مشروع (المنودراما التعاقبية) وقناديل العرض الجديدة

فاروق صبري

Sabrifarouk446@yahoo.com                                                                                                                                                                                                               

 

بعد فترة قصيرة من وصولي إلى نيوزلندا، مدينة أوكلاند شعرت بغربة طعمها أكثر مرارة من محطات منافي السابقة، غربة متوحشة لا يمكن إيقاف مخالبها إلا بالمسرح، نعم لابد من عرض مسرحي...

 ومن أجل تنفيذه تعرفت على بعض الجاليات العربية والعراقية عسى أن أجد اناس لهم علاقة بشكل أو اخر بالمسرح، وكانت الصدمة أن لا أحد. إذاً هل أتوقف عن مواجهة مخالب الغربة !!؟؟

قررت أن أسير في طريق المواجهة وما ساعدني في هذا القرار تشجيع بعض الأصدقاء الجدد الذين تعرفت عليهم رغم أنهم أكدوا صعوبة الحصول على جهة إنتاجية للعرض، لكن كيف أعمل مسرحية من دون كادر من الممثلين، الفنيين على الأقل!!!!؟؟؟

 وتساؤلي هذا وضعني أمام حيرة لكنها لم تطل كثيراً إذ عزمت الأمر والتوجّه إلى خيار العرض المنودرامي.

وإذا إنطلق الفنان الرائد زيناتي قدسيه للسير في مشروعه المسرحي المنودرامي (منفرداً كما الرسام والشاعر والروائي) مثلما يقول فإن ما دفعني إلى المنودراما هو غياب الفنانين المسرحيين أو المهتمين به فقط وإنما لعدم توفر أبسط الإمكانيات والظروف المادية والفنية في محيط الجاليات العربية والعراقية حيث أقيم في الجزيرة البعيدة المحاطة بالمحيطات والحيتان والكواسج ورياح القطب الجنوبي.

 لذلك قررت أن أبحث عن نص منودرامي وأشتغل عليه ، وكان اللقاء عبر أثير الأنترنيت مع الصديق الشاعر العراقي عبدالرزاق الربيعي الذي هيأ لي وبزمن قياسي نص" أمراء الجحيم" وبدأت القراءات الاولى في صالون البيت الذي اسكنه، قراءات، قراءات، قراءات ووضع تصورات لتشكيل الشخصيات ومقترحات لبناء فضاءات بصرية  وجاء وقت الأداء إحتجت من يتابع النص وأنا أقرأ وأحفظ ، للأسف لا أحد!! وتجاوزت هذا الإشكال لكن بعد أن وصلت بقناعتي بعرض المسرحية واجهني إشكال مقلق وهو عدم تمكني من الحصول على مبلغ لاستئجار صالة للعرض، فما العمل ؟؟؟

هل أتوقف وألغي العرض؟؟ هذا التساؤل بات هاجساً مرعباً لكنه لم يشل صهيل رغبتي في البحث عن حل ما. أدركت أن إيجاده ليس سهلاً. وجاء الحل وأنا أفتح باب كراج البيت... هذا الكراج سأجعله خشبة وأعرض عليها وهكذا وخلال يومين أوثلاث وبمساعدة بعض الاصدقاء نصبت ديكور العرض وبروجتورين وبورد خشبي للكنترول وكان جنرال البروفة على خشبة كراج ثيتر حيث حضر جمهور من المعارف الذين أستقبلوا العرض بفرح وترحاب رائعين وقالوا سوف نؤجر لك صالة مهما كانت الظروف وصدقوا وإنتقل العرض إلى صالة لمركز ثقافي في مدينة أوكلاند.

وبعد عرضها مسرحية امراء الجحيم- في هولندا والدنمارك وفي مهرجان أسبوع المدى  في اربيل عرضت للمرة الثانية في نيوزلندا وعلى مسرح محترف ( Howick Little Theatre)  وبعد ذلك جاء العرض المونودرامي الثاني (لا احد يطرق بابي)  حيث قدم مرتين وفي  في مكانين مختلفين، الأول في نفس صالة مسرح هويك الصغير أما المرة الثانية كان في داخل كنيسة الأمر الذي جعلني بوضع سينوغرافيا قريبة للطقس الكنائسي، حيث التلاقي المباشر مع الحاضرين وبل مشاركتهم في تواصل العرض وإضافة كورال تشكّل من فتيات شاركنني في الغناء .

شكل هذا العرض لمسرحية (لا أحد يطرق بابي تأليف عبدالرزاق الربيعي)  الذي حضره جمهور كبير أول القدح في إمكانية تقديم عرض منودرامي مغاير ومختلف في توظيف وتنويع فضاء العرض المنودرامي ولكن شرارة القدح لم تكن كافية في ولادة الفكرة بصورة واضحة، اذا كانت محاطة بالتساؤلات التي فتحت شهية القراءة لتاريخ المسرح والمنودرامي منه بشكل خاص مروراً بمحاولاتي المتواضعة ومشاهداتي السابقة لتجارب مبدعين مسرحيين منودراميين كل هذه دفعتني أكثر إلى الوقوف عند السائد العرض المنودرامي وطرح تساؤلات حول بنيته البصرية والمضمونية ، وهل من الممكن تغيير هذه البنيّة تغييراً جوهرياً وجديداً في النص والأخراج والتمثيل وتأثيث الفضاء المسرحي؟؟؟

وفي مقابل هذا التساؤل كان ينتصب أمامي تساؤل مغاير: هل هذا التغيير الذي بدأت التفكير به يتحول إلى مشروع عملي يمكن تنفيذه كعرض مسرحي لا يتناقض مع تسمية العرض المنودرامي ، وبالعكس من ذلك يتخلص من النمطية والثوابت ويضيف إليه حيوية بصرية ممتعة ومؤثرة ومشحونة بالجمال والمعرفة.

ومع سيل من التساؤلات التي كنت أطرحها ومازلت على نفسي كانت أراء وعناوين ومواقف معارضة، مشككة، غير مقتنعة لحضور العرض المنودرامي لا تغادر ذهني ، فمثلا أن المخرج الاردني وإن أخرج نص ممدوح عدوان (حال الدنيا) إلا أنه قال (أنا ضد المنودراما، لأن المسرح حركة وحياة ومشكلة المنودراما لا تمكن من تقديم حياة بكامل أبعادها على خشبة المسرح ثم إنها جماهيرياً غير ناجحة) فيما إعتبر الدكتور حمدي الجابري المنودراما (مسرحاً كاذباً وخادعاً) يلتجأ إليه العاجزون!!! وعالمياً نتوقف عند رأي بيتر بروك الذي قال أن (المنودراما أقل حرارة في المسرح القائم) وإنها (تفتقر إلى المواجهة بين أكثر من ممثل ) فيما كان رأي المخرج الفرنسي جان لوي بارو حاسماً في رفضه للمونودراما كونها  تبقى (فناً درامياً ناقصاً حيث تفتقر لعنصر الحدث وتنحصر دائماً وأبداً في أشكالها الفردية)... هنا نلاحظ ولاحظت أنا أن هذه الأراء رغم تباين مستويات رفضها للعرض المونودرامي، إلا أنها تؤكد لادرامية المنودراما، بمعنى أنها تفتقد للصراع الذي يعتبر أهم جوهر في أي عرض مسرحي، ومثلما قلت سابقاً أن مثل هذه الأراء المعارضة للمنودراما هي أيضاً كانت الدافع المحرّك في تواصلي لتغيير البنية البصرية والمضمونية للعرض المونودرامي، حيث يكون السرد أو أحاول أن يتخلص من جغرافية الماضي والإستذكار والإستحضار ويتناول الحاضر والأني وليصبح أكثر فعالية وتصادماً ومثيراً ومحرضاً لوعي المشاهد، بل دافعاً له نحو المشاركة في العرض، والمساءلة حول أحداثه أوشخصياته المتعددة، والمشروع بحد ذاته أرضية لتفعيل فعل الصراع كي ينهي العرض المنودرامي التعاقبي زمن (صخب الأخرين في الجسد الواحد) مثلما يعنوّن مقاله الأستاذ عبدالعزيز صالح العقبي ليكون زمناً لـــ(صخب الأخرين ) في الكثير من الأجساد .

في حالة تنفيذه سيبرهن مشروع المنودراما التعاقبية بأن العرض المونودرامي ليس عرض الممثل الواحد وسيثبت بأن المنودراما تملك طقوساً وأحداثاً وشخصياتً متصارعة ومتفاعلة مع بعضها ومع وعي وذائقة الجمهور.

ومما لا شك فيه ان مشروعي المنودرامي لا يتكئ على الفراغ ولا على التنظير التجريدي ، إنه يستند على ميراث المعرفة التنويرية والذي غامر منتجوه في صناعة الجديد، بل والتسابق في تجاوز التابوات والقواعد والأنماط وإنجاز رؤى واساليب وعوالم وفضاءات غير مسبوقة، وفي تاريخ المسرح ومسيرته الطويلة الغنية نجد مبدعين حاولوا خلق بصمات خاصة وتأسيس تيارات مازال بعض منها يتواصل ويتجدد من جيل إلى جيل ومن بلد إلى بلد أخر ولعل هذا الأمر جوهر الإبداع وهاجس ضروري يمتلكه المبدع المعرفي.

هذا الهاجس كنت أستحضره في عام 2011 وأنا منشغل بفكرة تغيير العرض المنودرامي ولم تشجعني المواقف، الكتابات، الآراء المؤيدة للمونودراما، بالعكس ما شجعني الكثير من أراء مناهضة أو معارضة أو مشككة لحضور المنودراما كنوع من أنواع المسرح، الأراء الأخيرة جعلتني أن أرتب هاجسي وأطرح عليه تساؤلات متنوعة  حتى تحول إنشغال يومي لي ومن ثم صار كفكرة تتبلور شيئاً فشيئاً وتتوجه نحو التشكل والتأسيس كمشروع بدأت مناقشته ومن ثم كتابته كنص يدعو إلى عرض منودرامي جديد يعتمد في البدء على ثلاثة طرق متنوعة يمكن للكاتب أو المخرج أو السيناغرافيست الإنطلاق منها وإضافة رؤيته الفكرية ومقترحاته البصرية على الطرق الثلاث التي سجلتها في المشروع المسمى لاحقاً بــ" المنودراما التعاقبية" ولذلك حرصت أن يظهر نص المشروع كتنظير عملي يمتلك أرضية للتطبيق المفتوح على تقبل أفكار جديدة  ولا تبدو كقواعد ثابته في العرض المنودرامي.

 لم أعلن عن المشروع (المنودراما التعاقبية) حتى عام 2014 حيث نشرت نص المشروع في الصحف والمواقع وتوالت أراء العديد من المسرحيين والكتّاب حوله وتلك الآراء اختلفت بل تعارضت في تقييمها وقراءتها للمشروع إلا أن جميعها وضعني أمام مسؤولية رائعة وصعبة وتتمثل بتنفيذ المشروع كعرض مسرحي يصبح في مواجهة  محك التقييم الفعلي والقراءة النقدية.

ومن المهم أن نذكر بأن التنفيذ العملي للمشروع يتطلب إقامة ورشة فنية لمدّة لا تقل عن أسبوع كامل يشارك فيها كتّاب وممثلون وفنيون وطلاب وقد وضعت برنامجاً كاملا لهذه الورشة الفنية ويمكن خلالها مناقشة وطرح معلومات ومعطيات تخص تجارب العرض المنودرامي وقراءة نص المشروع بصورة تفصيلية تخص الرؤية الأخراجية والأداء التمثيلي وفضاء المسرح وتأليف النص وفق المشروع وهنا اريد التوقف عند أسبقية كتابة ثلاث نصوص كتبها الكاتب المسرحي صباح الأنباري والنصوص هي (أسئلة الجلاد والضحية ) و(القاتل والقتيلة) و(القاص والقنّاص) وفق ماهية المشروع  ويمكن الإعتماد عليها لعروض منودرامية تعاقبية ويبقى آخر فقرة في برنامج الورشة إختيار كادرالعرض والبدء بالبروفات وإشعال قناديل العرض الجديدة وهذا حلم احاول تحقيقه كمنجز مسرحي يقدم على المسارح وفي التظاهرات الثقافية والمهرجانات المسرحية...

هناك مقولة لا تهدأ في روحي وتتماوج مع نبض القلب، المقولة هي: لابد أن أن نحلم ، وأنا أمارس الحلم كهواء أتنفسه وأحاول وهذا هو الأهم، وفي هذه الأيام حلمي أن أنفذ مشروعي (المنودراما التعاقبية) عبر ورشة فنية أنجز خلالها عرضاً مسرحيا وطبعا المشروع سيكون أرضية حرّة لكتابة النصوص وانجاز العروض المسرحية.