المخيّلة الخلّاقة في تجربة محيي الدين زنكنة

شاكر مجيد سيفو

          

   من الكتب المهمة التي تناولت تجربة القاص والكاتب المسرحي محيي الدين زنكنة، هذا الكتاب الصادر عن مجلة بيفيين/ السليمانية. الكتاب بتفاصيله ومتابعاته المتأنية للكاتب المسرحي صباح الأنباري لكتابات محيي الدين زنكنة القصصية منذ عام 1967 م  لغاية عام 1986م، ورصدا لتطوره ومعايشة تمتد من مرحلتها الجنينية، أحيانا، إلى مرحلة بلوغ نضجها وتكاملها الجمالي. لقد منحتني هذه المتابعة إمكانية التوغل في أغلب قصص زنكنة وسبر أغواره واستنباطها واستقرائها وتحليلها وتصنيفها اعتمادا على قواعد وشروط كل نص من نصوصها وانطلاقا من الشروط والقواعد العامة التي تلتزم بها. ومما سهل الأمر، عليّ، قيام زنكنة بجمع بعض قصصه القصيرة وطبعها في كتاب تحت عنوان (كتابات تطمح أن تكون قصصا) التي بالرغم من تواضع عنوانها (تطمح) استطاعت التوغل في أعماق النفس البشرية والكشف عن أغوار تلك النفس وما تنطوي عليه من تناقضات وتوافقات.

من مرجعيات المعرفة إلى مهيمنات الكتابة.. جذور المهيمنات البيئية والتربوية.

لكل خطاب أدبي مرجعياته، ولكل كاتب جذور تمتد إلى ملكوت طفولته حيث بذرة الوعي الأولى وجذور المعرفة وأساسيات ومحفزات ومستلزمات ثمرة الكتابة، وذاكرة الكاتب خزين حياته بتجاربها ومعارفها، وبأحداثها وجسامتها، وبزهوها وانكسارها، وبتأثرها وتأثيرها، خزين هائل من المرجعيات والامتدادات والحيوات. إنها معين تتوغل مساراته القصصية لتمسّ، عبر تلك الجذور، بذار الكاتب أو تحث أجنتها كلما ألحت عليه ضرورة الكتابة، وهي تشتمل على بيئته الأولى ومحفزات موهبته منذ مرحلتها الجنينية، ولسبر أغوار تلك الأقاصي لا بد من إلقاء الضوء على تشكيلاتها الأولى وأفكارها المنبثقة من أعماق الذاكرة لارتباطها الوثيق بحياة الكاتب عبر الحبل السري لتجربته في الكتابة. عليه فإن إلقاء الضوء على أفكار وتشكلات ذاكرة كاتب مثل محيي الدين زنكنة تفرض علينا عودة إلى ماضيه وبحثا في مطبات حياته وخفاياها ومؤثراتها وموجهاتها ومهيمناتها.

لقد كان لانحدار محيي الدين زنكنة من عائلة ذات جذر كردي عريق، أثره الكبير على طبع حياته وتجربته بطابع خاص أضفى نكهة مميزة على كل خطاباته الأدبية، وكان والده حميد محمد زنكنة،  رجل ذا سطوة على أفراد عائلته،  له أثر كبير على صقل شخصيته وتفردها على بقية أبناء الأسرة الذكور.
مهيمنات تقنية القص

يسجل في قصصه شهاداته إزاء ما يحدث بلغة قصصية غير خاضعة لضوابط الأدب التسجيلي أو الواقعي، فهو يضيف ويحذف ويبتكر بالطريقة التي يراها ملائمة لفكرته ومنسجمة مع تطلعاته الإنسانية النبيلة. فالشكل، عنده، ينمو من رحم الفكرة ويكبر معها حتى تتضح ملامحه الفنية. إنه الجسد الذي يتقبب على روح الكلمات! هكذا هو الشكل، عند زنكنة القاص، كائن حي ينمو ويتطور ويشغل حيزا هو حيز اللغة التي نمت معه وتفاعلت وتحولت من حالتها الجنينية إلى كائن يثير الدهشة والغرابة ويحقق ذاته منذ لحظة القص وحتى تفعيلها على مساحة الورق. واللغة، عنده، مسكونة بموسيقى الشعر وإيقاعاته. تغير القارئ وتجره إلى بحورها بثرائها ذي الجرس الشعري العذب.

إنّ قارئ قصص زنكنة ورواياته يشعر، من حيث لا يدري، بنفسه لاهثة، باستمتاع، وراء الكلمات ليصل إلى معانيها الباطنية العميقة. وإذ يصل إليها حقا فإنه يكتشف أن وراء بساطتها الظاهرية تعقيدات تخفي أسراره ورؤياه الفكرية ومواقفه إزاء نفسه والآخرين والوطن. أما الشخصيات القصصية عنده فتنقسم إلى قسمين: يضم الأول الشخصيات الموجودة واقعيا والتي عايشها الكاتب وراقبها وتباع سيرها الذاتية. بمعنى أنه عرف عنها أكثر مما تعرفه عن نفسها وأكثر مما نعرفه عنها. وهو إذ يأخذ كشخصيات قصصية أو مسرحية فإنه يأخذ منها ما يريد أن يخبرنا به عنها من دون أن يلقي بالتفاصيل التي لا تغني القصة في شيء.
ويضم الثاني الشخصيات التي يبتكرها الكاتب ويمنحها التفصيل التي يريدها أن تتمتع بها. وهي تفاصيل غالبا ما تكون مشابهة، إن لم تكن مطابقة لتفاصيل شخصية الكاتب.

هيمنة الرواية

مع أن زنكنة يكتب القصة القصيرة والطويلة والمسرحية والمقالة النقدية والصحفية إلا أن مساحة تجربته امتدت لتطول الرواية، أيضا، فكتب ثلاث روايات مهمة استطاعت أن تبسط هيمنتها على كل أعماله السردية السابقة وهي: أولاً: هم. ثانياً: ئاسوس. ثالثاً: بحثاً عن مدينة أخرى.

في روايته الأولى استطاع على مدى يومين، وخلال سبعة عشر فصلاً أن يجعل الحلم فيها يختلط بالواقع، والحقيقة بالخيال، وأن يجعل منها رواية مجابهة وتحد واجتثاث للجذور الفاسدة.
وإذ يختار الجنس الأدبي فإنه لا يحدد نفسه بحدوده بل يتعدى ذلك إلى مجال أفسح وأرحب فتراه يزاوج، على سبيل المثال، بين أدب الكبار وأدب الصغار ليقترح نصا مشتركا يداخل ويصهر، بطريقة ذكية، هموم الصغار بهموم الكبار مهدما الحاجز النفسي والاجتماعي والزمني الذي يحول دون اهتمام أحد الأدبين بالأدب الآخر.

حظيت موضوعة الطفولة، من بين الموضوعات التي تناولها زنكنة في مجموعته القصصية (كتابات تطمع أن تكون قصص) باهتمام كبير إذ تناولها في ثلاث قصص: (حرمان، 1968) و (قصة تقليدية جداً، 1968) و (طفولة ملغاة، 1974) تجلت فيهم قدرته على استبطان دخائل شخوصها وموجهاً تهم السلوكية في الحالات والظروف الغير الطبيعية يجمع بينهن قاسم مشترك يوحد أجوائها وفضاءاتها أو يقارب بينها حد التداخل والتمازج. ومع أن زنكنة أطلق على شخصيات هذه القصص الثلاث أسماء كردية إلا أنه لم يهبها خصوصية كردية تسقطها في منزلق القومانية الرهيب بل عمد إلى جعل أجوائها مزيجاً من تصاهر وتزاوج روحيتين الأولى تولدت عن عيشه الطويل مع أسرته الأولى في محلة شاطرلو بكركوك والثانية عن معايشته المستمرة للعرب. وقد أثر هذا التصاهر وتلك المزاوجة على قصصه هذه وعلى أخرى فحدد فيها من خلال الشكل والأسلوب نماذج الشخصيات وانحداراً تهم الاجتماعية، وأزماتهم النفسية، وملابسات أطرافهم البيئي.

محاولة كشف بعض الألغام في بعض كتابات زنكنة الإبداعية

عندما وضعت اللبنات الأولى بكتابي الأول (البناء الدرامي في مسرح محي الدين زنكنة) اعتقدت أني سأبيح لنفسي البوح بأسرار لم يستطع النظام الرقابي المقبور الوصول جوهرها ومعرفة إلى من يشير رأس السهم فيها. كنت مأخوذاً بفرحة الاكتشاف والظفر بخفايا النصوص التي ظلت طوال ذلك الوقت كامنة وراء الكلمات ومستترة برموزها وإشاراتها الدلالية. هذا ما صرح به الكاتب المؤلف صباح الأنباري مضيفا:
لقد كتب زنكنة مسرحية (السؤال) وكانت القوى الوطنية قد تحالفت مع السلطة البائدة في جبهة ائتلافية موحدة ظنا من القوة الوطنية أنها تستطيع من خلال هذه الجبهة الوصول إلى أهدافها الوطنية النبيلة فما كان من زنكنة إلا أن كتب (السؤال) محذرا فيها الشيوعيين، تحديدا من جريرة هذا الائتلاف ونتائجه التي سوف لن تختلف كثيرا عن نتائج المسرحية.

لقد أراد زنكنة القول إن من الصعوبة الجمع بين الماء وبين النار، بين الحمل والذئب، بين الخبث وبين الطيبة.. وعليه أوصل (صفوان) نفسه ومحبيه إلى حالة لا أحد يوافقه عليها. ومع ذلك فهو يصر على أن العدالة يجب أن تأخذ طريقها إلى القاتل الحقيقي دون أن يبدي اهتماما لزمانه المنهار الذي سبقه وتجاوزه، بفكره، إلى زمان آخر يسود فيه الحق والجمال. كما كانت القوى الوطنية تصر على قدرتها على تغيير الواقع وإمكانيتها على تحقيق أهدافها الإنسانية النبيلة.

محيي الدين زنكنة  قاص في المسرح ومسرحي في القصة

يبني محي الدين زنكنة مسرحه، بشكل عام، وهو مسرح أفكار، على بنيتين أساسيتين: بنية الفهم السردي للحدث، وبنية الفهم الحواري. يدمجهما أو يزاوج بينهما ليخلق جنسا فنيا مقبولا على صعيدي القراءة (كأدب مسرحي وفكري) والمشاهدة (كنص درامي قابل للتمثيل). وهو، كغيره من المبدعين، يوضح، من خلال، خطابه المسرحي الكيفية التي يتعامل بها مع عناصر الدراما. فهو ينظر إلى شخوصها على أنهم العنصر الأكثر فاعلية وتأثيرا في مجرى الصراع فهم وإن كانوا مأخوذين، برتابتهم المعهودة، من الواقع إلا أنهم مختلفون في نصه ومغربون عن الواقع. إنه ينظر إليهم باعتبارهم كيانات مستقلة. أي أنه يتركهم ليحققوا ذواتهم المنعزلة لا عن طريق الارتكان إلى الوحدة والانعزال عن الآخرين بل عن طريق الانصهار والاندماج في حركية العلاقات الإنسانية. إنهم منتقون من الواقع، أو مأخوذون من التراث أو مبتكرون من الذهن. وسواء كانوا هذا أو ذاك فإنه يخضعهم لامتحان عسير يؤهلهم لأخذ موقعهم على رقعة الصراع.
أما الصراع عند زنكنة فإنه يأخذ وجوها مختلفة. فقد يكون صراعا داخليا متمثلا في صراع الشخصيات مع نفسها، في مونولوجات طويلة أو قصيرة مشبعة بأفعال حركية وأخرى انفعالية أو تدميرية تكسب خطابه المسرحي صنعة درامية خالصة تزيح من أمامها الصفات السردية لكن دون أن تلغيها لأنها تلتقي معها في بنية واحدة هي بنية الأفكار كما في نصوصه التأملية بشكل عام (لمن الزهور، العلبة الحجرية، الأشواك) ونصوصه المونودرامية بشك خاص (مساء السلامة أيها الزنوج البيض، تكلم يا حجر) في المسرح، أما في القصة فإنه يقوم بتغليب قواعدها وشروطها على قواعد الدراما وشروطها. بمعنى أنه يطوع عناصر الدراما لبلورة خطابه القصصي. وبهذا تكون القصة، عنده، أكثر ميلا إلى السردية منها إلى الدراما كما في قصة (الشمس.. الشمس، اضطراب في ألوان النهار) وقد يكون الصراع خارجيا متمثلا في صراع الشخصيات بعضها مع بعض كما في (الجراد، السؤال، كاوه دلدار) في المسرح و(قصة تقليدية.. جدا) في القصة.
وهو من القلائل الذين يجيدون هذه اللغة وفصيحها ويؤمنون إيمانا كبيرا بقوتها. وقراءة سريعة لمسرحيتي (الأشواك) و(لمن الزهور) على سبيل المثال لا الحصر، تكشف مدى القدرة الهائلة لهذا الكاتب في استخدام هذه اللغة الدرامية التي صار يعرف بها ويتميز بوساطتها عن سائر كتّاب الدراما العراقية والعربية.