صباح الأنباري: نفوس معقدة ومسرحيات بسيطة

 د. صالح الرزوق  

 توطئة:

    لو أن المسرح مثل القصة، يتألف من تمهيد و حوار و عقدة و خاتمة، وهو مبدأ كل الدراما منذ أول مسرحية إغريقية وحتى بدايات العصر الحديث، فإن صباح الأنباري يبدأ من نقطة النهاية. وربما لهذا السبب تتألف مسرحياته من حوالي 1250 - 10000 كلمة فقط. وهذا شريط لغوي قصير نسبيا، ولا يعادل قانون الحوار الغائب.

و لو أنه يمكن اختصاره في حوار وديكور وأحداث متصارعة، فإن صباح الأنباري يشطب على كل تلك العناصر، حتى أصبح بمقدورنا أن نسأل: أين الدراما إذا. وربما لهذا السبب يقف في مجمل أعماله عند حدود تصوير الفكرة الفنية للمسرح وليس النظام المرتبط بوحدة المكان أو الخشبة.

من هنا يبدأ التركيز على الوحدات الأساسية التي تحرك هذا الفن وعلى رأسها القدر فيصوره بشكل تعويض معقول يضفي على ظاهرة الفاجع طابع الضرورة. ثم ينظر إلى الحرمان كأنه من طبيعة الموجودات، وهذا ينطوي على إذعان مطلق لفكرة الضرورة في وعي المأساة، وعلى حتمية القدر، حتى أن الممكن – أو وقائع كل يوم لا ترى خلاصا من الفاجع (كما يقول صدقي إسماعيل نقلا عن أرسطو) (1). و هكذا يكتسب العقاب مغزاه الموضوعي. وهذا يضع مسرحياته على خط المواجهة مع فكرة المسرح ومع أسلوبه المعروف ومع فلسفة اللامعقول التي فسرت بها أوروبا نتائج الحرب المدمرة الثانية. حيث أن النهاية تكون مفتوحة على احتمال واحد (وهو الخراب أو الموت بكل أشكاله: الانتحار، الشهادة أثناء أداء الواجب أو حتى بعقوبة الإعدام كما في مسرحيته حدث منذ الأزل).

و مع أن هذه المسرحيات توفر العناصر الخمسة الأساسية للدراما الجديدة: الصورة، القصة، الإخراج، الخطة المفتوحة، التكنيك الشامل، فهي تعقد قرانا بالتواطؤ بين المسرح اليوناني ومسرح اللامعقول وتحول النص إلى مربعات متتالية وتدمج عناصر التراجيديا (التي تفسر العنف والجريمة على أساس الرغبة) مع الأداء المظلم والمبهم. وهكذا تتحول المشاهد من تصوير صدام الإنسان مع الطبيعة والآلهة إلى تصوير صراع اجتماعي ضد قوة مجهولة لا نعرفها.

إن هذه المسرحيات تقترب من مفهوم الخسارة المقدرة على البشرية (بشكلها العام) وحسب المبدأ الأوديبي الذي يرى الواقع بصورة صراع مستمر بين غريزة الحياة وغريزة الموت. ثم إنها تحول العام إلى خاص، من خلال ربط الفاجع بجو الهزيمة العسكرية والوجدانية، وبلغة مركبة ومباشرة أهم مفرداتها مخصصة لتبكيت الضمير ولهجاء كل مظاهر الواقع المزري، ولتفسير الخراب على أساس فردي مثل غياب القائد البطل وانعدام الفرص والاستثناءات وموت الضمائر وما شابه. وهكذا يبدو الأسلوب لديه أقرب لمفهوم القصة الطليعية التي تترك مهمة تحليل الشخصيات وتركز على الوصف ومطلق الأفعال وتفسر الجوهر العابث للحياة بطريقة الفن الملتزم.

وأستطيع أن أقول إنه يشبه (من كل الوجوه) المرحلة الثانية في حياة وفن نجيب محفوظ، وبالأخص مرحلة اللص والكلاب وما بعدها. وإن أية مقارنة مع نصوص (تحت المظلة) تضعنا أمام البديهيات التالية:

1- الأشخاص من غير وجوه ولا ملامح خاصة. وهم يمثلون مطلق الإنسانية أو جوهرها، وربما صورتها ومعناها الشامل والعام.

2- و الأحداث دائما مشحونة ومضغوطة وفي حالة هجوم على حساسيات وجودية غير محددة.

3- والأدوات التي يحارب بها الإنسان القوة الشريرة ليست كافية، وضعيفة، وتتساوى مع الإرادة. أو مع مبدأ المقاومة الذي يسمى أيضا بمبدأ الحرب العادلة.

4- أما النهاية فهي على الأغلب درامية بامتياز. ولا تتحرك نحو مصيرها إلا بواسطة الفلسفة الداروينية المبسطة وأقصد بذلك حفظ النوع، و لكن بين الإرادة بالبقاء والرغبة بالسعادة المطلقة يتعثر هذا الكائن الضعيف ويقع فريسة لكل عناصر الظلام والقهر التي تسيطر على قلب العالم.

والمخطط التالي يبين كيف أن نهاياته وبداياته تختصر فكرة الدراما بفلسفة الموت حصرا:

مسرحية طقوس صامتة: تبدأ بفوضى و ذعر  و تنتهي بألسنة النار و هي تشتعل بكل شيء.

مسرحية حدث منذ الأزل: تبدأ بصفير العاصفة  و تنتهي بمشنقة حول رقبة رجل.

متوالية الدم الصماء: تبدأ بوجوه مرعوبة  و تنتهي بجمود الناس.

الالتحام في فضاءات الصمت: تبدأ بجريمة قتل  و تنتهي بجثث على خشبة المسرح.

قطار الموت: البداية موكب مع موسيقا تنذر بالخطر  النهاية جلادون و دماء.

أما المؤشر الأهم فهو في الشخصيات، وهي على نوعين: إما نهارية وذات سلوك (تواصلي) له دور في تراكم الخبرات والأداء والمعرفة، أو أنها عامة وشاملة، وترادف بمعناها الغرائز الأساسية كالجوع والموت والحياة والرغبة الجنسية وسوى ذلك. بمعنى أنها حامل، أو رمز، و قيمتها تنويرية. إن معدل الشخصيات الرمزية في هذه المسرحيات مرتفع بالمقارنة مع شخصيات المعاني كما يلي:

في طقوس صامتة: عدد شخصيات المعاني (10) والشخصيات الرمزية (2) فقط. في حدث منذ الأزل: تصبح النسبة 7 مقابل 4. في متوالية الدم الصم: 4 مقابل 3. في الالتحام في فضاءات الصمت: 5 مقابل 3. في قطار الموت: 7 مقابل 4.

 لذلك إن شخوص المعاني تتخطى عكسها بالمعدل أو المتوسط الحسابي، و الذي يتراوح بين 0.20 و 0.75، و غني عن القول أن الحد الأقصى للمعدل يبلغ الوحدة الصحيحة (الواحد).

لذلك من غير الممكن أن تجد في عموم هذه المسرحيات إشارة خاصة واحدة لأفراد متميزين لهم نشاط جزئي، وهي دائما ترفع الصورة والجملة الهادفة والمركبة، وأحيانا المباشرة بغاية التصحيح، ولتحويل الصورة من معناها الجامد، المرسوم بشكل أشخاص ومشاهد يابسة لا تتحرك وتقف تحت الضوء وتحت وابل من الموسيقا، إلى أداء. وأوضح مثال على ذلك مسرحيته (قطار الموت) حيث أن الحل الوحيد المقبول لكسر السكون هو في الالتزام بخطوط وهمية تشبه خط القطار الحديدي، وهي التي ترسم للأشخاص كل حركاتهم وأفكارهم (2). وهكذا يتحول الموضوع لديه إلى مضمون، فيعبر بتسلسل الأحداث عن حالة بشرية أو موقف إنساني، وطبعا من خلال العواطف السامية كالتأسي والتفجع والاغتراب. وذلك لتحقيق هدف متفق عليه في الدراما: وهو التخفف من الأمراض ومن جوهر العجز البشري أمام سلطان القدر. ولكن مع إضافة بسيطة هي بأغلب الظن من منعكسات المدارس الواقعية بكافة أشكالها، وأقصد بذلك تجسيد إرادة المجتمع وضمير اللاشعور التواصلي العام كبديل مادي عن الإرادة الإلهية العمياء.

لقد أصبح بإمكان بسطاء الناس، كالشباب والنساء المغمورات، أن يظهروا على خشبة المسرح وأن يدلوا بدلوهم وأن يغيروا من الاتجاه و لكن ليس من النهاية. ووصلت نسبة هؤلاء في مجموع مسرحياته بين 0.8 – 0.9 من أصل واحد (3). و هكذا لم يعد من الضروري الاقتصار على أبطال اسثنائيين: ملوك يحملون صولجاناتهم ورهبان وآلهة. فالشخصيات هنا، مثل المضمون، حرة وطليقة ولا يثقل كاهلها الدرس المسبق للدراما بعظاته وقوانينه ورهاب مغزاه.

و مع ذلك إن نمط بنيتها هو الذي يحدد الأداء أو الدور المرسوم لها. فهي على الأقل تتألف من 3 أنماط:

1- الشخصية المباشرة: التي يمكن قراءتها بسهولة، ومن خلال تكنيك البلورة السحرية، بمعنى أنه لا بد من مشاهدتها مع قليل من التصورات والتفاسير.

2- الشخصية المضاعفة: و هي التي تنطوي على دور مناط بها، ولذلك يمكن تعميمها أو حتى ترميزها وبلغة السيمياء المعاصرة إنها عبارة عن واقع إسمي مجرد، و ظاهرة لنشاط قابل للتكرار، أو إشارة.

3- الشخصية الشاملة: و هذه تندمج مع الظواهر الأساسية لنشاط اللاشعور، ولا يمكن لها أن تؤدي إلا دور الغريزة العسير على التعريف، ولكن الذي يمكن الحدس به في منطقة تحت الشعور.

و هذا يفسر لماذا لا يوجد لديه اسم علم واحد، ولماذا تتقلد غالبية الشخصيات الاعتبارية (من النمط المضاعف والشامل) أل التعريف.

غير أن النمط لا يحدد طبيعة هذه الشخصيات. فهي تندرج أساسا تحت بند عريض هو اسم النوع، وهو لا يدل على واقع اجتماعي أو عاطفي، ولكنه يشير إلى الحالة الوظيفية التي ترادف معنى الدور في المسرح. والغريب في الموضوع أنها ذات اسم نوع مباشر. فالكاهن (في متوالية الدم الصماء) يحمل هذا الاسم مع أنه صفة أو وظيفة. ولا تضيف اللغة أية صفات مميزة أخرى، لا من ناحية الثياب ولا الجو العام ولا حتى الإيحاءات. وهذا شأن الجنود في مسرحية (حدث منذ الأزل) حيث تنعدم الأدوات المساعدة التي تعرّف بهوية العسكري ومنها البذة والبسطار أو أقله غطاء الرأس.

لذلك إن عدد موضوعاته منخفض وإن التطورات في القصة الدرامية لديه شبه معدومة. إن هذه الشخصيات (بمفردات رولان بارت عن البنية) هي من فصيلة " الذات - شخص" و لو تعددت أسماؤها، فالملك حامل التاج هو نفسه الرجل الذي يضع نظارات سوداء ويحمل العصا، والكهول حاملو الصولجان هم أنفسهم الكهول حاملو الهراوات (4). إنهم السلطة الغاشمة ولكن بأزياء ورموز متنوعة.

و باعتبار أن جنس الشخصية علامة تحمل في طياتها بعض الدلائل نلاحظ أن عدد الذكور بالمقارنة مع الإناث يبلغ عدة أضعاف. ففي خمس مسرحيات صامتة يبلغ العدد الإجمالي لذكور الدرجة الأولى 25 مقابل 8 فقط من الإناث (5). و أعتقد أن هذه معلومة ذات قيمة، إنها لا تضع في حسبانها أن النساء هم نصف المجتمع، لأنها لا تهتم أصلا بالموضوعات الاجتماعية، و لا حتى بالمكائد والدسائس التي تدور في المكاتب والقصور وتستخدم فيها النساء، ولكن بموضوعات الحروب المدمرة التي تدور رحاها في الميدان. وبهذه الطريقة يتحول الصراع إلى مواجهة بين العناصر والأنظمة: كالمدينة بصورة ضرورة عامة والطبيعة بصورة هروب رومنسي من القيود، أو الماضي بشكل علاقات جامدة والحاضر بشكل مفاجآت وخوارق لا يمكن تفسيرها.

باختصار إن دراما صباح الأنباري ليست قصص أشخاص ولكنها طقوس لحالات، وهي ليست بحثا في أسباب سقوط الأشخاص في الرذائل (كما هو الحال في المدارس الواقعية) و لكنها اهتمام عام بحدود مشاكل هؤلاء الأبطال المساكين، و من هذه الحقيقة لا تتوفر هنا تفاصيل الدراما المعروفة وعلى رأسها: أبطال يتورطون مع الحبكة وانعطافات الحبكة(reversals بلغة المعلم الأول أرسطو). ويضعها ذلك على قدم المساواة مع كل تقاليد القصة المضادة: حيث أن البطل يختفي والشخصية المحورية تموت وخيط الأحداث ينقطع ليقدم لنا العالم نفسه من خلال أشيائه ومن ضمنها الإنسان باعتبار أنه في مرحلة تشيؤ وعطالة عاطفية وطبقية. حتى أن السرد يصبح أشبه بعين كاميرا تبصر ولا تحلل، و تنقل لنا بحيادية تامة ما يدور حولنا دون أن تتدخل في التعليق على مايجري.

و بالترابط مع ما سلف لا توجد علاقة ودية بين مسرح صباح الأنباري والأحداث الجسيمة التي تعصف بالأمة. وباستثناء نص يتيم واحد عن المقاومة الفلسطينية (هو حجر من سجيل - 6) لا نسجل ولو إشارة واحدة عن أثر الأزمات التي تضرب المنطقة. ويبدو أن أسلوبه يقترب من مفهوم الدراما الأصلية التي تحمل أعباء ما يقول عنه الأنغلو ساكسون(aftermath).

إنه يقدم وجبة دسمة وأصيلة من المشاعر وهي في منعطف حاسم أو منعطف تجريدي يصلح لكل الأزمنة وكل الأمكنة. وهذا يضعه عند المفصل الحساس من المفهوم الأساسي لفن الدراما: أن يفسر المشاعر البدائية وما تنطوي عليها من عبث ولا معقولية واغتراب (كما يقول في كتابه الصوامت)(7).

و هذا بالضبط ما قام به الإيرلنديون بعد الحرب الثانية ابتداء من جويس وانتهاء ببيكيت، حيث أن الموضوع هو المهم والشخصيات مجرد ظل لوجودهم الطارئ وغير القانوني، فهم أبطال بلا قدرات خاصة، ويرزحون تحت أعباء مجتمع مهزوم وخاسر، وفي نفس الوقت محرومون من القدرة ومن تحديد الاتجاه. لقد أصبح البطل عبارة عن شخص أمام مسؤولياته العامة وأمام لغزه الجوهري وغالبا في حالة تكهن أو انفصال ودهشة لاكتشاف معنى العلاقة الشائكة بين الإنسان وجوهره، وربما لاكتشاف معنى الضرورة. وهنا وجه المفارقة: أن يتحول جبروت الطبيعة، وضمنا المخيلة، إلى فاصل صامت، وبلغة الفكر السياسي إلى إضراب عن الكلام.

لقد وفرت الدراما الإيرلندية لصورة العالم والإنسان شيئا من الحساسية العنيفة، وكانت دليلا على عمق و أصالة المعاناة بكافة أبعادها: من الناحية الأنتروبولوجية (مفهوم العرق)، ومن الناحية المذهبية (مفهوم الطوائف)، وأخيرا من الناحية السياسية (مفهوم الدولة). وأعتقد أن خلاصة أعمال صباح الأنباري تصب في هذا الحوض المعرفي والعاطفي بعد التخلص من المقدمات والدخول مباشرة في العواقب (الـ aftermath). فهي تفسر آلام الصورة المكبوتة التي دخلت في طور البحث عن التطابق. وبعبارة أخرى: إنها تحاول تخليص الروح من أدران الأفكار المسبقة والتي نعزوها لخصوصيات الصور الجزئية.

ومن هنا يبدأ الانفصال عن مسرح اللامعقول بصيغته الإيرلندية ويقترب من الأسلوب العام للقصة المضادة، ويمكن تمثيل ذلك بمقارنة بسيطة بين (متوالية الدم الصماء) و (في انتظار غودو) كما يلي:

-  في المسرحية الأولى: يبلغ عدد الشخصيات 3 و هي مذكرة و بلا أسماء علم، ومكتملة ولا يمكن لها أن تنمو، وتحمل الخصائص الوظيفية للنوع (مثلا الملك هو مجرد حامل لمعنى التسلط و ليس لمعنى العقد الاجتماعي والسياسي بين الرعية والقادة)، ولذلك إن النهاية مغلقة ونظيفة ولا تترك مجالا للاستفسار.

- أما المسرحية الثانية: فيبلغ عدد أشخاصها 5 و هم أيضا من الذكور فقط و لكنهم يحملون أسماء علم. و مستعدون للتطور و يعكسون مآل الحالة النفسية (فحالة الانتظار ترادف معنى الترقب أو الأمل). ولذلك إن النهاية مفتوحة على شتى الاحتمالات .

لم تحمل شخصيات صباح الأنباري جينات شكسبير المضطرب والمحموم، ولكنها كانت ذات نفوس معقدة. ولذلك لا يمكن أن نربطها بنمط الانتاج الإقطاعي الذي خرجت من معطفه دراما شكسبير بألوانها القاتمة، وكأنها درس يلقيه في الظل عن التطورات المكبوتة لمجتمع القرون الوسطى، حيث أن الأمير هو البطل الشعبي الذي يبشر بالخلاص، والذي يتركب من دائرة نصفها واقع ونصفها الآخر خيال لا يتحقق. ونحن لا نستطيع أن نضعها في زمرة الأفراد أو أعضاء المجتمع المعاصر والضال، أو حتى أعضاء الأسرة الحديثة لأنه لا يعكس الحالة الحقيقية لأبطال البورجوازي التائه دانييل ديفو مؤسس شخصية روبنسن كروزو الباحث عن حريته وعن ذاته المفقودة. وهذا ينطبق أيضا حتى على أبطاله في المسرحيات العادية الناطقة التي توظف الغرائب والمعجزات مع استنتاجات عامة للتعبير عن أمراض المجتمع وانعكاسها على الأفراد. وهكذا يتحول الواقع إلى ملعب لطبقة واحدة هي البورجوازية الصغيرة التي لا تتعرف على نفسها ولا على أرشيفها، ويتحول النص ليكون مرثية ممتازة لأبطال غير معروفين ومن طبقة منقرضة أو أوشكت على الأفول، وحان الوقت لأن تحسم أمورها.

و قد وفر له ذلك عدة منافذ للعبور من إمكانيات الخلاص إلى حتمية الدراما بكل ما تتضمنه من مصادر للرعب والخوف والتي تفرض علينا أساليب التطهير المعروفة. وهذا وضعه أيضا على مفترق الطرق: بين متطلبات الواجب ومتطلبات العاطفة، أو بين ضرورة الانتماء والرغبة بالتصعيد. ولكنه كان يلتف على ذلك بواسطة أدوات فنية مساعدة وهي: التركيز على المخيلة – بكل ما لديها من إمكانات وصور لا يمكن تفسيرها، ثم بالإطناب والمبالغة للتغلب على شروط المحاكاة ومبدأ السببية كما هو الحال في كل أدب العالم الثالث وأدب المنافي. وبذلك يزود مؤلفاته بالعناصر المطلوبة في الأدب الملتزم: وهي التعبير عن مشاكل المجتمع المحلي، وفي نفس الوقت الاتصال بهموم ومعاناة الجيل الضائع والغاضب الذي تعامل مع نتائج الحرب العالمية على أساس كوني وغير معقول، ثم بدّل مبدأ التطهير إلى سلوك تصوفي غامض وإلى مشاهد تجريدية لا تعترف بحدود المعرفة. حتى أن الصراع أصبح حربا ضد المكونات وضد الذات، أو بالأحرى ضد الماضي والخبرات الشخصية السابقة. وهذا ساعده على الاقتراب من الهدف المنشود وتصوير تجربة الأفراد الخاسرين (ويمكن أن نقول المهزومين المصابين بلعنة هذا العصر الجاف والجامد) ورسم حدود التجربة الوجودية لعالم متهور فقد رشده وانحدر في طريق العنف والدمار وتفكيك ما تبقى من تماسك وتوحد مع المجتمع والواقع. وبذلك ضرب عصفورين بحجر واحد: انفصل بالمضمون عن الواقع النفسي المزري ورفع راية العصيان ضده. وبلغة مباشرة: انضم لصفوف الطليعة الصامتة.

و هذا يفسر لماذا يعتقد صباح الأنباري أن الإنسان يعقل بصريا أكثر مما يعقل سمعيا (8). و لماذا تبدو بعض مسرحياته أقرب إلى سيناريو من غير حوار. ولماذا يتهرب من تصنيف أعماله.. أين يجب أن نضعها فنيا. وبهذا الخصوص يؤكد أنه يكتب من وحي الفكرة وليس انطلاقا من مؤثرات تعتبر مكونا أساسيا أو مرجعا. ويقول بهذا المعنى في رسالة خاصة بتاريخ29 – 7 – 2011: إذا لم يكن من حقه أن يزعم أنه مؤسس لھذا الجنس الفني، هو على الأقل عمل لتطویر ما وصل إليه من سبقه و هم نفر يعد على أصابع اليد. ولذلك قلده النقاد وسام الريادة. و يعود للتأكيد على نفس الموضوع في كتابه الصوامت ويقول: إن مسرحياته تفتح الباب لجنس فني جديد لا ينتمي لأحد.

و بالفعل إنه يبتعد عن كل أصول التمثيل غير الناطق. فهو لا يدين بشيء للسينما الصامتة (بنموذجها الأمريكي الذي فتح له الباب الشارلو وبنموذجها الفرنسي الترفيهي والتربوي الذي يمثله فردينان)، لأنه يستغني عن الحوار المكتوب والمسموع. ويحول الموضوع من مجال المشاهدة والاندماج مع الذهن العام والمشترك إلى مجال النشاط الخاص الذي يقود إلى الفراغ المعرفي وإلى التورط في مشكلة العالم الغريب والمجهول والمنفصل عن دوافعه ومنطقه، وهذا يرفع المضون من مستوى رقابة وتهذيب إلى مستوى تكوين وبنية، ومن دائرة أخلاق وسلوك إلى دائرة شعور وغرائز، كما فعلت الواقعية السحرية بالمبالغة في الأحداث والوقائع من أجل ترسيم حدود علنية لواقع لا يمكن تفسيره أو حتى تجريده ولكن يمكن الاندماج به وتأويله بطبيعة الحس الميتافيزيقي الذي يرى شوبنهاور أنه يدل على الدهشة أمام الموت والاندثار (9). وهذا يتحقق ضمن إطار المعنى الدرامي للمواقف ولكن ليس العلاقات.

و بالمثل يحاول صباح الأنباري أيضا أن يصنع فجوة أو فراغا، ولنقل قطيعة معرفية، مع البانتومايم. فهو لا يكتفي بممثل واحد، ولا يسرف بالألوان والأزياء، و لا يهتم بالأفعال المفردة التي لا تغير العالم، ولا تشتبك معه، ولكن يهتم بالحوار الممنوع، وبإمكانياته وضرورته. وفي نفس الوقت بحدود النشاط الألسني المكبوت الذي لا يتسع لأحلام الأفراد فما بالك بأحلام البشرية (كما ورد في كتابه الصوامت) (10).

إن البانتومايم فن حلولي، يترك مساحة للطرف المعاكس في ثنائية الأداء والرقابة، ولكن المسرح الصامت من غير فراغ. بلا هوامش. ولا يمكن أن تتمفصل مع خطابه (كما يحلو لفوكو أن يقول)، وهو يحمل كل أعباء فن المسرح، وخصوصا التطهير وتهويل القيود الناجمة من نشاط اللغة ومعارضة مبدأ الحرية في الواقع، وبالتالي الاستدلال على معنى التحدي الذي تفرضه قيود روابطنا البشرية، ولهذا السبب يلعب دور مرآة عاكسة لما يجري وضمن إطار ضخم (والدليل على ذلك مسرحية الالتحام في فضاءات الصمت) (11) حيث أن الشخص الأساسي - البطل يتعرف على صورته من خلال الخيال المطبوع في المرآة وليس من الخبرة المادية ولا من الارتباطات مع المجتمع. بمعنى أنه يتعرف على هويته في وسط محايد لا يعقل، وكأنه يبحث عن نفسه بمكوناتها الهيدجرية، أو بمستوى الحدس المربوط بالعقل الصافي وغير التجريبي. وهذا أيضا يبرر لماذا أبطال مسرحياته من صنفين: أشخاص بلحم و دم، وصور وخيالات وظلال لأشخاص هم رهن الانتظار لحلول إخراجية. ولماذا إن لغته من طبقتين: تميل للسرد من جهة، وتطنب في الوصف من جهة أخرى، وتنطوي على إشارات ملتبسة ومركبة، ولا تستخدم الأشياء للتعبير عن الأبعاد الرمزية لمعانيها، كالمسدس الذي يرمز إلى القتل، والوحش المفترس الذي يرمز إلى التجبر، والظلام الذي نفهم منه الخوف وما إلى ذلك. إنها إذا تقدم أدوات مساعدة تضع تفاصيل الموقف الدرامي في سياقه وبجو كنائي أو استعاري وغير مباشر. وضمن هذا البند تدخل عبارات و صور وحالات من باب التمثيل المضاعف، حيث أنها ذات معنى ثم ذات مدلول: مثل الوجه وعلامات الأمل والخوف، أو مثل الرعب واحتمالات الخطيئة (12). وهو يترجم ذلك عمليا بشكل واضح في مسرحيته ابتهالات الصمت الخرس والتي تقدم على خشبة المسرح منذ المشهد الأول قادما جديدا " يرتعب خوفا من ارتكاب الخطيئة " (13).

وأعتقد أن هذه الظاهرة (توالي المرادفات كالرعب والخوف في جملة لا تكاد تصل إلى خمس كلمات)، هي إحدى أهم الصفات النوعية لعموم مسرح صباح الأنباري. وكذلك الأمر بالنسبة لربط المؤكد بالظرف المشروط (كتفسير الخوف باحتمال الخطيئة)، وهو ما لا يمكن أداؤه ولكن يجب الإبلاغ عنه.

و لو أضفنا لما سبق الظواهر الخارقة في الأحداث أو حتى في طريقة تسلسلها (كهبوط رجل من نجمة، أو ظهور كلاب وذئاب بشرية على المنصة، أو دخول رجل في تفاحة كبيرة) (14) تبدو الحاجة ملحة للحلول الإخراجية.

و أعتقد أنه بإمكان المخرج الاستفادة من تقاليد المسرح الإغريقي الكلاسيكي لهذه الغاية، فهو مسرح حكاية مفجعة وله هدف تربوي وفلسفي. ويعتمد على تكنيك يمكنه ملء الفراغ الذي يتركه النص. ومن ذلك الأقنعة والأزياء واللوحات المناسبة التي توضع في الخلفية، وربما الراوي والجوقة وهلم جرا، مع الديكور الذي يهمله النص ولا يذكر عنه شيئا. وهذا يفتح الباب على مصراعيه لكتابة نص بصري بالانطلاق من لغة ومفردات النص المكتوب.

ولذلك إن الرهان يكون بالشكل الآتي: إلى أي درجة يمكن أن تقاوم المسرحية المكتوبة أخطار الفناء وتتحدى رغبة المخرج في التحوير وفي تبديل المفاهيم والرسالة. وهل يمكن للصور والتخيلات العجيبة التي لا تمتلك أدوات سحرية أن تتحول إلى تكنيك مسرح القسوة (بمفهوم أنطونين أرتو) لنقل مشاعر الدمار وغريزة الموت بكل أشكالها السادية فقط لتوصيل رسالتها عن مجتمع النكبة. والإشارة هنا ليس إلى حالة منطقتنا وشعوبنا بعد عام 1948، ولكن أيضا إلى حال أوروبا بعد انشطارها في أعقاب الحرب الثانية وسقوط الضمير الأوروبي في أوحال شرق – غرب، ونظام رأس مال الدولة ورأس مال السوق.

بهذه الطريقة يقترب صباح الأنباري من كل إشكالات المسرح الصامت، الذي هو بالأساس مسرح طليعي فكاهي الغاية منه إلغاء المسافة بين الشعب والدراما. ولكنه بسبب التأكيد على ضرورة التأويل وتفكيك بكائيات العاطفة الحزينة والصور المرتبطة بها، يخرج من هذه الدائرة، ويعود إلى المربع رقم واحد.. بناء مسرح نخبوي يحتاج لذهن مستيقظ ومستعد، تأويلي قادر على المرور في حقل الألغام، أو كما يقول ألان تورين على هضم الخوف الموجود في إنسانية تتطور خارج الأفراد، اللهم إلا إذا كانت هي المجتمع نفسه (15)..

 

.....................

هوامش:

1 - صدقي إسماعيل. المؤلفات الكاملة. المجلد الأول. مطبوعات وزارة الثقافة. دمشق. 1977.

2- ارتحالات في ملكوت الصمت. منشورات دار الشؤون الثقافية. بغداد. 2004. المقدمة ص 6.

3 - انظر مقدمة كتابه الأخير الهام (الصوامت) والذي يتألف من مقدمة وعدة نصوص صامتة وعدد من الدراسات عن تجربته. 2011. و في طقوس صامتة و هي مسرحية منشورة في جريدة الثورة العراقية العدد 8396 بتاريخ 28 – 1 - 1994 م، تبلغ نسبة بسطاء الناس 9 من أصل 10، و هذا لا يترك غير شخصية واحدة للبطل الإستثنائي و هو هنا السياف، و الذي يرادف معنى ابن إله، لأنه لا يقرر الأقدار من تلقاء ذاته، و لكنه ينفذ الإرادة الإلهية و يحمل أداة العقاب.

4 - كتاب الصوامت المتوقع صدوره قريبا. 2011.

5- الكتاب السابق. و تفصيل الأرقام كما يلي: طقوس صامتة 7 ذكور + 3 إناث، حدث منذ الأزل 3 ذكور + 3 إناث، متوالية الدم الصماء 3 ذكور، الالتحام في فضاءات الصمت 5 ذكور + 1 أنثى، محاولة لاختراق الصمت 7 ذكور + 1 أنثى.

6 - و هو مسرحية صامتة بعنوان حجر من سجيل.

7- مقدمة كتاب الصوامت. يصدر قريبا. 2011.

8- مقدمة الكتاب السابق.

- صدقي إسماعيل. المرجع السابق. ص 197.

10- مقدمة كتاب الصوامت.

11- مسرحية الالتحام في فضاءات الصمت.

12- من نصوص كتاب الصوامت.

13-مسرحية ابتهالات الصمت الخرس. مجموعة ارتحالات في ملكوت الصمت. ص 23.

14- من نصوص كتاب الصوامت.

15- ص 109 – نقد الحداثة لألان تورين. المشروع القومي للترجمة. مصر.1997.  

 

صيف 2011