البيت الجديد بين الطموح.. والواقع المتحقق

 محيي الدين زنكنة - كاتب مسرحي وأديب عراقي

 

   بدأب ونشاط كبيرين يذللان الكثير من الصعوبات والمحبطات، ما تزال فرقة مسرح بعقوبة تواصل نشاطها الفني، تكسر حدة الجفاف في مدينتنا الصغيرة (بعقوبة) التي لا يكاد أبناؤها يجدون لقاءً حقيقياً مع الفن في غير عروضها المسرحية الجادة التي كان اخرها "البيت الجديد" لنور الدين فارس. من إخراج صباح الأنباري.

بأمل إنشاء بيت جديد، تتحقق فيه الحرية والسعادة وتتلاشى فيه مظاهر الظلم والتخلف والاستغلال، تتناول المسرحية بالنقد الواعي والادانة أخلاقيات بيت قديم، متهدم اجتماعيا وفكريا وأناسا إن صح التعبير أمثال شهاب أبو زبانة، الطفيلي المستغل لزوجته وابنتها التي لا يرى فيها سوى طعم يمكن ان يسقط في حباله نزلاء البيت ابتداءً من حساني، التاجر الغشاش.. الى راضي الدجال، مروراً بفريد الموظف العادي ذي الأحلام الصغيرة. وحتى صبري، العامل الذي بالرغم من تباين موقعه مع كل الشرائح الاجتماعية الأخرى.. لا يبدو غائبا عن مخطط شهاب.

حتى هذا الحد من الفهم الواقعي لمعطيات المسرحية وتحركات شخوصها يمكن القول بان الكاتب قد حقق نجاحا دراميا. اذ قدم مسرحية واقعية ثرة ممتلئة بالإيحاءات الفكرية والجميلة، أما وإن المؤلف أصر على طرح مسألة رمزية ضمن إطار الواقعية، دون ان يحقق لهذا الطرح أسباب الوضوح والنجاح، فقد أحدث خللا واضحا في البناء الدرامي ليس بسبب عجزه عن تحقيق طموحه في تحميل "بهيجة" البعد الرمزي الذي أراده "كفكرة تقدمية" فقط، وانما في علاقة الشخوص الآخرين بها أيضا. إذ من غير المعقول على الاطلاق على مستوى الرمز الذي يريد المؤلف اقحامه على المسرحية وهذه الحالة المسطرية المتحققة لشهاب وراضي وحساني وفريد في الموقف الموحد من "بهيجة" الكل يحبها، الكل يريدها، الكل يطمح في الاستيلاء عليها تحت اسم الزواج (حتى زوج أمها) بنفس القدر من العواطف الملتهبة والمشاعر المتأججة، بينما صبري الذي يمتلك وحده المبرر التاريخي لاحتضان "بهيجة- الفكرة" نراه اكثرهم ابتعادا عنها.

إذا أبعدنا من حسابنا هذه الرمزية التي ينفيها بناء العلاقات ومواقعها- كما تقدم بقي أمامنا التفسير الذي قدمه المخرج عبد الوهاب الدايني لنفس المسرحية حين أخرجها قبل أعوام في بغداد. إذ أراد ربما ضمن رغبات المؤلف إحالة بهيجة الى رمز للسلطة، أية سلطة، يتهالك حولها الكلّ بلا استثناء، وأيضا بنفس القدر من الحماس والحرارة. هذا التفسير بقدر ما يبدو قسرا على النص يبدو متهافتا لا يصمد أمام تكوين "بهيجة" الاجتماعي والنفسي التي لا تعدو أكثر من امرأة مستسلمة ضعيفة، طيعة، فاقدة كل دور قيادي أو ثوري، بالرغم من كل صراخها وزعيقها..

لم يبق بعد إبعاد هذين التفسيرين للمسرحية، إلا أن ننظر الى "بهيجة" كامرأة يانعة يشتهيها الذئب البشري المتقمص شخص شهاب وكذلك راضي وحساني بحكم تواجدهما معها في بيت واحد. وأيضا فريد، ذو الطموحات المحدودة المتقلصة في حدود العثور على امرأة والاستكانة إلى جانبها. كما يقدم أيضا التبرير المعقول لعلاقة صبري الحية بها ورغبته في انقاذها.

وهذا التفسير الأخير هو الذي استند إليه المخرج صباح الأنباري. فاستطاع على ضوئه أن يقدم لنا عرضا- رغم بعض الهنات شيقا.. رصينا. خدم النص كثيرا وساهم- الى حد بعيد- في ردم الفجوات التي تعتمل في النص من غير أن يحجز عن الجمهور الايحاءات الفكرية التقدمية التي أرادها المؤلف. إلا أنه وبالرغم من فهمه الذكي لمعطيات النص، تعثر العرض. لأسباب تتعلق أولا بالنص نفسه، إذ ظلّ يتراوح- حتى بعد الأجزاء الكثيرة التي حذفها المخرج- بين الرمزية والواقعية، والأخر تتعلق به كمخرج يطمح إلى تقديم عرض جيد ضمن إمكانات وقدرات شابه ما تزل في دور التكون.

كان ثمة ارتباك بين فهمه الواقعي للنص وبين تجسيده اللاواقعي له.. مشهد الافتتاح مثلا، الذي يمكن أن يخدم نصا رمزيا ولكن من شأنه ان يربك المسرحية الواقعية. بالإضافة إلى أنه كان مقحما على العرض. ثم أبواب الغرف واستخدام القاعة.. بلا أي مبرر فني وايحائي والمكياج، الذي قلما يستأثر باهتمام أحد، إلا إذا كان نابيا جدا فاقدا كلّ ميزة جمالية فلا بد ان يستوقف المشاهد والناقد معا. فكريمة الياسري. الممثلة الشابة الصغيرة، التي أريد لها أن تؤدي دور فخرية، المرأة العجوز، لم تؤده بحركاتها أو حديثها وإنما خلال لطخات من السواد على وجنتيها. وفريد محمد قاسم الشاب المتأنق لم يكتف بملابسه الانيقة وتسريحة شعره الموحية وحركاته الرشيقة وإنما أظهره لنا الماكيير بمظهر عروس كاملة الزينة. وجنتان تتوهجان بحمرة فاقعة، بشكل ناب بينما كان المكياج موفقا مع الاخرين..

أما الانارة فلم يكن لها أي دور يذكر، بسبب سوء استخدامها، إذ في الوقت الذي كانت البقع الضوئية تتسلط على الممثل كانت الخشبة مغمورة بضوء ساطع مما يفقدها أي مبرر. كما ان الديكور قد ضاع بين تعبيريته وبين واقعية النص.

على أن النقل الحقيقي للعرض قد تجسد بشكل جميل في هذه النخبة الشابة من الممثلين والممثلات. الذين حقق معظمهم، حضورا فنيا ممتعا.. رباح السعدي في دور حساني، صلاح الخساف في دور راضي، لميعة الناشئ في دور بهيجة.. ومحمد قاسم في دور فريد ومصطفى احمد في دور صبري، وكان بوسع حيدر عبود في دور شهاب، وكريمة الياسري في دور فخرية ان يرتفعا إلى مستوى زملائهما.. لو تخلّص الأول. وهو ممثل قدير.. من تشنجات يديه خاصة، والثانية من إلقائها السريع.. المرتبك أحيانا، ... (الملاحظات تتعلق بعرض يوم:6-9)

مرة أخرى تحية لفرقة مسرح بعقوبة الشابة وجهاديتها العالية في إثراء حياتنا الفنية...

                                                          

جريدة طريق الشعب ع 617 ت 19/ 9/ 1975