دعوة إلى الـرؤية ..  بالأذن

محي الدين زنكنه

    مسرحيات صوامت، أو مسرحية صامتة، أية تسمية هذه أي عنوان أهي فذلكة، شطارة لغوية تستهدف الإثارة ولفت الانتباه؟ لا أحسب صباح الانباري الكاتب، المثابر، الجاد، ولا المؤلفين الذين  سبقوه إلى كتابة هذا النمط من المسرحيات، يهدفون إلى هذا، ولا هم بحاجة إليه..إذن ما الأمر؟ قد ترسم لوحة  وتطلق عليها تسمية طبيعة صامتة، أو جامدة..أو..أو..وقد تدعو أحداً إلى  قراءة صامتة أو نزهة أو جولة بقصد التأمل في محراب الصمت وأجوائه ولكن أن تكون ثمة موسيقى صامتة مثلا، أو مسرحية صامتة، أمر يستدعي أكثر من وقفة تأمل..و..مراجعة للمخزون الثقافي أو الرصيد التعليمي الذي حشونا به، أو حشو لنا، به أدمغتنا. وإذا تركتنا الموسيقى جانبا، مؤقتا، وركزنا اهتمامنا على المسرحية فلنا أن نقول أن إحدى دعائم المسرحية إلى جانب الحركة، والصراع، والحدث، والموسيقى..هي الحوار..أي الكلام..المنطوق..الصائت. وقد تعلمنا أو بالأحرى علمونا، منذ كنا صغاراً أن المسرحية تكتب لا لكي تقرأ..وإنما لكي تمثل، على خشبة المسرح، وأمام الجمهور، وأحد جسور التواصل مع الجمهور، والاستحواذ على اهتمامه خلال فترة العرض، هو الخطاب..النثري أو الشعري. وسواء كان ذلك صحيحا أم غير صحيح، فقد سلمنا به وسرنا على هديه وغدونا نقرأ أو نكتب على ضوئه. وبات الكثير منا وفق هذا المفهوم، المدرسي، يفر من قراءة المسرحية، أو يقرأها على مضض، ونعاني صعوبة في متابعتها وقد بقيت المسرحية سنوات طوالا في المركز الثاني أو الثالث من الاهتمام على صعيد القراءة والكتابة أيضا لهذا السبب ولأسباب أخرى عديدة لعل أهمها الارتخاء الذهني..ومحدودية الخيال، وضيق مساحة انطلاقه وضعف الملكة الخلاقة، وخمول القدرة على التشخيص أو التصوير، وبالتالي الافتقار إلى التمكن من عناق روحها الجمالية أو الفكرية خارج الرؤية البصرية والمشاهدة العيانية، ضمن الحالة التي يخضع لها سائر أو معظم الناس من الاعتياديين وتتحكم فيهم.

    وهكذا صار الكثير من القراء حتى الأدباء والكتاب لا يجدون المتعة المشبعة عند سوفوكليس أو يوربيدس بالقدر الذي يجدونه عند أوفيد مثلا. وما يجدون عند شكسبير أقل مما يجدون عند ديكنز أو توليستوي، وليس حظ بيكت وكوكتو، وتشيخوف وابسن..و. .و..و..بأفضل من أسلافهم عند المقارنة، على صعيد القراءة، من ماركيز، وكونديرا، وهسه، وغراس..و..وقل الشيء نفسه، أو اضرب المحصلة في ألف فيما يتعلق بالمجتمعات العربية لأسباب ذاتية وموضوعية، تتعلق بواقع المسرح الضيق ومسيرته المتعثرة ومحدودية آفاق القراءة مما لا يشكل الدخول في التفاصيل، مهمتنا الحالية. على أية حال، نحن هنا مع صباح الانباري نجد أنفسنا، أو على الأقل قد وجدت نفسي أنا معه، في حالة مختلفة ومخالفة للمألوف أعني لما ألفناه واعتدنا عليه، حتى الآن، حالة لا تبغي ترجيح كفة قراءة المسرحية، على كفة قراءة الأنواع الإبداعية الأخر، ولا حتى خلق توازن، فيما بينهما، فقيمة العمل الإبداعي لا تكمن فيمن ثقلت موازينه..بالقراء. ولا تبهت فيمن خفت موازينه منهم وإنما تكمن في كم الإبداع المتحقق في العمل وقدرته على منحه الروح والحياة وما يجري في عروقه من  الدم النظيف والمتجدد على الدوام، إننا هنا مع صباح الانباري نطرق باب دنيا أخرى من دنى الإبداع اللا متناهية الذي هو أحد فنانينا وكتابنا المبدعين الموهوبين، وهو ينحت منذ زمن طويل، من صبره الحديدي، ومثابرته الدءوب في القراءة والكتابة والحياة، محراثه ويحده بكثير من الجهد والجدية، والكثير الكثير من التأني، وعدم استفحال الشهرة،لا ليحرث فوق أرض هشة.. رخوة، مزقتها محاريث الكثيرين وباتت بوسع الجميع حراثتها، وإنما يحفر فيها..ويترك عليها آثاراً عميقة..فموهبته وطاقته الإبداعية أفعمت أكثر من ارض وغرست أكثر من شجرة..وزرعت أكثر من زهرة فقد كتب منذ زمن غير قصير، المسرحية والشعر، وقصيدة النثر، والقصة القصيرة، والدراسة النقدية والبحث الأدبي، ومارس التصوير الفوتوغرافي وهو اليوم أحد ابرع المصورين وأبدعهم. كما مارس التمثيل..في أكثر من مسرحية..والإخراج لأكثر من مسرحية..ولأن الرجل مسكون بالإبداع..مجنون به لا يستقر فوق أرض، ولا ينزرع في حقل. وان قلقه الزئبقي يدفعه، دائما إلى البحث عن ارض جديدة..والاحتراق في نار التجريب..التي لا تهمد.

كل هذا في صمت جليل، وبعيدا جدا عن الادعاءات والتبجحات واللهاث وراء النجاح المزيف الرخيص، وإذا كانت الأرض التي يقف فيها،اليوم، أمامكم ليست من مكتشفاته وقد سبقه إليها مبدعون آخرون..وإذا كانت حراثته فوقها ليست رائدة في معالجتها فيكفيه أنه حلج هذه الأرض، ووسع مساحاتها..وغرز فيها محراثه أبعد..وأعمق..وأنبت فيها..زهوراً..أكثر..وأجمل..فالانباري وأنا  أتابعه، منذ زمن طويل بشغف ومحبة قد كرّس جل كتاباته في هذا الاتجاه، أغنى المسرحية الصامتة، مستفيدا ومتعلما بتواضع كبير،من تجارب الذين سبقوه..و..مضيفا إلى جهود أولئك..بثراء..وأصالة..وهو هنا..بأقدامه على قراءة هذه النصوص* لا يكتفي بقلب ما قيل ويقال بان المسرحية ليست للقراءة وإنما يسير خطوة أوسع وابعد..إذ يدعونا إلى الاستماع إلى المسرحية..والاستمتاع بهذا السماع..والسماع عادة خارج الموسيقى والرسم لا يخلو من الملل فكيف بالمسرحية. إنها دعوة إلى الرؤية بالأذن، وإذا كان بشار قد جعل الآذان كالعين توفي القلب ما كانا.فاننا نأمل في قراءة صباح..أن تستحيل آذاننا عيوناً..توفي الحواس كلها..ما كان..أو يكون..إننا أيها الإخوة بصدد رؤية سمعية إن صح  التعبير وان لم يصح فأمام رؤية..فلندعه يفتح عيوننا عفوا، آذاننا لنرى ونتخيل ونتصور، ويحقن قوانا الذهنية..وأخيرا.أحببت أن لا أتحدث عن المسرحيات احتراما لصمتها الذي  لاذت به، ومن الصمت ما هو ابلغ من الكلام فلم أعرها لساني لأني واثق أنها بالرغم من صحتها وربما بسبب صمتها تملك لساناً بل السنةً أطول من لساني واقدر على الحديث عن نفسها. وأيضاً. لأني لم أرد  أن احرم المشاهدين ـ عفوا المستمعين ـ لا بل المشاهدين متعة المشاهدة والمعاينة..بـ الأذن.

 

نشرت في:

-         صحيفة أشنونا ـ التأريخ ـ 13/6/2001 ديالى

              - مجلة المشهد ـ العدد 5 ـ التأريخ ربيع 2001 ذي قار