتنقل من نافذة إلى نافذة تترقب أصوات الانفجارات التي تتزايد مع ازدياد بريق أضوائها المخيفة هذه الانفجارات لا تحدث في زمان ومكان المرأة وانما في زمان ومكان (حرب) .

المتوالية الثالثة:-

(تعود إلى جلستها السابقة)إلى (وتقرأ فيه مرة أخرى)تعود المرأة بعد أن انقطع صوت الانفجارات إلى هدوئها،تفتح كتابها (ذهب مع الريح) وتقرأ.

 المتوالية الرابعة :-

(مرة أخرى تسمع هديل اليمام )إلى (مع الهرولة النظامية )وما بينهما 1 ـ هديل اليمامة  2ـ صوت طبل كبير أو ضربة صنج 3ـ أصوات مهرولين ، وهنا عودة لتداعيات المرأة وقلقها لمصير حبيبها بإدخال مجاميع عسكرية مهرولة ، ضربات طبول،اليمامة تبحث عن أخت روحها .

المتوالية الخامسة :-

تبدأ من(تنتقل إلى كرسيها ..تتأمل الكأس الموضوعة قبالة كأسها ) وتنتهي بـ (تبدأ الإضاءة بالاختفاء تدريجيا حتى يظلم المسرح) هنا يتجلى الحلم بشكل واضح، كما يقترحه المؤلف بمنطقة خيال الظل التي حصرها بين النافذتين ، مشبكان من القضبان الحديدية،1 ـ ظهور الحبيب المنتظر 2- سقوط الكأس وسماع صوت ارتطامه بالأرض مما يؤدي إلى اختفاء الحبيب 3ـارتفاع صوت المهرولين تدريجيا 4ـ أصوات همهمات كورالية 5ـ المرأة تبكي وهي تنظر إلى الكرسي الفارغ 6ـ تتجول في الفضاء خائفة باكية حزينة 7ـ ظهور أشكال هلامية في منطقة الظل /كابوس/ 8 ـ تهرول ، تسقط على الأرض ، يظلم المسرح ، هذه المتوالية مزدحمة بالحركة والأفعال لتمثل ذروة النص مبررا لهذه الأفعال التي تفعّل أثاث العرض الأخرى كالكرسيين ،الطاولة..الخ ـ لتبدأ متواليات النص الأخرى بعرض الحل حتى نهايته .

المتوالية السادسة:-

  تبدأ من "يضاء المسرح تدريجيا ..ترفع المرأة رأسها"إلى (تتسمع صوت الهديل )تدرك المرأة أن حلمها تحول إلى كابوس إشارة إلى القوة الخارقة التي باعدت بينها وبين حبيبها من خلال تجسيد الأفعال التالية 1-موسيقى رعب 2- صوت صرير أبواب حديدية تفتح 3- يتحول المسرح إلى سجن 4- تحاول الخروج منه دون جدوى تجلس القرفصاء 5 - تتسمع صوت الهديل .

المتوالية السابعة :-

 (تنهض) إلى (تتبعهم مستفهمة) 1-تعود إلى كرسيها 2- تتأمل الكرسي الفارغ 3-تسمع مارش جنائزي من نفس مكان ظهور حبيبها في منطقة خيال الظل 4-رجال يحملون على أكتافهم جنازة 5-تحاول معرفة الجنازة فتفشل .إذن مات الحبيب الذي تنتظره وهذه جنازته .تتصاعد إحباطاتها .

المتوالية الثامنة :-

   من "ترتد المرأة منكفئة على كرسيها"  إلى "حتى انتهاء الصرخة" المرأة منكسرة ، متألمة تتأمل كأسه الفارغة وتبتسم تفتح ( ذهب مع الريح) عودة الأصوات المخيفة ، ظهور رجال دميمين يشربون ما بقي في الكأسين ويقذفان بهما خلف الكواليس تحاول الحفاظ عليهما دون جدوى يتقدم الرجال منها يقفون على مقربة من جسدها الممدد ظهور بقع ضوئية في نفس مكان خيال الظل يحاول الرجال الاعتداء عليها تتفرق البقع الضوئية إلا بقعة واحدة تزداد محاولات الاعتداء عليها يتبعها الرجل الدميم حبوا متحولا إلى حيوان مفترس تطلق المرأة صرخة طويلة تطفأ الأضواء وتبقى البقعة الضوئية الصغيرة في صراع مع البقع الأخرى وتنتهي الصرخة .بعد أن تأكد لها أن من تحب قد  قتل في الحرب وهذه جنازته تمر من أمامها وأنها ستظل وحدها تقرأ ( ذهب مع الريح ) فتتوالى عليها الكوابيس المعتمة ،رجال دميمون يحاولون الاعتداء على جسدها الذي غادرته الروح إلى حيث تحب . لكن الإنسان-وهذه طبيعته يبقى متعلقا بأمل حتى لو يدرك تماما كذبه كذلك هي بقيت متشبثة بحبه الذي يمنحها طاقة اضافية للبقاء والمقاومة فتظهر هذه الإشارة على شكل بقعة ضوئية تبقى معها إلى نهاية المتوالية التي غادرتها بصرخة طويلة تلاشت معها الإضاءة سوى البقعة الضوئية التي بقيت تصارع رموز الشر وهذه المعادلة التي تحقق انتصار الحب والخير على رموز الحقد والشر في كل زمان ومكان. .

المتوالية التاسعة :-

   تبدأ من ( سطوع الضوء تدريجيا) إلى (يستمر الهديل حتى النهاية) ما بينهما 1- تجلس المرأة بجانب المنضدة وأمامها الكأسان2-تظهر عليها علامات الاعتداء 3-يظهر الحبيب من منطقة ظهوره أول مرة ويناغيها بصوت اليمامة 4- تحاول سحبه إلى الداخل 5- ضربة صنج قوية تغيبه 6-يقفز الرجال صارخين إلى خلف الكواليس 7- يضيق السجن عليها شيئا فشيئا تصعد فوق المنضدة خائفة تسمع هديل اليمامة تأخذ الكتاب تقرأ (ذهب مع الريح )تختفي الإضاءة تدريجيا بينما يستمر صوت هديل اليمامة حتى النهاية . لقد اعتمد ( الكاتب) في عموم النص على تكرار (هديل اليمامة)+(ذهب مع الريح).هذان الرمزان وتكرارهما يفتح أمامنا باب الدخول إلى عوالم النص الخفية لما لهما من دلالة مباشرة فللهديل دلالة حكائية ( ميثيولوجية )بلحنها الذي نسمعه باستمرار (ياقوقتي وين أختي ) ومن هذين الرمزين نصل الى تفسير لا يحتاج إلى تأويل ســوى ( الانتظار) مما حدا بالكاتب أن ينهي نصه بأخر صورة صامتة + صورة صائتة (الصرخة) + صوت الهديل .وتأسيسا على ما تقدم ، ولمّا كان النص المسرحي يمتاز عن غيره من الأنواع الأدبية المجاورة له بقابليته على أن يتحول إلى مرئي /صور تكشف بنى النص الذي يعتمد هيكلة معمارية النص /شخصية/فعل/فكرة/حدث/ وأن الحوار الذي يتكون منه النص المسرحي ليس محصورا بالكلمة التي تقال) (5) وانما يمكن الاستعاضة عنها بإيحاءاتها التي تتجسد كصورة مرئية وذلك بالإيماءة والفعل والمعنى اللاحواري السارد بفعل الجسد وأدواته . الذي يوصل خطابه بوسائل تكوينه للصورة المرئية . وعودة لما قاله (ستيوارت) ونطبقه على بنية نص ( الهديل الذي بدد صمت اليمامة). الشخوص:- المرأة ، الرجال الثلاثة،الرجل الغائب(خيال الظل)، حاملو الجنازة.الفعل/الذي تجسده الإيماءة الجسدية للممثل ومكونات العرض الأخرى التي أملاها ( المؤلف) وأكتشفها (المخرج) الفكرة:- امرأة وحيدة تركها حبيبها وذهب إلى الحرب تحلم بعودته مرة ومرة تيأس لأن من يساق إلى الحرب فقد (ذهب مع الريح)يخفف هديل اليمامة شيئا من وطأة الحزن والفراق فيما يتحول حلمها إلى كابوس خانق مثلة مثل الحرب، هذا الموت الذي ينقض على إنسانية الأنسان ويحيلها الى هشيم الى موت دائم ، جفاف، دموع،، فراق الخ. الحدث  مجموعة أحداث قسمناها الىتسع متواليات شكلت هيكلية النص.إن التطورات  التي شهدتها الفنون وتداخلها مع بعضها بأدواتها التكنيكية والتقنية لم تبعدها كثيرا عن الأدب فقد أخذت منه وأعطت له من إنجازها الفني وأعطاها من إنجازه الأدبي ، القصة، الرواية ، المسرحية ، والشعر .والسينما التي جاءت الى حقول الفن متأخرة فأصبحت قاسما مشتركا بين الأدب والفن .والمسرح الذي يعد أدبا وفنا أثرى تجربته بالاستفادة من تكنيك السينما في النص        "تأليفا" والعرض ( إخراجا)وفي تقنيات الضوء والظل (الإضاءة) التي أتاحت فرصا للمخرج بتقديم (لقطة) داخل (مشهد) وبمعزل عنه بواسطة تسليط بقعة ضوئية أو مشهد (الفلاش باك) إضافة لاستفادة المسرح من مشاهد سينمائية جاهزة لعرضها على خشبة المسرح كمشاهد ساندة للعرض لايمكن تحقيقها بأدوات العرض المسرحي كما في المسرح التسجيلي،الوثائقي مثلا واستفاد المسرح من السينما مرة أخرى بإدخال"المونتاج"في النص (تأليفا ) وفي العرض (إخراجا).

المونتاج:-

  الذي يعد اختراعا سينمائيا بحتا.وتعريفه فيزيائيا (ربط شريحة فلمية (لقطة واحدة)مع أخرى ترتبط مع بعضها لتكون مشاهد ترتبط معا لتكون مقاطع متسلسلة)(6) وعلى المستوى الميكانيكي ( يقوم المونتاج بإزالة الزمان والمكان غير الضروريين) (7) وعلى مستوى آخر يقوم المونتاج (عن طريق ارتباط الأفكار ، بربط لقطة بأخرى ومشهد بآخر) (8) وللمونتاج مجموعة من الطرائق والأساليب التي يسلكها بأدائه.مثلا1-مونتاج اللقطات المتناقضة2-المتوازي 3- التماثل 4-الترابط 5-تكرار لقطات معينةإلحاحا على فكرة خاصة والذي يهمنا المعنى العام للمونتاج أو المبدأ الأساسي الذي يقدمه وهو ربط اللقطات أو المشاهد حسب الحاجة لتؤدي معنى كليا دلاليا وعلى وفق هذا المعنى قسمنا هذا النص إلى متواليات وهذا لايعني بالضرورة إن كل نص نقسمه إلى متواليات أو مقاطع يمتلك صفة ( المونتاج ) وانما يجب إن يؤدي هذا التقسيم واعادة منتجته إلى إضاءة جانب دلالي داخل العرض. وأود أن أقول هنا إن هذا التقسيم إلى متواليات ما هو إلا تقسيم (افتراضي) (اقتراحي) (شخصي) غايته التأسيس لطرائق قرائية لمثل هذه النصوص (المكتوبة) أو  ( المعروضة )في محاولة (لترويض هذه النصوص) وتاهيلها ونقلها من كونها نصوصا ذهنية بحاجة الى تركيز تخيلي يجمع شتاتها النافر ومحاولة إزاحتها من كونها نصوصا كتبت لتعرض على خشبة المسرح مجسدة بإيماءات الممثلين الجسدية وتسويغها على أنها نصوص مقروءة ممتعة تفتح لقارئها آفاقا رؤيويةجديدة .هذه المتواليات التي تشكلت منها المشاهد ،وكل مشهد احتوى على (لقطات) داخل جسد النص (المكتوب أو المقروء)منها نخرج بفهم خطاب ( المؤلف)القائل بعذابات الواقع البشري ومجهولية مصيره ومكابداته الإنسانية  ممزقا بعدوانية الطغاة في كل زمان ومكان ومسروق الإرادة مهدد في سعادته واختياره لا بل حتى في موته فهو من اختيار الطغاة وكما تشاء حروبهم هذا النص هو نص (اللقطة /الصورة) التي تبني منفردة خطابها الآني .ممنتجة مع بعضها تبني خطابها العام .هذه المنتجة لا تأتي حسب رؤيا (المؤلف) كما في( المسرح الصائت) الذي لا يستطيع المخرج الابتعاد كثيرا عن دائرتها العامة إلا بمساحة مقيدة .أما في(المسرح الصامت) فان حركة المخرج غير مقيدة مفتوحة على مالا نهاية من الرؤى والاحتمالات بواسطة إعادة منتجة هذه الصور المتشكلة من الفعل الجسدي للممثل وأدوات العرض الأخرى التي تعتبر الصمت اتساعا في المعنى وإلغاء للكلمة .   

  المصادر :

1-             ارتحالات في ملكوت الصمت/مسرحيات صامتة/صباح الأنباري /دار الشؤون الثقافية / بغداد 2004       

2-             سيميولوجياالتواصل في الخطاب المسرحي/د . سافره ناجي / صحيفة الأديب ع 61 2005

3-             مختار الصحاح/للرازي

4-             صناعة المسرحية/ ستيوارت/ترجمة : عبد اللة معتصم الدباغ

5-             فهم السينما/لوي دي جلينيتي ترجمة : جعفر/علي دار الرشيد للنشر/بغداد/ 1981

6 ، 7 ، 8 - نفس المصدر