ارتحالات صباح الانباري في ملكوت الصمت

د. فاضل عبود التميمي

جامعة ديالى

  مما لا شك فيه أن الصمت ليس لغة مجاورة للغة التصويت،وإنما هو جزء من اللغة نفسها،من خطابها القائم على ثنائية: الصوت: الصمت،بمعنى آخر أن اللغة،أي لغة هي حيز صوتي قائم على بنيتي: الظهور: الغياب،ظهور الصوت،ومن ثم غيابه

 هذه المقدمة على قصرها أسوقها للتقديم لفن (البانتوميم) أي التمثيل الصامت القائم على:(أداء التمثيليات بلا كلمات،والاعتماد على التعبيرات الصامتة من خلال حركة الجسد أو المواقف الصامتة في المسرحيات) معجم المصطلحات المسرحية: د.سمير الجلبي:170 دار المأمون 1993.

 والبانتوميم مسرح أو نص لا تغيب اللغة فيه، فهي مجموعة من (القراءات) المتلاحقة، و المفعمة بالدلالات القائمة على حركة اليدين مثلا،التي ترشح فهما يحيل على معان معروفة،و كذلك حركة الأرجل التي يمكن تحليل طبيعة تشكلها في النظر،أي بصريا أما حركة الرأس فهي في كل لغة صامتة تقترن بالكلمتين الشهيرتين: نعم، أو لا فضلا عن أن تعبيرات الوجه: الحاجبين، والعينين،والأنف،والفم تشكل مجتمعة،ومنفردة لغة يمكن فهمها،وتأويلها،و الاتفاق على دلالاتها،ناهيك عن حركة الرقبة التي تطول،وتقصروتدور،وتميل،وتنحني،وتستقيم تبعا لما تريد أن تقول لغة(الصمت)، أما قوام الإنسان فهو مروض على دلالات معروفة.

 أما ما يحمله الممثل من أدوات،وحاجيات فهي مكملات استنطاق النص في المسرح الصامت و قديما أشار الجاحظ(255 هـ) إلى أن العرب كانت تخطب بالعصا،والمخاصر وتعتمد على الأرض بالقسي،وتشير بالعصي و القنا، حتى كانت المخاصر- و هي جمع مخصرة ما يختصره الإنسان فيمسكه بيده، من عصا،أو مقرعة،أوعكازة أو قضيب- لا تفارق أيدي الملوك في مجالسها (البيان و التبيين:1:370) أيمانا منها بأهمية تقريب اللغة و الاعتماد على إشاراتها،وربما كان الصمت على رأي معاوية أوفق من الكلام و قديما قالت  العرب كل صامت ناطق من جهة الدلالة (كتاب الصناعتين:24) و الاشارة عندها معنى بليغ، و البلاغة عند  ابن المقفع: اسم لمعان تجري في صور كثيرة، منها ما يكون في السكوت، و منها ما يكون في مسائل أخر، و السكوت يسمى بلاغة في حالة لا ينجع فيها القول، و لا ينفع فيها إقامة الحجة، أما عند جاهل لا يفهم  الخطاب، أو عند وضيع لا يرهب الجواب، أو ظالم سليط يحكم بالهوى (كتاب الصناعتين:23)، و هي- البلاغة- عند خلف الأحمر(180هـ): لمحة دالة (العمدة:1:242).

  روى الجاحظ: أن خطيبا قام على سرير الاسكندر حين موته، و هو يقول: الاسكندر كان أمس انطق منه اليوم،وهو اليوم أوعظ منه أمس،في إشارة ذكية إلى حكمة الصمت و يعلق الجاحظ: متى دل الشيء على معنى فقد اخبر عنه و إن كان صامتا،و أشار إليه و إن كان ساكتا، و هذا القول شائع في جميع اللغات، و متفق عليه (البيان و التبيين: 1:81).

  إن المسرحية الصامتة تعتمد في إيصال خطابها على جملة من الوسائل لعل من أهمها (الحركة) التي تصف أفعالا لتقول أقوالا،و لهذا تتعدد طرائق الاتصال بها، فهي عملية (ترويض) للجسد تعقبها حالة من الشد، و الارتخاء، و الانبهار التي يصبح فيها (الجسد) كائنا قابلا للنطق، و منفتحا على فاعلية القراءة الواعية للصمت نفسه بوساطة حاسة البصر التي هي أقوى الحواس كلها.

  إن الأداء المسرحي الصامت في (ارتحالات في ملكوت الصمت) مسرحيات صامتة لمؤلفها صباح الانباري، والصادرة عن دار الشؤون الثقافية العامة في بغداد العام2004،تحيل على نص مجرد من التصويت إلا في مكملات العرض التي اقترنت في مسرحيات الانباري بـ ( اطرق النار، و الموسيقى، و أصوات الطبول، و الأصوات الكورالية، و موسيقى المارش، و الصراخ، و هديل الحمام، و الأصوات الحيوانية، و ضرب الاسواط، و الضرب على الأرض، و غيرها) ، و لكنه- نص الانباري - على الرغم من (صمته) يقدم دلالات مرقونة تقدم صورة ناطقة بوسائل بصرية مؤطرة بزمان مجرد من التحديد، و مكان

  إن هيأة الممثلين، و لباسهم، و حركاتهم، و إشاراتهم في نصوص الانباري الصامتة تنفتح على اكثر من هامش،وتحاور اكثر من متن و تأخذ من انساق الحياة حرية التعبير لتدين و تدعو للتغيير،وهي توثق جوهر المشكلات التي عاشها الإنسان المعاصر: الوحدة، و الألم، و الاغتراب في المكان، فضلا عن مشكلة الوجود في بعدها الفلسفي الشفيف.

  إن الانباري في مسرحياته الصامتة الإحدى عشرة وفق في كتابة لغة مسرحية صامتة هي جزء من اللغة المسرحية الكبرى القائمة على توالي التصويت و التصميت،واذا كان التصويت في مسرحيات الانباري قد أشرنا الى فاعليته المكملة للغة،والعرض فأن التصميت قد انفتح على حركة الكهول الثلاثة،وحملة التابوت،وامرأة التابوت، فضلا عن حركة الألوان: الأحمر،والأزرق،والأصفر،والضوء ممثلا بالمصباح،والشمعة في المسرحية الأولى (الالتحام في فضاءات صماء) ، أما مسرحيته الثانية (محاولة لاختراق الصمت) فقد تجسد صمتها في الإضاءة و حركة الرجل ذي الملابس البيض،وحركة الرجل ذي الملابس السود،فضلا عن حركة الرجال البشعين،وظهور رقعة الشطرنج،فيما تمثل الصمت في المسرحية الثالثة (ابتهالات الصمت الخرساء) في الضوء و مجموعة الرجال،وظهورمجموعة من النجوم والكواكب، وكان الصمت واضحا في فضاءات المسرحية الرابعة (الهديل الذي بدد صمت اليمامة) من خلال رؤية المرأة،والأضواء، والقضبان الحديدية،وحركة الرجال الثلاثة،وكان نفسه ممثلا في المسرحية الخامسة(حلقة الصمت المفقودة) في حركة رجل وتابعين،ومجموعة ذئاب بشرية،و كلاب و ثعالب بشريتين،فضلا عن راقصين،ومهرجين من القردة،ورجال  آخرين،أما المسرحية السادسة (سلاميات في نار صماء) ففيها من صمت المرأة و الرجل،والرجال الثلاثة،و الإضاءة، والتماثيل شئ كثير،وكانت شخوص مسرحيته السابعة الصامتة (هرم الصمت السداسي) ممثلة في سجين وثلاثة أشخاص،وامرأتين،وثلاثة عسكريين،وشياطين ثلاثة،ومكعبات، فيما كان الصمت واضحا في المسرحية الثامنة (شواهد الصمت المروضة) في حركة رجال أحياء،و رجال موتى،وأبناء،وشاب متمرد،وأضواء، كذلك في المسرحية التاسعة (أزمنة صاحبة القداسة) كان مقترنا في حركة الكاهنات، والفتى،ومجموعة الرجال والنساء،والملابس السود،أما مسرحيته العاشرة (تجليات في ملكوت الموسيقى) فقد بان صمتها في هيأة رجل،وامرأة،و طفل، وأمير،وجنود،وشبح،وأضواء،فيما كان في المسرحية الحادية  عشرة (حجر من سجيل) مثلا في الأضواء،والهيكل،والنجمة السداسية أما عنوانات المسرحيات فقد كشفت عن هيمنة الصمت في مفاصلها: دلالات و رؤى،فكأنها والحال هذه مصبات تجري الدلالة في عروقها بدءا من العنوان،وانتهاء بالخاتمة صمت، صمت،ليس سوى صمت،ولكنه صمت ناطق بالقصد،            والحركة،وإغراء العين

 وبعد فأن المسرح الصامت يتجاوز في خطاباته كيانات الدول المتفاهمة عادة بلغة واحدة، ليحلق عاليا في فضاء الإنسان أي كان.

 

نشرت في:

          - صحيفة الأديب ـ العدد 47 ـ التأريخ 10/11/2004 بغداد