أسئلة الجلاد والضحية

مونودراما تعاقبية وعرض متميز

 عبد الفتاح رواس قلعه جي

          

على مسرح برونو/أونتاريو قدمت الجمعية العراقية الكندية مسرحية "أسئلة الجلاد والضحية" تأليف صباح الأنباري وإخراج فاروق صبري.

وصلني فيديو العرض وأنا في حلب، واستمتعت بمشاهدته، ورأيت أنه يستحق الكتابة عنه على الرغم من أن كتاباتي عن العروض تكون بعد مشاهدتي إياها على خشبة المسرح، فهو يختزل جهداً كبيراً ودراية فنية جديرين بالإعجاب، ثم إن للصداقة حقها.

العرض تطبيق لما دعا إليه المخرج واختص بطرحه في الساحة الثقافية وسماه المونودراما التعاقبية(*) حيث يؤدي ممثل فرد في مونولوغ طويل دوره ثم يعقبه ممثل آخر ليقدم وجهة نظر أخرى تكون مغايرة غالباً، والموضوع واحد، وليس بينهما أو بينهم ديالوغ مباشر. وقد قام المخرج بتحويل نص الأنباري من العربية الفصيحة إلى الدارجة العراقية.

ما يطالعك في افتتاح العرض هو تلك السلاسل المدلاة من سقف المسرح، والأشرطة والحبال وأحدها ينتهي بعقدة مشنقة، وبارتشن بقماش أبيض خلف ويمين المسرح وآخر في اليسار لعكس مشاهد التعذيب، وحركات أخرى، وثمة أرجوحة وسط المسرح مدلاة ربطت بها الدمية (المانيكان) غير واضحة المعالم والتي تمثل الضحية في هذا الجزء وثمة سيادة للون الأحمر، لون الدم، في العديد من المشاهد.

الديكور (قحطان الأمين)  إذن موظف ومكافئ للمضمون الذي سنطالعه في العرض.

في الجزء الأول من العرض (مونودراما الجلاد) يقتحم الجلاد (غسان العزاوي) المسرح مخاطباً الضحية: "أنت أغرب واحد عذبته بحياتي كلها. صرت ما تصحى الا برذاذ الدم (يدور حوله) من آلاف السنين وانت على هالحال"

الجلاد يصور المتهم (الضحية) بأنه مازوخي يتلذذ بالألم والعذاب ويسأله مستنكراً: " ما اشبعت من الألم؟ ما هذه الشهوه العجيبة اللي تسيطر عليك"

هل كان هابيل مازوخياً يتلذذ بالموت؟ يقول الجلاد ناصحاً:"اسمع نصيحتي، تخلص من هابيلك"

ثم يؤكد له بأن القسوة والرأفة هما مهنته "القسوة والرأفة هما مهنتي"

ثمة التفاتة ذكية في النص حين يصرح الجلاد بمهمته القدرية، فلكل دوره في الحياة لكنه سئمها يقول: "نعم آني الجلاد (يشير إلى جمهور النظّارة) وانتو الضحيه لكن آني سئمت من دوري وانتو استمريتو على شهوتكم وكل واحد منكم شايل قابيل بين اضلاعه. إنتو اللي سويتولي وجود، وآني رضيت أصير مقبرتكم الوطنية المقدسة.. حقيقةً آني اسخر من فلسفتكم ونضالكم من أجل الحياة الحلوة السعيدة، ومن اجل اللي اتسموه فردوس الفقراء".

إذن للجلاد فلسفته الخاصة، فهو يسخر من المبادئ التي تسعى إليها الضحايا: فردوس مفقود وحياة سعيدة.

وينتهي الجزء الأول بخروج الجلاد من البوابة ذات الأنياب الحديدية ليتمرأى على البارتشن شبح الجلاد وهو يجلد الضحية كما البداية ويسود اللون الأحمر، لون الدم.

هذا الجزء يقدم الصورة التقليدية للجلاد: عنف، توتير، قسوة، سوط، تعذيب، لون الدم، .. مع شيء من فلسفة الجلاد. وقد اتسم دور الجلاد بالقوة والعمل على الطبقة العالية غالياً، مع بعض التلوين في الأداء والإلقاء ليحافظ على درجة عالية من الانتباه والجذب لدى المشاهد.

المفارقة الخارجية بين الجلاد والضحية (ميثم صالح) بدت في الثياب: ملونة داكنة لدى الجلاد، وبيضاء مدمّاة لدى الضحية. ولكن لم تكن ثمة مفارقة في الكتلة (الجسم) ولو وجدت لكان أفضل، ولكن كان هناك مفارقة واضحة في أسلوب الأداء بينهما، حيث كان أداء الضحية أكثر ليونة وتلويناً.

في الجزء الثاني (مونودراما الضحية) ستفاجئك الأفكار التي تطرحها الضحية (ميثم صالح) والتي تختلف عما هو مألوف في كلام الضحية التقليدية، وهذا يجعل أداء هذا الجزء أكثر حذراً وصعوبة. فالضحية التي تخرج مشخصة من جلد الدمية وتتحول الدمية إلى مانيكان الجلاد تفاجئك بعلاقتها الأزلية مع الجلاد، فهو لا يكرهه: "أكو ابن بالدنيا يكره أبوه؟ اكو ابن يعتبر أبوه عدوه اللدود؟ اعرف انو هو جلادي الوحيد اللي ما اتخلّا عنه طول العمر مهما بالغ بتعذيبي". حتى إنه يشك بأنه جلاد، لأنه من ذريته، ذرية قابيل، وهابيل لا ذرية له " تعتقدون هو جلاد فعلاً؟ طيب.. سألتو نفسكم ولو مره وحده، ليش يشعر بينا نازلين من ظهره؟ وليش يعتبرنا من ذريته؟"

ثم يؤكد وكأنه يدافع عن الجلاد بأنه محق في ارتباط الوجودين بينهما، نافياً عنه صفة الإرهاب "هو محق باللي گاله عن وجوده المرتبط بوجودي آني اللي انطيته إسم، وصفه، وهويه، ويقول: كونوا على ثقة هو مو ارهابي أبداً.؟. ولا من مصاصي الدم، ولا من الحاملين لفايروس الارهاب السياسي، والديني"

إذن ما ذنب هؤلاء الضحايا؟

 ذَنِبْهُم الوحيد أنهم اختاروا الحياة الحرة فكوفئوا عليها بالموت والترحيل.

بعد هذه الأفكار لا نستغرب بأنه يراقص الدمية (الجلاد)

ويتحدث في المشهد عن آخر انفجار شهده وعن بركة الدم التي خلفها والأجزاء المبعثرة من الأشلاء، وعن الدواعش والقاعدة والطائفيين. ويؤكد حبه للحياة وأنه ليس ساعياً إلى الموت " آني أحب الحياة وما أريد يصير الموت وجه ثاني إلها".

هذه الأفكار تحتاج في إيصالها إلى قدرة فنية في التعبير، وأعتقد أن الذي قام بدور الضحية قد أجاد فيها إلى درجة جيدة، وكان للموسيقى في الجزءين دور في دعم وإيصال الأفكار المطروحة. وقد شكل الغناء (رهام صبري) في العرض محطة مريحة.

وأخيراً فقد اجتمعت في العرض عناصر فنية جعلته عملاً متميزاً.

...............................................................................

(*) المونودراما التعاقبية عملية تسعى إلى الخروج عن التقليدية في الكتابة والعرض، وعن الشكل والمضمون، وتسعى إلى تثبيت منهج درامي خاص يتجاوز القديم، ويجترح الجديد.