الكاتب المسرحي والناقد صباح الانباري

الصمت الناطق !!

تحسين علي محمد

   عسيرة اختراق عوالمه هذا الجسد الهادئ ، الذي ذاب في ملاحقة الأشياء الخارقة ، التواضع مسكنه ، من السهل كسب وده ، لكنه لا يعطي دلائل الإرشاد لأغواره . تلك هي علامات السر المقدس لمن ينوء تحت عناء الإبداع ، اكتشف نفسه واقفا ، بلا خيلاء أو مراهنات مزاجية أمسك  بإرادة حديدية مقود مركبته وراح يتوغل بحثا عما هو جوهري والمعي لبناء صروحه ، لم يكن وافدا عابرا إلى هذا العالم المدهش ،   كي يغدو ببغاء مقلدا ، بل ولد المسرح معه ، كلاهما استكمل القيافة الغانية لأحد أسرار الجمال ، اكتشف  نفسه مهوسا ولكن بصمت بليغ بهذا العالم الرحيب ، عالم لا يرضخ ، بل يطلق صرخته ويمشي ، لملم شظاياه بقبضة عليم ، وسمح لدمه ارواء البرعم ، وكان السر الذي منحه أجنحة التحليق ، ما بين إخراج في وقت مبكر وتمثيل ولد معه وتأليف موهبة وتشخيصات نقدية غربلت الدخائل أفرزت واقع حال كل نص وضعه تحت مجهر عقله ، سبح حتى رسا على شاطئ غير مكتشف ، شاطئ الفردة ، ذلك لأن ( الانباري ) وظف كامل ارادته وراهن بمصداقية منسلخا من مساقط الضوء يعمل رغم انشغاله بحروب الحياة المعيشية ، و إنها كانت ظروفا عديمة الرحمة ، فمن يصدق بأنه يذوب في (عالم التصوير) طيلة نهار كامل مضافا إليه الربع الأول من   الليل ، فما الذي تبقى له ، ليل خصص لباسا وسباتا وأصداء أغوار تقترح اليقظة ، يجن الليل وينام العالم  لينسلخ من المستحقات ليشكل العلاقة الجدلية مع انثيالات ذاكرته مستحضرا السحنات الغارقة في تشخيرها  كي يقيم عليها الحد ، سويعات قد لا تكفي للبرهنة بان المبدع لا يعتزل فروضات الحياة بل يحقق في كل ميدان تواجده وتفاعله ، هكذا كان ، ناسفا أوقات الراحة من قواميسه لخياطة أسمال ناطقة أعطت الوجود الملغوم التماعات جاذبة ، فمن يستطلع (مسرحيات صامتة ) يقف على عالم مدهش ، عالم يضج بفوران الحياة ويلتقي بناس مسكونين بهاجس البحث عن ذواتهم وسط أقدار غاضبة وقوانين عاطلة ، عرف كيف يوظف موسيقى الوجدان لتوليفة الإيماءات على المستويين الوعي / اللاوعي ، لكل من أسقطه في مصفاة ذهنه كي يد شنه كومبارسا لعزف أناشيده على مسرح الواقع ، والمبدع لا يتدرج في سلم موهبته فهو ينطلق كالبرق ، كالمطر المدرار الكاسح ، يفرض نفسه في باكورة إنتاجه ، هكذا كان مذ اقتحم عالم المسرح ترافعه فقرات خالدة  رافقت مسيرته ، فقرات كلها دهشة و إثارة أعطته ثوبا مميزا ، فيما بعد قلدته جائزة الإبداع للعام (2000 )   م شئ لا يجب السماح له بالمرور دون قراءة اعجابية ، هذا الجسد الصامت حتى انك لتكاد تعجزعن الاحتفاظ بنبرة صوته ، لقلة كلامه ، لصمته البليغ ، الأمر الذي سربله بقيافة (صامتة ) . متخذا من( المونودراما ) مساحة لبناء قلعة موهبته ، فبرع في تشكيل رموزه وخصائصه وهيمن على كل مفصل ،   تتواصل عروضه لتنضج درته ( ليلة انفلاق الزمن ) ، مسرحيات اتخذت مناحي غانية المحكى ، درامية المبنى ، البسها ثوبا لإخفاء عرى واقع مرير ، ثوبا (انباريا) برزت فلسفته الخطابية التي بلغت ذروة العقلانية وفاق من خلالها حدود الجرأة وأضافت للمسرح إشكالية جديدة لا يجيد التعامل معها إلا أستاذه الكاتب الكبير( محيي الدين زنكنه ) ، كلاهما حول النص المسرحي العمودي إن جاز التعبير وسمح لنا أهل الحرفة ، إلى مسرحيات ( متراكبة ) ، مسرحيات لا تعطي نفسها بيسر ، تقترح التأويل والمدارسة ، فكل مبدع حقيقي لابد وان يمتلك رؤية شمولية وكاميرا بأبعاد لانهائية ، لابد وأن يكون قادرا على تفصيل وتشريح عمله وان يكون مقنعا منصهرا في واقعيته ،( الانباري) حقق ذلك ولنا في كتاباته النقدية أدلة صريحة على قوة ملاحظاته   ورصانة ثقافته و فرادة ارادته ، كتب عن الشعر والشعراء ، عن القصص والتناصات ، عن المسرحيات ،  وتوغل في جانب آخر ظل ساكنا فيه ، وأعلن بأنه صاحب مذاق رفيع المستوى في تعبيراته الوجدانية حول التشكيل والتشكيليين ، من أين كل هذه الطاقة الانفلاقية ، من أي المراصد تنطلق هذه النظرة الشمولية    النافذة ، يقينا بأنه يتواصل ،بلا وهن في ضخ أغواره بما هو مستجد.يعمل / يقرأ / يكتب/ هبط من خشبة المسرح لا ليرتاح بل لتحرير ( البناء الدرامي في مسرح محيي الدين زنكنه ) ، إبحار جميل في خفايا المهنة،استنبط أهم المرتكزات الخلاقة في مسيرة أحد أهم أعمدة المسرح العراقي والعربي في هذه المرحلة.قلم ملون بالرومانس.مرصع بلآلئ جوهرية وجواهرية .شرح المفاصل في كتاب نادر غير مسبوق الكتابة.في معظم الدوريات والصحف ، محليا وعربيا  يواصل نشر أعماله.سبق وان نال جائزة المسرح ( الأولى ) لمجلة الأقلام للعام  (1993 ) ومن المؤمل أن تصدر له في القريب العاجل مجموعة مسرحية عن مشروع وزارة الثقافة .

نشرت في:

          - صحيفة اشنونا ـ العدد 102 ـ التأريخ 29/1/2003 ديالى