مسرحيات مفخخة//حين يكون المبدع أداة مجابهة//

محي الدين زنكنه في مسرحية (زمرة الأقتحام) أنموذجاً

تحسين كرمياني      

 

فيما يشبه التقديم:

يمتلك الكاتب المسرحي والروائي الكردي البارز(محي الدين زنكنة)الكثير من مقومات الشخصيّة الأنموذج، مما يمكن الاستعانة بها لتجسيد دور البطل في أي نص مسرحي ثوري يواكب الواقع ويعطيه زخماً حياتياً دافعاً، ليس قولنا هذا من باب التملق أو التجميل والمزايدات الثقافية الشائعة في ثقافتنا الحالية، فالدارس لإبداع هذا الإنسان لابد أن تستوقفه جملة خصائص هي هرم الرجال الأبطال، فهو متواضع يمكن الانتباه لهذه الخصلة من خلال عدم لهاثه وراء الأضواء، أو الترويج لما أسس من مكانة مسرحية نالت الإعجاب وحصدت جوائز الإبداع والتقدير في معظم المهرجانات المسرحية، وهو شجاع، لم يهادن أو يتزلف في تسويق أفكاره، كتب ما أراد كتابته، في أحلك الظروف التي مر بها المثقف العراقي ظل ينشر علناً أو تحت أسمٍ مستعار ما وجده سلّماً للارتقاء بالمسرح النبيل والأصيل والهادف في زمن ساد المهرجون المسارح وراحوا يروجون لثقافة التجهيل والعنف عبر التهريج والرقص على حساب قداسة الكلمة التي كانت البدء كما تؤكد ملحمة(كلكامش)،في مسرحياته، زاوج التراث المطموس بالواقع (المعلوس)، دافع عن الإنسان المهضوم والباحث عن الحقيقة، عبر توليفة توازنت فيها الكوميديا السوداء بالدراما، ومرر فلسفته حول ما يجري على أرض الواقع بلغة مرنة حافظت على إيقاع النص وفعّلته لخدمة الغرض، ليس ما نبغيه دراسة شخصية الكاتب أو الخوض في محيطات أفكاره، قدر تعلق الموضوع بتلك الومضة الساحرة لشخصية(محي الدين زنكنه) والتي تلهب حماس أصحاب النظرات العميقة وتشغل مخيلتهم لتتويجه بطلاً جاهزاً لخدمة أي نص ـ قابل التجسيد ـ قبل التشكل، لقد وجده الكاتب المسرحي والناقد(صباح الأنباري) شخصية تستحق الخلود لما تطوي من مقومات التكامل والتوازن في الصفات ما بين كتاباته وبين شخصيته الثقافية واللمحات الإنسانية التي تسكنه، تمكن رغم ضبابية المناخ وحراس السلطة المتأهبين لكل بادرة أن يجسّده بطلاً في نصّين من نصوصه ونالت إحداهما جائزة قديرة لما طوت من براعة في الصياغة وجرأة في الطرح وتجديد في الأسلوب، كانت المسرحية(زمرة الاقتحام)التي نحن بصدد تشريحها وفق ميزان الواقع لا موازين التنظيرات السفسطائية والتي راكمها أقلام غير واعية أو مسؤولة وأغرقت سفينة الثقافة الحيّة في برك الحداثة المزعومة، لم تكن سوى اللعب الحر بالكلمات واستعراض غير موفق للعضلات، أمّا النص الملحمي الآخر(ليلة انفلاق الزمن)أرجو أن نتمكن من الكتابة عنه في وقت لاحق كونه يتطلب جهداً ووقتاً حافلاً بالأمان وتحسن فولتية الكهرباء، وربما يجد من قرأ مسرحية(من أجل صورة زفاف)والتي نشرتها جريدة التآخي(أبعاد ثقافية)العدد ـ 129 ـ 30/3/2006،العدد الخاص باليوم العالمي للمسرح، يجد أن كاتب هذا المقال استهوته شخصية(زنكنة)مع(صباح الأنباري)وتمكن من تجسيدهما بطلين لمسرحيته..
*** 
تشريح مسرحية(زمرة الاقتحام)
لصباح الأنباري..

رغم يقظة الرقباء تمكن المسرح العراقي أن ينأى من مثلبة الانزلاق إلى برك التأويل المضاد على أيدي صنّاع مهرة ظلوا في قلب المشهد الحياتي الساخن دون اللجوء إلى مسميات أو أساليب قد تكون وبالاً على رؤاهم من جهة ومن جهة ثانية تضيع من بين أيديهم فرص الارتقاء ومجابهة الواقع عن قرب، طالما أهلوا أنفسهم محاربون ثقافيون، ومن النصوص المسرحية التي عبرت حواجز الرقباء (زمرة الاقتحام).. /لصباح الأنباري/.. والتي حازت على جائزة مجلة الأقلام للعام ـ1993 ـ ونشرتها في العدد ـ10 / 11 ـ 1994.في هذا النص المسرحي، يحاول الكاتب أن يرسم لنا مشهداً واقعياً يعادل لما يجري عياناً، فالشخصية المركزية ـ بروفيسورـ يبغي تحويل الدمى إلى بيادق تتحرك وتأتمر بأمره، قبل أن تتنامى أطماعه وتتشظى ليكون القطب الأوحد، ومن خلال تجارب علمية هي من بنات خياله العليل يخضع ـ الدكتور جيم ـ لعملية تحويل ملامحه لصالح دمية بعد جملة تجارب فاشلة بلغت(103)..تجربة وهذا دليل مادي على عناد أصحاب النزعات التدميرية وعدم احتكامهم للعقل أو العدول عن رغباتهم والاعتراف بفشلهم القيادي والسياسي، يريد(البروفيسور)إخضاع مدينة لنفوذه كخطوة أولى باتجاه العالم بأسره، فهو يبحث عن(زمرة كاملة)تتمكن بـ(خمس دقائق)..تحقيق حلمه، يريد رؤوس تحمل أفكاره ولا تتحرك إلاّ بإيحاء من خياله، لا يتورعون من ارتكاب أيما عمل يقربه من حلمه، لا يمانع من استخدام كافة السبل والوسائل الكفيلة حتى لو تطلب الأمر اللجوء إلى(سلاح التدمير الخلوي ـ السلاح الشعاعي ـ السلاح الفوتوني )..يمرر الكاتب جمل صريحة لا تقترح تحريك الذهن واستنفاره لتأويلها، فهو يدرك أن الإنسان(كتلة مادية خلوية تؤثر وتتأثر بجميع العوامل المحيطة)لكنه يجهر برغبته ويريده كائناً(يؤثر ولا يتأثر بالعوامل المحيطة)..يريده إنساناً خاضعاً مجرداً من صفاته البشرية طالما أختار الدمى جنداً يحركهم كيفما يقترح مزاجه، هذا النص هو عبارة عن واقع حال كل دكتاتور يناضل من أجل تجيير كل شيء لصالحه، وهي إشارة لتوحيد وتسيس الرؤوس بعد تفريغها من مبادئها الفطرية، كي يكون الفرد محصناً من فايروسات ما يجري خارج حدود مملكته، ولا يشكل موت ـ الدمية جيم ـ هاجساً أو إرهاصة لديه طالما يصرح( بقرص التحكم الذاتي الذي زرعته في دماغه )..أن ما يهمه تنفيذ ما يركبه من طيش ولابد من تضحيات وأن كانت جسيمة، وهو لم يبال بأحد ولا يريد من كائن أن يبدي رأياً، بعد نجاحه في ترقيق الطبقات الدنيا يريد أن يحقن تجربته في(إنسان القرن العشرين )الإنسان الواعي والمثقف، الإنسان الذي ترك الثورات والنوم في المزاغل والكهوف من أجل تحرير بلاده،( أقرها وأعترف بصلاحيتها لتجربتنا)..ينبذ فكرة الاستعانة بالأشباح لحقن مبادئه وإنتاج زمر مؤهلة أن تموت من أجله، يريد كائنات مادية تتعذب وتتلوى بين يديه، تنزف حد الانسلاخ من جلده البشري، وما يفه به معاونيه ما هو إلاّ درس تلقنوه وكلما ينظر إليهم يرددون ما يريد،(أنكم تقصدون الشخصيات الروائية والمسرحية التي خلفها أسلافنا القدامى)..دائماً يضع الدكتاتور المثقف نصب عينيه كونه صاحب الحقيقة ويمتلك دروباً للخلاص من مخالب السلطات القمعية، فالمثقف الذي أقض مضجع(غوبلز) وزير الثقافة النازية وجعله دائماً متأهباً لسحب مسدسه، هو كائن متمرد، وغالباً ما نجد الطغاة يلتجئون إلى الرموز التاريخية كي يتستروا بهم لإضفاء القدسية على أنفسهم وتحقيق أكبر قدر من التأثير الساحر في نفوس الضعفاء، هنا يريد الكاتب أن يعلن وعلى لسان (البروفيسور) أن الغزو موجود كنبوءة كما تؤكد الكتب التراثية، لذلك يحاول أن يستعين بشخصيات هي من الماضي تتصف بصفات لا تخرج من فلك مبادئه ورؤيته للحياة، كذلك يرفض اللجوء إلى(حيوانات متوحشة شرسة)..قد تنقلب وتغدو متمردة عليه(نريد قوة تعقل الكيفية التي يتم وفقها تنفيذ مخططنا)..يريد شخصيات(تتصف بالوحشية والشراسة. أعني الغدر والعنف) يختار الكاتب مدينة (بعقوبة).. مكاناً، ليس لأنه مع الشخصية المقترحة لأجراء التجربة من قبل البروفيسور ـ محي الدين زنكنة ـ من أبناءها، كونها مدينة تاريخ وحضارة ولابد أنها تحتضن مواهب وطاقات بشرية غير محمودة الجانب وكونها مدينة تربط(شمالاً)ظل عنيداً وعصياً على السياسات الشمولية الهاضمة حقوق الأقليات المتناصرة، بـ(وسطٍ)قبع تحت أوزار التخلف والنسيان والتهميش، وأنها مدينة تتحاذى مع جارة لدودة أو مقلقة وربما كونها مدينة الثورات والأحزاب السياسية كما تذهب بعض الأدبيات الحزبية غير الموثوقة، يمكننا أن نستشف سبب اختيار الكاتب لهذه الشخصيات/الدكتورة باء ـ الدكتور ألف ـ الدكتور جيم / نجد أن الدكتاتور قد أختار لنفسه ثلاث شخصيات كنواب للرئيس، أحدهم كان أشبه بالمرأة، كما ذهب المثل(لا يحل ولا يربط)..!!يستقر الرأي على اختيار(محي الدين زنكنة).. كونه كاتب المدينة من جهة وأن شخصياته حملت هموم إنسانية كبيرة، تمردت وقاومت وحملت كل صفات التناقض،( لا حاجة لي باسمه)..أنه يريد عقله يريد أفكاره تؤرقه شهرته الشخصية، واختيار(ستة) لتشكيل (زمرة اقتحام مثالية ).. نجد أن الاختيار قد وقع على من كان متطرفاً ومؤهلاً للقيام بما هو شر وأن العدد المنتخب هو عدد أعضاء ما كان يسمى(بمجلس قيادة الثورة) وكان الكاتب جريئاً وذكياً حين علّق في الواجهة ( مسرحية من الخيال العلمي) وبذلك نجى من مقصلة التأويل أو أوهمهم بأوهن الأسلحة وحقق الخرق المادي والمعنوي ودق فوق ضريح السلطة وتد الاحتجاج، قبل أن يرسم المصير غير المأسوف لرجل مريض أحلامه، (أيّ كاتب شرير هذا) هكذا يخبر الكاتب السلطة دون اللجوء إلى اللف والدوران في تقديم الأدباء المتمردين، يحاول ـ الدكتور جيم ـ أن يفرغ سموم أفكاره(ضيق الخناق على ما يسمونه قوى الخير كي لا تنتصر أبداً) وهذا ما حصل على أرض الواقع، يقوله الكاتب علانية (ترك لقوى الشر حرية التحرك الواسع على رقعة أعماله الكبيرة والصغيرة) ونجد أن الكاتب( صباح الأنباري)حاول من خلال المسرحية أن يستعرض جانباً من اهتماماته النقدية خصوصاً نقد أعمال (محي الدين زنكنة) وإبراز أهم ملامحها الملحمية وما فيها من مجابهات علنية تصب في خانة عدم الولاء أو في دورق المعارضة، يقدم الكاتب لمحات مّما جرى لدى بعض سدنة السلطة ورقباءها والذين سهروا وتدارسوا كل جملة من جمل المسرحيات بحثاً عن كلمة قد تغدو طلقة قاتلة ونالهم الفشل الذريع دون أن يتمكنوا من حفر حفرة تلقي بالمسرحي في غياهب الجب، وقد يرى البعض أن المسرحية حملت أشياء ثقيلة كان يمكن أزاحتها، وأعتقد أن مهمة المسرح هي تبسيط الأمور الحياتية وعرض أوجه الحياة الدائرة ووضع الحلول الملائمة إن لم نقل المناسبة لها وأن الكاتب يوم قدم نصه المسرحي أراد أن يجازف ويحاول الاختراق جراء ما ناله من ظلم وسجن، يتصف الطاغية بصفة الواحدية (لا تحدثاني بأكثر من هذا) أنه لا يريد شخصية أو أسم الرجل المنتخب لأغراض التجربة، يريد فقط ذاكرته وسر العبقرية الممنوحة له، ومن خلال الشخصيات ـ الست ـ يحاول تطويع الكاتب وضمه لحاشيته، ولا نستبعد (من خلال الظلام شيئاً فشيئاً )عملية تذليل الرعية وفق تدرج ضخ الجهل كما يفعل السرطان بالجسد،( أعرف أنكم جاهزون وما أريد أن تعرفوه أنتم هو أنني قد جئت بكم من حيوات مختلفة )/( لأمنحكم فرصة تحقيق ما سعيتم لتحقيقه)/ ( لكم من القوة ما لم يكن لكم من قبل) ويمضي البروفيسور في تلقين الشخصيات قبل إدخالهم إلى الحاسب الآلي وتحميلهم أيديولوجياته لتنفيذ مآربه وكل ما يقوله لهم من كلام لا يبعد عن الواقع المعيش وما حل بالبلد من خراب وتفكيك، (وأن أحداً لم يعد قادراً بعد على مواجهتكم إلاّي، فبدوني لن تستطيعوا فعل أي شيء) وقد تكون المباشرة كما يزعم أهل النقد وبالاً على النص الحديث، لكن لا يجب أن ينطبق هذا على المسرح كونه خطاب مباشر مع الناس وأن المسرح السياسي يقترح التبسيط الممكن لتوضيح القضايا الحيوية الراهنة وإن كانت تدخل في حيز المغامرة وتوقع العراقيل، ولكي نبرهن على أن هذا النص كان مفخخاً بالحقائق وكان يعني به الكاتب التصوير الصادق لمرحلة خطرة نجد أن من الواجب التقاط أقوال (البروفيسور) كونه القرين الذي وجده الكاتب للطاغية (أنا أوجهكم إلى حيث يمكنكم ويمكننا تحقيق رغباتنا في امتلاك العالم ) فالطاغية غزا الشرق وغزا الجنوب ولولا العوارض التي وقفت بدربه لسار بعيدا من باب توحيد وتحرير ومسميات سلفية كان يحقنها في رؤوس رعية سلموا أمرهم وباتوا قرابين مهيأة للنحر من أجل تحقيق هدف بمجرد خطر في باله،(البروفيسور) يقف أمام لوحة المدينة ويزعم أنه تمكن من لملمة التفاصيل (بمساعدة عدد من الخبراء المتعاونين معي) أننا إزاء خطاباً مسرحياً مجابهاً وراصداً محترفاً لكل التفاصيل الدقيقة رغم الهالة الإعلامية الته ريجية والستر الحديدية الحاجبة لكل ما هو منافي للحقيقة، لقد زرع الطاغية حشداً من الوشاة لفرض هيمنته ويعلن الكاتب هذا صراحة يمنحهم صفة خبراء، لنقترب أكثر من مكامن الخطر، هناك ثلاثة مراكز في المسرحية(مراكز المدينة الثلاثة ذوات الدفاعات الذاتية المشتركة والمستقلة)وهي واقعياً أو جغرافياً مناطق توزيع المهام الحزبية أو ما تسمى بمكاتب تنظيم شؤون (الشمال والوسط والجنوب) أوان كتابة المسرحية قبل أن تولد مكاتب أخرى..( وكل مركز من هذه المراكز يمكن أن يعمل ذاتياً في حالة تمكنكم من قطع الصلة بين مركز وآخر)كان لأركان السلطة صلاحيات تنفيذ القتل والإبادة كونها من بنات أفكار الطاغية، لا يعنيه أي شيء سوى أهواءه النفسية ولا قيمة للموجودات والبشر لديه كونها قرابين ليس إلاّ، يبدي نوعاً من الغزل المبطن وهذا شعور بالهزيمة وطريقة لتحبيب النفس لدى المارقين، يتولى القيادة من قمقمه ولكن الخرق المزعوم يبوء بالفشل(المؤشرات والبيانات تؤكد ذلك)فيصاب باكتئاب وتردد فاقداً السيطرة على نفسه(لقد قضيت عشر سنوات من عمري وراء قضبان رهيبة )/(حتى أصل إلى حلمي)لنسترجع شيء من التاريخ ونقول كم من السنوات قضى الدكتاتور وهو(ظل لرئيس)..قبل أن يزيحه، من العام ـ 1969 ولغاية 1979 ـ تلك هي سنوات عشر والتي يعتبرها سجناً كون الفرصة لم تكن متاحة له لتسيس العقول وترويضها لصالحه، ومن ميزات الكاتب الموهوب هو خلق وقائع مقترحة قابلة الحدوث كنوع من النبوءة أو استشراف المستقبل أو قراءة واعية لمجريات الأحداث ورسم النتائج لها، أن حالة الضعف والاكتئاب لدى الطاغية لم تكن بدافع الانتقام من قبل الكاتب أو محاولة تشويهية ليس غير بل هو واقع حال( لأنني تسببت في قتل طفلتين، طفلتين ليس إلاّ )رغم أن الكاتب قال هذا عام ـ 1993 ـ نجد أن هذه النبوءة قد حصلت بالفعل يوم نحر(صهريه)وبالتالي هو قتل معنوي لابنتيه، وسبق أن أشرنا أن الطاغية لا يتورع من إعلانه المباشر بصفته الفوقية (أنا جئت بكم من عصوركم وأزمانكم لتنجزوا ما لم تستطيعوا إنجازه في الحياة التي منحكم إياها خالقكم) قد تكون هنا إشارة إلى (محي الدين زنكنة ) لكن(لم تستطيعوا) تدل على تفرده كونه خلق شخصيات حقيقية وليس كما فعل الكاتب شخصيات لا تعمل خارج سطح الورق، ولحظة يلقى القبض على (محي الدين زنكنة) بغية إخضاعه إلى التجربة (يبدو أنكم من البوليس) و(أليس هذا كرسي إعدام كهربائي) كناية عن الوضع الذي يعيشه الأديب والنهاية الحتمية لكل من يستدعى للاستجواب أو الاعتقال، يبدو لنا من خلال المسرحية أن النصوص الملحمية والمثقلة بالوقائع ظلت حصينة أمام مشارط التفكيك والتأويل وعلى هذا الأساس أشتغل كل من (محي الدين زنكنة و صباح الأنباري) في إيجاد فضاءات تحتمل الواقع ولا تعطي نفسها بيسر، ويمكن الرجوع إلى نصوص الكاتبين وللمزيد من التوضيح..( ألا ترى أنني أمسك بحياتك ومصيرك ) يرده الكاتب (بل أرى أنك تمسك بأوهامك) وهذا يوازي خطاب رهط السحرة يوم حادوا عن فرعون (إنما تقضي هذه الحياة الدنيا ) فقتل المبدعين لا يعني القضاء على أفكارهم، يريد الكاتب أن يخبر السلطة بتمرد الأديب الحقيقي والوقوف بوجهه طالما يحمل قلماً ينزف دماً مغمساً باليقين،(سترى أنك لا تستطيع إلاّ أن تنفذ أوامري) يرده (وأن لم أفعل)..(ستفعل) هذا الشد السرّي حصل بطريقة أو أخرى لكسب النخبة وجعلهم أبواق لتلميع بروازة السلطة وبالتالي هو كسب للماضي من خلال شخصيات الكاتب، (أذن أنت تريد احتلال العالم )/ (أنت مجنون) رد فعل (زنكنة) لحظة يصرخ (البروفيسور): (لنحتلها ولنحولها إلى قاعدة لانطلاقنا نحو المدن الأخرى ولنقيم نظامنا العالمي الموحد ) كما أراد هو دائماً وأبداً توحيد الأمة في كل خطاباته اليومية، بل نجد أنه يفه بكل وقاحة (أنا أريد أن أخدم الأرض فأقيها شر الفضاء) ترى أي شر يأتي من الفضاء أو السماء، زرعه الكاتب في ذاكرة رجل عليل وجد الحياة مختبراً كبيراً لتحقيق أحلامه، (إدخال التغييرات على الشخوص بنفسي) فيه شيء من عملية كتابة التاريخ كما ينشد لا كما جاء، وهنا يستوضح لنا الكاتب أن اللجوء إلى المبدعين كي يقوموا بتحريف التاريخ من خلال تغيير نوعية كتاباتهم كونهم أدرى بشعاب الماضي ويتحقق الإقناع من قبل الآخرين أيضاً، كونها جاءت من أقلام لها مكانتها وترسخت في الأذهان، يرتقي الكاتب بالفعل الدرامي من خلال مواجهة كلامية يمرر من خلالها ما يريده من حقائق هي لسان حال النخبة المثقفة، دكتاتور يبغي إلغاء الماضي وقولبته لصالحه وكاتب يستميت في الذود عن ما أنتجه عبر مسيرة حافلة بالأشواك والتابوهات (فبتحررهم منك يمكن لي أن أحقنهم بالمزيد من الصفات الجديدة) يريد انسلاخهم من ماضيهم كي يتمكن من احتواءهم بيسر( سأمنحك نصف المدينة )و ( يا عزيزي الأستاذ)غزل مبطن بالكراهية وطعم معسول لتحقيق المآرب( حتى لو وضعتم الكواكب كلها في يميني)يقول ذلك الكاتب وعلى لسان (زنكنة) وهذا الرفض مستل من الرفض الذي جابه به رسول البشر معارضي الرسالة السماوية/بلا تشبيه/ (لم نجرب من قبل تأثير الأشعة على الإنسان) وأظن أن الكاتب قد وضع نصب عينيه أسلحة الدمار الشامل وكل ما ينضوي تحت هذه التقليعة الحداثية لمعالجة الشعوب والأقليات غير المطيعة لساستها، وشل (زنكنة) واحتجاز شخصياته لا أجد غير تفسيراً قائماً هو حجب المبدعين وتهميشهم، كل من لا يواليه وعدم الترويج لكتاباته أو خنقه بعدم جواز التحدث عن أعماله كما حصل واقعياً يوم تم إبلاغ (رؤساء تحرير الصحف والمجلات) بعدم ذكر أي أديب هرب خارج البلاد، يبحث (البروفيسور) عن نقاط الضعف لدى الضحية كي يتمكن من اختراقه وليس هناك حل سوى اللجوء إلى من هو مؤثر ولديه الأسرار(صباح الأنباري) كونه صديق (زنكنة) وناقد أعماله ويعرف كل صغيرة وكبيرة عنه، أن السر الذي يكمن وراء هذه المسرحية هو أن الكاتبين قد تعرضا إلى السجن إبان السبعينيات من القرن الماضي من قبل رجال الأمن كونهما كانا يقدمان الأعمال المسرحية المثيرة للشبهات والجدل وتعرضا لمسائلات وانتهاكات وضغوطات كي يتركا العمل المسرحي، رفضا ذلك وتم توظيف ذلك بعقلانية واعية وهما يعلنان الرفض علانية ومن خلال حوار لا يحتاج إلى الوقت كي يتم تنسيبه أو تأويله، ويأتي موت(زنكنة) عام ـ 2000 ـ هو موت افتراضي، وهو إعلان صريح بأن الكاتب يعرف ما لدى(زنكنة) من أعمال وهو السائر على جمر من النار ولابد أن الاعتقال سيحصل والموت هو الحل الأخير لأصحاب الرأي الرشيد من أمثاله (أ عالم أنت وإرهابي في آن واحد) هو رد (صباح الأنباري ) حين يسمع التهديد(العالم كله سيخضع لي فلا حدود لسطوتي وجبروتي )/ (رضيناها منك)/ (ولا تتمادى معي فأن عذابي شديد) يرده الضحية (فلا تتعبوا أنفسكم معي) ويلتجئ إلى (آلة شل القدرة) و(أشعة القهر التدريجي) يقول (صباح) لمعذبه (أنتم مجرمون وقتلة وأنذال).. (من أنت حتى أجيبك) هذه الجمل ليس بوسع كاتب أن يدسه في كتاباته في تلك المرحلة المستعرة بالرهبة والجوع، لكن الكاتب قالها وحسناً فعل حين استعان بشخصيته لأداء الدور وكان يعني بطبيعة الحال أنه رافض ومعارض، موته من قبل الكاتب أراد به الخلود والشهادة من أجل الكلمة الصادقة (لأنني كنت أريد أن أمرر الوقت) إشارة لصبر الكتّاب رغم المعاناة وحين يصرخ (البروفيسور): (يا لي من غبي.. وما صرخته (ليس قبل احتلال المدينة ..ليس قبل احتلال المدينة) دليل فشله في تحقيق حلمه ونجد أن الطغاة لا يعيرون للوقت اهتماما كونهم يعيشون في أبراج الخلود الوهمية، وما حصل من نهاية لا تسر للطاغية واعترافه العلني قبل اصطياده في(جحره)بـأنه كان على خطأ حين (جوّع شعبه و أشبع كلابه)، في المسرحية تم توظيف كل جملة لا تحيد عن الواقع ولم تخرج إلاّ من فم ـ الدكتاتور ـ ويمكننا أن نقول أيضاً رغم الأسلاك الشائكة والعيون المتأهبة لقنص كل كلام يأتي بالنور إلى رفوف التاريخ، كانت هناك جهود خيرة تمرر هكذا أعمال طالما هناك لوحة (الكتابات تعبر عن آراء أصحابها) أو ربما هو اختيار من لم (يفهم) ليكون قيّماً على حراسة الثقافة السلطوية الهشة، هكذا وجدنا النص عبر مقاربته مع ما جرى على أرض الواقع، وليس بوسعنا سوى التصفيق العالي لمن جنّب قلمه من الانزلاق والتمرغل بوحل التأليه، ونال رضا الناس بعدما تمكن بصبره ونزفه نقل الحقائق إلى واجهة الحياة ولو بعد حين..!!


                                             *** 
**صباح الأنباري: كاتب مسرحي وناقد غادر العراق مؤخراً متوجهاً إلى(أستراليا) بسبب تدهور الوضع الثقافي والأدبي واحتجاجاً على تهميش دور المثقفين والأدباء وتفويت الفرصة عليهم للمشاركة في العملية السياسية لبناء صرح ثقافي حر، وعدم السماح له العودة إلى وظيفته السابقة والتي أقصي منها من لدن السلطة السابقة وهي مدرس مادة المسرح الريفي، رافضاً استعمال ورقة التزكية لغرض قبول عودته، تعرض للسجن بسبب مواقفه الطليعية ومسرحياته المناهضة للواقع. وهو من أكثر الكتّاب والنقّاد ملاحقاً لأدب الكاتب القدير (محيي الدين زنكنه).
نال عدة جوائز أهمها جائزة مجلة الأقلام العراقية عن مسرحية (زمرة الاقتحام) وجائزة الإبداع للعام 2002عن كتابه (طقوس صامتة).

صدرت له:

        (طقوس صامتة).. /مسرحيات صامتة/ دار الشؤون الثقافية العامة/ بغداد/2000.

        (ليلة انفلاق الزمن).. / مسرحيات صائتة/ اتحاد أدباء العرب/ دمشق/.2001.

        (ليلة في ملكوت الصمت).. (مسرحيات) دار الشؤون الثقافية العامة/ بغداد/2004.

         (البناء الدرامي في مسرح محيي الدين زنكنه).. /دراسة نقدية/ دار الشؤون الثقافية العامة/بغداد/ 2002.

        له تحت الطبع:

        (السهل والجبل) دراسة في قصص (محيي الدين زنكنه).


                                                 ***

الحوار المتمدن-العدد: 2373 - 2008 / 8 / 14 - 10:04 
المحور: الأدب والفن