صباح الأنباري يتذكّر محي الدين زنكنة

د. صالح الرزوق

 

إذا كانت الحركة الطليعية في المسرح (وأقصد بذلك اللامعقول) قد بدأت لدينا مع توفيق الحكيم ويوسف إدريس، فقد تسنى لها شباب من أجيال لاحقة لإغنائها وتطويرها. وفي مقدمة هؤلاء المسرحي صباح الأنباري، الذي يقف على مفترق الطرق بين خطوط درامية متعددة يمكن أن نجمعها تحت عنوان عريض وهو مسرح (القوة والعنف). 

و في كتابه الأخير (محي الدين زنكنة.. الجبل الذي تفيأنا بظلاله الوارفة )، الصادر في السليمانية بكردستان، يعود لهذا الافتراض وبحديه: قوة الدراما الأصيلة عند أحد روادها، وعنف الواقع ولا أدريته وعدم جدواه. 

ولذلك غلبت على فصول الكتاب أحاديث الشتات في الداخل، والصراعات الجانبية التي حولت الحياة لميدان عراك، والطبيعة العنيفة لعلاقة الرقابة مع الشعور. 

و في المقدمة، التي وضعها للكتاب القاص عبدالحليم المدني تحت عنوان (ابتسامة فوق العادة)، يحاول أن يرسم لمحي الدين زنكنة صورة بالألوان، وأن يربط السيرة الشخصية بالنتاج الابداعي و تأثير مشكلة الهوية الملتبسة عليه. فكما هو معروف إن زنكنة كردي، ولكنه مدرس للغة العربية، ولا يكتب إلا بلغة فصحى مشرقة. وأعتقد أن هذا التجزؤ في الينابيع هو المسؤول عن التعدد في الأساليب. فزنكنة كتب تقريبا في جميع الأشكال والأجناس الأدبية ولم يختص بفن محدد. ثم أنه في القصة اختار أن يكون رمزيا، وفي المسرح كتب في إطار الواقعية الاجتماعية مع التأكيد على جانب الفكاهة والمفاجآت. وهي من عناصر الواقع الطبيعي الذي كان بلزاك وزولا يحسبان بداياته ونهاياته بالمسطرة والقلم. بمعنى أن المفاجأة ليست من النوع الطارئ الذي يسميه الأرسطوطاليين (منعطفات reversals)، ولكنها الاختلاف المرجأ (الذي تكلم عنه دريدا مرارا و تكرار).  لقد قدم زنكنة في رواياته الضد النوعي تماما، و كتب عن التخلف وأثره في الواقع النفسي لأفراد ضائعين ومشوهين ولشخصيات صعدت على متن قطار الحياة ولم تعرف في أية محطة يتوجب الهبوط.

لقد تداخلت هذه الخيوط بشكل محكم في أعمال زنكنة، وجعلت من شخصيته ثلاثة في واحد. فهو مع الواقع وضد الاغتراب، ومع الاغتراب الروحي وضد الإفراط بالتخيل، ومع الخيال الفني وضد الحسابات المجانية لمعنى الرموز.

***

ولقد جاءت دراسة الأنباري استكمالا للمقدمة، وكأنها جزء لا يتجزأ منها. فقد رسم فيها صورة شديدة الحيوية والدماثة لزنكنة. ولم يتحدث عن كتاباته فقط، بل دمج الحياة الشخصية لكاتب في ربيع العمر مع نشاطه الأدبي، وأغنى ذلك بجملة من الذكريات. لذلك يبدو أن للكتاب طابعا شخصيا وكأنه انطباعات عامة عن إنسان خاص. بعبارة أخرى كأنه إعادة لوضع الانطباعات في السياق.

حتى أن القارئ يمكن أن يتساءل بعد كل صفحة: هل هذا أدب سيرة أم أنه تمهيد لدراسة أكاديمية هي في طور التحضير.

مهما كان الأمر استطاع صباح الأنباري أن يدخل في عوالم شخصية صديقه وأستاذه محي الدين زنكنة، وأن يمهد الجو للتأمل، وربما للتفكير في دوافعه وأسلوبه.

و لكن السؤال الملح الذي لم أجد إجابة شافية عليه: لماذا اختار زنكنة أن يكون مسرحيا، ولماذا وضعه الأنباري في جملة كتّاب الدراما مع أن قائمة أعماله تؤكد أنه بدأ بكتابة ونشر القصص ثم الرواية. وكانت توجد بين أعماله نصوص من خارج حدود الجنس، مثل القصة الحوارية التي أطلق عليها زنكنة تسمية (قصرحية).

ومن هذا السؤال يتفرع سؤال آخر بمنتهى الأهمية: هل كان هم زنكنة فعلا مع الدراما. هل استطاع أن يعبر عن  نواة معنى هذه الفكرة أم أنه كان يروي لنا حكاية بأساليب مختلفة..

هناك عدة إشارات غير مباشرة، أخشى أن لسان صباح الأنباري قد ذكرها عن غير قصد، ولذلك هي تدخل في باب زلات اللسان التي تعبر عن اللاشعور. 

وأقف أولا عند عبارة وردت في المقدمة، و يرى فيها الأنباري أن تنوع كتابات زنكنة مثل تنوع كتابات شكسبير، و كلها تعبر عن التراجيديا في حياتنا المعيشة!!..

لا مجال للنقاش في مسألة التنوع، فزنكنة متنوع الأدوات. وموضوعاته تغطي الحياة النفسية والاجتماعية لإنسان تطحنه مثالب الحياة. وإن كان دائما ينظر لكل شيء من منظور ذات وليس موضوع. بمعنى أنه يضع قناعاته الشخصية أمام قناعات أبطال نصوصه. وبعبارة أوضح: لقد كان أبطال كتاباته أسرى لديه. إنهم يحملون ما يمليه عليهم. وهذا هو حال كل أدب الحداثة. فهو ذاتي بامتياز، وتغلب عليه الحياة النفسية وأهواء الكاتب نفسه. ولا غرابة في ذلك ما دامت الحداثة هي مجرد تطوير للرومنسية بنوازعها الخاصة وبانحيازها للفرد على حساب المجتمع.

و لكن هل حقا أن شكسبير لم يتخلص من إكليل الشوك الذي وضعته المأساة فوق رأسها؟.

لا أعتقد ذلك. إن سيد الفواجع في وقت مبكر من عصر النهضة مهد الطريق لما يسميه كامو بالموت السعيد. فالنهايات الحزينة عند شكسبير ليست مأساوية دائما، ولكنها انجاز لما لا يمكن لنا رؤيته أو الإقرار به. وللتوضيح: لقد أعاد شكسبير تفسير عقدة الموت من زاوية فوق اجتماعية. فالمحزن اجتماعيا قد يتحول إلى مصدر للسعادة والطمأنينة في الحياة النفسية الخاصة، أو لخلاص مسيحي، وربما قدمت مسرحيته (تاجر البندقية) دليلا عليه. فقد كان الشك المتبادل بين الذهن المسيحي واليهودي واضحا، وهو العنصر المغذي للدراما أصلا والمنتج لشخصية المرابي (شايلوك).

وأعتقد أن هذا ينطبق أيضا على دانييل ديفو مؤلف روبنسون كروزو. لقد كانت حياته الشاقة في الجزيرة عذابا للجسد وخلاصا للنفس والروح. وبقراءة أخرى: كانت انتقادا لاذعا لانحرافات المجتمع وشفاء لجروح النفس المقهورة والمعذبة. 

وعليه إن البدايات والنهايات الحزينة في أعمال زنكنة هي ردة فعل ضد مبدأ الدراما، وتمردا على قانون التعادلية الذي يواخي غالبا بين الوجه الضاحك والوجه الدامع في المسرح.

ونستطيع أن نفهم ذلك على ضوء أنه كاتب قصة ورواية. وأحيانا بالتركيز على الحوار وعلى الشكل الخارجي للشخصيات يتحول إلى المسرح. 

وحتى لا نتلاعب بالألفاظ لقد غلبت لدى زنكنة الرغبة بالتجريد على الرغبة بالمحاكاة. وكانت نصوصه تلعب بالحدود في مناطق العزل. وإن مسرحياته تأويل لنفس الفكرة التي تفرّغ لها في قصصه ورواياته. والدليل على ذلك قصة (الجراد) التي تحولت لاحقا إلى مسرحية. ولكن لم أسمع بمسرحية واحدة حولها زنكنة إلى قصة. وأضف لذلك التكريم الذي حصل عليه زنكنة في مؤتمر الأدباء المعقود بكردستان والذي حمل اليوم المخصص للقصة اسم ( يوم محي الدين زنكنة) كما ورد على لسان الأنباري في كتابه.

ثملا تنس أنه اختار لكتابه الأول (كتابات تطمح أن تكون قصصا) عنوانا غامضا. ولم يسرف بالتأكيد على حدود الجنس. وبالعكس وقف مع - ضد الأطروحة.  وفي سهراته المسائية في اتحاد الأدباء لم يكف عن رواية الطرائف والقصص العجيبة التي ينتقيها من الحياة وذلك بروح المبدع والفنان الذي يضيف من عندياته للحكاية الخام، حتى يصبح لها حكمة ومعنى كما ورد على لسان الأنباري أيضا.

لم يكن زنكنة، إذا، مسرحيا متفرغا للمسرح، مثل السوري سعدالله ونوس، أو الإيطالي داريو فو. وقد اقترب من الفن والأدب من عدة زوايا متقابلة. مثل كتاب صباح الأنباري عنه الذي تضافرت فيه كل أنواع التفسير والعرض، مع شيء غير قليل من التوثيق.  

أما السؤال الثاني، ولا يقل عن سابقه أهمية، فهو عن لغة صباح الأنباري ومصطلحاته. لماذا رأى أن مسرح زنكنة ينضوي تحت راية الفن الرمزي.

في الواقع إن حالة زنكنة لا تختلف كثيرا عن حالة كافكا. كلاهما كاتب شامل يكتب عن معاناة الانسان بشكل عام. وإن رمز الجراد قد يكون إشارة لكل أنواع الشرور. البيروقراطية والتسلط والاستعمار والامبريالية وغير ذلك. ألم يكن زنكنة بشهادة الأنباري يساريا من تلاميذ ماركس، بعيدا عن الوظيفة وقوانينها؟..

لقد عانى كافكا طويلا من تهمة أنه صهيوني وكان الدليل على ذلك قصته اليتيمة (عرب وبنات آوى)، وهي قصة عامة عن المعاناة وشظف العيش بعيدا عن أي إسقاط لاهوتي.

وكذلك هي معظم أعمال زنكنة، انها تتحدث عن أخطار الحياة في مجتمعات غير عادلة تعاني من حصار نفسي واجتماعي ومن انحرافات لا يمكن تعريفها. ولذلك وبشيء من الأريحية أستطيع أن أقول: إن المفتاح إلى عالم زنكنة هو روايته المبكرة (ويبقى الحب علامة) المنشورة بطبعة أولى في دمشق. فهي تصور الخوف من الرعب. والأحداث كلها مختصة بالهرب من عالم الأفكار التي تنتاب بطل الرواية. 

وإن قصة (الجراد) على ما أظن تأكيد على نفس الأطروحة. فهي ليست موجهة ضد النظام الغاشم فقط (وهذا احتمال كبير) ولكنها أيضا موجهة ضد العالم الغاشم بعلاقاته الربوية الاستغلالية.

ويمكن أن أسوق قصته الحوارية (أوراقي) المنشورة في النصف الثاني من الكتاب. إن لهذه القصة المسرحية أهمية خاصة في مسيرة زنكنة.

إنها أولا آخر نص كتبه قبل رحيله إلى مثواه. 

وهي ثانيا توظف كل الأساليب الفنية المعروفة في الكتابة. فتستعير من المسرح وحدة المكان والحوار. ومن القصة الوصف. ومن الشاشة الفضية السيناريو.

أضف لذلك إنها تنتقل بين المدارس الفنية بطلاقة تحسد عليها. فهي في الافتتاحية ذات منحى واقعي ونفسي، وفي الوسط (منتصف الحبكة) لها مدلول تحت طبيعي أو كلاسيكي. ولكنها في الخاتمة (حيث لحظة التنوير) تستعمل اللغة السريالية التي تنظر للواقع كما هو في عالم الخيال واللاشعور والممكن. 

ولذلك يبدو هذا النص مشتركا مع فن القسوة الذي وصل مع أنطونين آرتو لأفضل حالاته. إنه نص عابر للأجناس كما هو عابر للقوميات. ويتكلم عن غرائز بشرية متصارعة نفسر بها عصاب الحداثة وأزمة الإنسان المعاصر. وما الحفرة التي اكتشفها الراعي بالصدفة في بداية الأحداث إلا الهوة abyss التي تعتقد الحداثة أنها زلاتنا وأخطاؤنا المدفونة في منطقة عميقة من اللاشعور. وبهذا المنطق يتساوى رمز المدينة المدمرة (المفروض أنها حلبجة كما ورد في الإهداء) مع واقع ناغازاكي وهيروشيما. ويصبح المجاز والخيال هو الشرط المسبق لأي واقع عنفي.

وبوجيز العبارة ليس في أعمال زنكنة ولا كافكا رموز سيادية. وبتعبير هيغل: ان المدلول والتمثيل الحسي ليس لهما وجود في حالة من الانقسام بل يؤلفان كلا واحدا منضبطا يشبه التمثيل العيني (انظر:  ص 23-24.الفن الرمزي ترجمة جورج طرابيشي دار الطليعة بيروت 1979).

والفكرة تكتفي بتجريد الأفكار العامة وإبهامها (كما يقول هيغل أيضا) ص 7.

ومما سبق يتفرع تساؤل ثالث: هل الرموز في كتابات محي الدين زنكنة وسيلة هروب (بالتعبير الإنكليزي الشائع escapegoat ).

أشك في ذلك فعلا. إن كتاباته تنطوي على خوف ذاتي وهو الخوف نفسه الذي يميز كتابات (الجيل الضائع ) وهم ( جيل النكسة). إن تجفيف مصادر الرعب في الغرب لم يساهم في تخفيف القلق أو عدم الثقة والذي قاد في معظم الحالات إلى الإلحاد والقطيعة المعرفية مع الحاضر، والتفكير بالماضي الذهبي أو بالمستقبل  غير الواضح الذي صوره الأدباء بأسلوب الخيال العلمي. 

فلماذا يجب علينا أن لا نكون مرعوبين من حاضرنا ومستقبلنا، وبالأخص أننا نعيش عدة مشاكل مستعصية، منها ما يهدد وجودنا كحضارة ضعيفة ومريضة ومنها ما يهدد الواقع السياسي الذي نعيش فيه. إنه من غير المستبعد أن ننام في جمهورية ونستيقظ في غيرها. وما حصل في السودان مؤخرا دليل دامغ.

وعليه أرى أن الرعب في أدب محي الدين زنكنة ليس خاصا بالخوف من الرقابة، ولكنه حالة عامة لا يخلو منها نص حديث. ان الحداثة هي بيت الرموز الغامضة، وهي مصدر للخوف والشفقة والاغتراب. والرموز مهما كانت دقيقة وشفافة تنفصل عن نفسها ولا يبقى منها غير الماهية.

و كلنا نعلم أن زنكنة كاتب حديث ولا علاقة له بالفكر الكلاسيكي. 

لقد كانت أعماله تعبر خير تعبير مثل كل الكتابات الحداثية عن الشك بالذات وعن الأوهام المادية التي تتحول ذهنيا إلى حقائق أو تاريخ نفسي وشخصي بديل. وإن مصير رواد حداثة الستينات دليل لا يقبل الجدال. لقد اختاروا الانتحار أو الصمت هربا من العار التراجيدي والذي تحول إلى خوف من فكرة الحياة نفسها. فما قيمة مقص الرقابة هنا؟..

إن المصموت عنه من العلامات الدائمة في الحداثة. لأنها لدينا تستعمل أدوات حديثة عن مجتمع لم يدخل مرحلة التصنيع ولا يزال يعيش فوضى في الأفكار والأنظمة والبدائل. 

ختاما أعتقد أن من يريد أن يحصل على درس بالمجان عن عذاب وهموم نخبة من الطليعة المثقفة العربية، وهي تقاتل طواحين الهواء، عليه أن يقرأ هذا الكتاب الصغير والمشوق.