في يوم المسرح العالمي

نحتفي بـ "باخوس" ونحتسيه حتى الثمالة !!

محي الدين زة نكه نه

أيها السائر، ليس هناك طريق .

الطريق يولد عند السير

" ماتشادو "

السابع والعشرون من آذار ليس يوماً كسائر الايام، بالنسبة لمسرحيي العالم. وفنانيه، وينبغي ألا يكون كذلك، اذ يتوجب علينا الا ندعه يمرّ مرور الكرام، ناهيك عن مرور اللئام. الذي يخلّف من السوء ما يخلّف. وان نجعله، عندنا كما هو في شتى بقاع العالم المأهولة..يوماً متميزاً خاصاً، وعيداً لا يجتر نفسه في الايام الأُخَر..

فهذا اليوم ـ 27 ـ من آذارـ قد صار منذ أكثر من نصف قرن، عيداً احتفالياً مقدساً للمسرحيين وسائر الفنانين والفنيين من عشاق الجمال والصفاء والنقاء المتعبّدين في محراب المسرح وهيكله..المتوضئين بعرق الجهد والمعبّدين الطريق نحو دنيا أخرى..دنيا جديدة ومتجددة على الدوام بقوة فعل الانسان الذي يغدو فيها سيّد نفسه وصانع مصيره الراهن..و..مستقبله. دنيا جديدة مضيئة، يصرع نورها أشباح..الظلام..ويلاشي إشعاعها مظاهر الظلم والقهر..ويلغي..ما..ومن يستطيع..من صانعي الاضطهاد والحرب والارهاب، ليحلَّ محلّ كل تلك (الاشياء!!) القبيحة، المشوهة لوجه الحياة الجميل المبتسم..ولوجود الإنسان الآمن، وأيضاً..الطبيعة الضاحكة الخلابة..سلام دائم ومحبة صادقة، نابعة من القلب والعقل..ولغة عذراء بين البشر جميعاً، تعتمد الحوار والالفة والتفاهم..وكذلك، وبالقوة نفسها والاهتمام ذاته..تؤمن بالاختلاف في الرأي..والتباين في القرار، بلا كراهية ولا بغضاء..وطرح كل ذلك في مناخ من الحرية، بجرأة وشجاعة، بقصد الوصول الى بهاء الحقيقة ورونقها وجوهرها. أو بالاحرى الاقتراب من زهرة الحقيقة والتجوال بشفافية في حديقتها..أو بالاحرى في حدائقها ورياضها المزدانة بشتى الزهور والورود والالوان المتنوعة من الحقائق الإنسانية..والتنزه فيها ببراءة وبتولية..وبنيّات شفافات صافيات لا تشوبها شوائب الغدر او الجشع أو الأثرة..واستنشاق أريجها بروح متفتحة حرة، لا تغلق نافذة ولا توصد باباً..تستضيئ ..بالأنوار كلها..من دون الاستحواذ عليها أو الاستئثار بها..فلا أحد في هذا العصر، وكما كان الأمر في العصور السوابق كلها وكما سيكون في العصور اللواحق القوادم جميعاً، بلغ به الحمق. أو يمكن أن يبلغ به، حد الادعاء، أو بالاحرى الافتراء على نفسه. قبل سواه.. بأنه قد امتلك أو سوف يمتلك، الحقيقة كلها، وحده.

وقدسيّة هذا اليوم الجليل، العيد البهيج..ليست مثل قدسية الايام والاعياد المألوفة والمعتادة، التي ألفتها البشرية واعتادت عليها قسراً أو طواعية، والتي اكتسبتها وتكتسبها، أو استعارتها وتستعيرها، بصورة مؤقتة أو دائمة من المعتقدات والأديان والمذاهب والعقائد والشرائع القديمة، التي ورثتها من غابر الازمان والآباد..أو من الإيديولوجيات والمناسبات، الفردية. الخاصة..أو الجماعية العامة، الحديثة والمعاصرة...

إنها قدسيّة من نوع آخر وذات طعم آخر ونكهة أخرى، غير مكتسبة ولا مستعارة وانما نابعة من الروح ونابتة من الواقع. واقع الانسان الحالم، ومولودة من رحم الارض الولود، التي ترتوي من العرق الذي يسيحه كد الانسان العامل، وتقتات على جهده وتنتعش بعمله الدؤوب ونشاطه الخلاق وابداعه وخياله .. تنمو وتبلغ رشدها وأوجها بفيض محبته واختياره وحريته، وسعيه الدائب المتواصل..لخلق الفرح والمسرّة، وبث السعادة والنشوة..وصنع الظروف الموضوعية الملائمة لكل ذلك، والمناخ الذي يحقق كل أؤلئك..عبر العلم والوعي وتبصير الناس بواقع حياتهم..البائسة، الحافلة بالمآسي والاحزان والفواجع والقهر والاضطهاد، بصدق ونبل، دون تزييف ولا تزيين والقدرة على تغيير كل ذلك الى الافضل والارغد والاسعد.. إذ"ما دامت الظروف هي التي تصنع الانسان، يقول ماركس، فلنصنع ظروفاً إنسانية" والمسرح طاقة بشرية تغييرية هائلة بوسعها. اذا احسن توظيفها..اجتماعياً وجمالياً..أن تنير الطريق نحو عالم أكثر جمالاً وسعادةً وثراءً، وحياة..و..واقعاً..وكل ذلك يمكن أن يتحقق بالعمل المثمر الناضج، فردياً وجماعياً، بتقليص المسافة، ما أمكن بين واقعه التعس الذي يحياه حتى النخاع، على الرغم منه، ومغلوباً على أمره وحاله بفعل قوى ضاغطة منتفعة من بؤسه وشقائه، وبين الحلم الذي يرنو اليه ويتطلع الى تحقيقه، بشكله الاكثر كمالاً وانسانية، حيث هو، فوق ارضه وتحت سمائه، لا فوق هذه وتحت تراب تلك، ملتصقاً به التصاق الشرايين والاوردة بالدماء التي تجري عبرها، والتي تمنحه الحياة والديمومة، لا بالقفز فوقها والتنكر لها..بالارتخاء المخدّر الكسلان في احضان الاوهام والخدع والافتراضات، عبر التحليق في سماوات الخيال غير النابع من العلم ولا القائم على اسسه الواقعية والاستسلام برخاوة وكسل، مسلوب الارادة والوعي والعقل، لاكاذيبها وتلوناتها الحرباوية العديدة..التي تنفخ فيه سعادة وهمية بـ.. بلا أقدام تقف عليها .. فضلا عن السير بها..إلى حيث يريد..ويطمح في الوصول..ولكن لا بد من الاقرار بأن الاحتفاء بهذا اليوم، سواء في كردستان او في العراق ككل. لا يرتقي الى قامته..ولا إلى مكانته السامية، اذ هو يقتصر..على بضعة عروض مسرحية، أو على عرض مسرحي واحد..يجري في قاعة مغلقة، يرتادها عدد محدود من الجمهور، بعيداً عن الساحات المفتوحة..في الهواء الطلق أمام جماهير عريضة متلهفة..ومنفتحة للاستفادة والتعلم. وبحاجة ماسة الى زاد المعرفة الفنية والجمالية والفكرية..

إن ما يجري ـ ان جرى ـ ليس في مستوى الطموح البتة، ولا حتى قريباً منه .. ناهيك عن بلوغه أو إدراكه..ولكن..لا مناص من ان نتساءل، لكي لا نتوغل بعيداً في المشاعر المازوكية، هل يمكن، ان يزعم احد بأنه قد بلغ الطموح أو ادركه كما ينبغي..؟

ان الطموح هذا( الشيء !!) القريب جداً، كما يبدو، والبعيد جداً جداً، كما هو على صعيد الواقع والتحقق.. كائن غريب .. اذ كلما بدا لأحدنا انه قد قبض عليه ومسك تلابيبه .. بكلتا يديه وبأنامله العشر .. يجده قد تزأبق وفر منه. وشرع يتسلل من فتحات اصابعه ويهرب بعيداً بعيداً.. ليظل ,الباحث عنه , بعد ذلك, كما كان قبل ذلك يكدّ ويتعب ويشقى , لاهثاً لاجل الاقتراب منه في بحث مضن وجهد دائب ولهاث متواصل , ولكن في الوقت نفسه في لذة عارمة لاتضاهيها الا لذة العاشق المراهق الولهان الذي يطارد او تطارده، الجنيّة الحبيبة الملعونة التي زارته ذات ليلة باردة .. وقضى معها وقضت معه .. هنيهات أو سنوات في حلم مترع بادفء والمتعة .. أو تسللت اليه في ظهيرة صيف قائض. كنسمة او دفقة انسام من نسيمات الجنة ذات العذوبة الخاصة والطراوة اللامتناهية .

في هذا اليوم، وفي المناسبة نفسها ولاجلها .. "27-اذار" يبهجنا ان نعلن فرحنا.. الكبير بعيدنا المسرحي الخاص..وان ننتشي به ونحتفي بـ(باخوس) ونحتسيه حتى..الثمالة. مع سائر عشاقه وعبّاده المترعين. بخمره المقدسة المعتقة..والمنبعثين ثانية وثالثة ومئة والفاً بعد احتراقهم النبوي في ناره اللذيذة..من محبي المسرح، هواة وخالقين. ممثلين ومخرجين، عمالاً ومهندسين..كتاباً ومشاهدين..من الشهداء الحاضرين الاحياء أبداً..ومن الحاضرين الشهداء يوماً ما..الذين عمّدو خشبته المقدسة..وغسلوا محرابه..وطهروا هيكله..لا بدمائهم..فالدنيا قد غرقت وفاضت بالدماء. وقد آن الاوان ان ترتفع صرخات الغضب وصيحات الرفض ونداءات العقل من كل مكان، من كل شبر من الأرض..ومن كل إنسان بلغة "شكسبيرية " عاصفة وبنبرة "سالارية " راعدة..كفى..كفى ..سفكاً للدماء..وتباً تباً للقتلة..ومحقاً محقاً لصناعي الظلام..وسحقاً لهم..ولنغسل مهدنا الأرض ونطهرها ونطرزها بمداد الكلمة..ولنرسم بالعرق المتفصّد من جباهنا..بسمة على الشفاه..وفرحاً في القلوب..والقاً في عيون الاطفال ولنطلق الحب طيوراً في السماء..ونعلّق على هامات الفنانين نجوماً واقماراً وشموساً لاتغيب ولا تنطفئ..ولنغن في فضاءات الاكوان غناءً وموسيقى ونشيداً للحرية والفرح والنصر على الظلم والظلام كما فعل العبقري "بتهوفن" في سيمفونيته الخالدة...

مرة أخرى لا ينبغي ان ندع هذا اليوم يمرّ بخفاء في الظلام، بلا شموع نصنعها من الكلمة والحرف والضوء والحركة..والجسد والروح..واللحن والغناء..و.."ان تشعل شمعة خير الف مرة من ان تلعن الظلام" كما يقول المثل الصيني.

وها نحن نشعل شمعتنا..نزحزح عنا الظلام..ونشارك أحبتنا القراء أفراحنا وبهجة هذا اليوم التي لن تنطفئ..ورونقه الذي لا يخبو..مادام ثمة عشق..

ولنسر.. نسر..نسر..فسوف نجد طريقنا..أو نحفر طريقنا ونعبدّها ونزرعها بزهور العشق والمحبة و السلام..

محي الدين زة نكه نه

                                                                                                                                        آذار /2010

                                                                                                                                        السليمانية