الضحية والجلاد تجربة عاشها ويعيشها العراقيون على مر الزمن

في الواقع وعلى خشبة المسرح

 د. صائب غازي

 عادة لا اكتب عن المسرح شيئا، لأنني لست متخصصا فيه وهو عالم أرحب له أناس متخصصون وأخشى أن أخوض فيه فـأبخس حقه، لكن مسرحية أسئلة الجلاد والضحية  للمخرج فاروق صبري والكاتب صباح الانباري التي حضرت عرضها قبل أيام ضمن عروض مهرجان الثقافة والفنون الذي أقامته (الجمعية العراقية الكندية) في مدينة تورنتو بكندا، حركت في داخلي شجون دفعتني لأكتب ولو شيئا يسيراً عن هذه المسرحية واعتذر مقدماً إن لم أجيد التعبير عنها بشكل وافي.

هذه المسرحية لم تكن عرضا تقليديا بقدر ما كانت تجربة جديدة فيها خليط من الأفكار الممتزجة انطباعيا وواقعيا، فهي تقدم أفكارا انطباعية وتسقطها واقعيا ثم تقوم بعكس الإسقاط من الواقعي إلى الانطباعي ذلك ضمن صراع متوقد بين شخصيتين فقط هما محور العمل، وهما كل من الجلاد الفنان (غسان العزاوي) والضحية الفنان (ميثم صالح)، شخصيتان لم يمثلا نفسيهما وحسب وإنما كانا يمثلان مجتمعا كاملا بل هما يمثلان أمة تتوارث ثقافة صناعة (الضحية والجلاد) مهما اختلفت أو تعاقبت الحقب والأزمان، هما كيانان يعيشان معا المد والجزر السطوة والعبودية القوة والضعف الظلم والبراءة لكنهما لا يلتقيان أبدا، نعم هما لا يلتقيان على خشبة المسرح على الرغم من إنهما طرفي صراع محتدم، وهنا تأتي إسقاطات الجانب الانطباعي. إذ كيف لصراع واقعي مرير يمكن له ان يحدث دون لقاء؟ هنا تكمن الفكرة بسرد الصراعات الداخلية والخارجية التي تعيشها الشخصيتان من خلال الأسلوب الجديد الذي ابتكره المخرج العراقي (فاروق صبري) وهو أسلوب المونودراما التعاقبية أي أن كل واحد منهما يعرض ما يُؤْمِن وما يشعر به مخاطبا الجمهور دون أي مقاطعة أو لقاء مع الشخصية الأخرى ، حيث تقوم الشخصية الأولى الجلاد بعرض كل أفكاره وإلقاء خطبه وعرض صراعاته الداخلية والخارجية مع محيطه ومكوناته لمرة واحدة فقط ويغادر المسرح ، ثم يأتي دور الضحية بعرض كل ما لديه بالتعاقب دون أن يلتقي مع الشخصية الأخرى، وأعتقد أن المخرج لم يرد لهما أن يلتقيا ضمن السياق حتى يمنح الفرصة الكافية لكل منهما أن يقول ما يريده للجمهور دون أي تأثير أو تشويش من هذا الطرف أو ذاك، وفي الوقت ذاته يمنح الجمهور فرصة التأمل والتفكر لإطلاق الحكم عليهما كل على حدة كون أن الجمهور هو أيضا خليط مضطرب بين جلاد وضحية بين مؤيد لهذا ومناصر لذاك خاصة وأن الإسقاطات أخذتنا إلى حقبة من الزمن القريب عاشها العراقيون ولا يزالون يستحضرون مفرداتها ويختلفون في الحكم عليها بين مؤيد ومعارض لها.

(أسئلة الجلاد والضحية) لم تكن دراما تعاقبية فحسب بقدر ما كانت مشاعر كثيفة متعاقبة متراقصة وباكية ناحبة ومتألمة عشناها ونحن نرى الضحية تعاني وتقاسي في داخل كل واحد منا ثم نراها تنقلب إلى مارد حين يداعب مخيلتنا المريضة ويتحول ذلك الكيان الضعيف المهزوم في دواخلنا إلى جلاد يقترب من أفكارنا الانتقامية، أي أننا يمكن أن نكون ضحايا لكن عندما يتغير مسار الأحداث والأزمان وتؤول الأمور إلينا يمكن لنا ببساطة أن نصبح جلادين وهنا كان النجاح في الطرح الذي وإن كان يعرض لحقبة من ماض قريب في أذهاننا لكنها تمتد إلى ماضي سحيق وربما إلى مستقبل عميق لأنها تترسخ في ثقافة مجتمع متمرد بطبعه يتلذذ بأن يكون ضحية ثم تلذذه يصبح أكثر امتاعا وهو يتحول إلى جلاد.

فكرة المونودراما التعاقبية الجديدة والتي رافقتها معالجة إخراجية متميزة من المخرج المتمرس فاروق صبري كانت خطوة موفقة وناجحة في فضاء المسرح المتجدد إلى جانب أداء مبهر للضحية والجلاد (ميثم صالح ) وأيضا للجلاد والضحية (غسان العزاوي) اللذان لم يكونا ضحية للإبداع بل كانا جلادان فيه.