عسكرة عطيل في الجنوب الاسترالي

رؤية اخراجية محدثة

   اختتمت فرقة مسرح ولاية جنوب استراليا الموسم المسرحي 2014 بمسرحية شكسبير المأساوية (عطيل) أخرجتها لخشبة المسرح في أديلايد نيسشا جلك  Nescha Jelk ومثل دور عطيل فيها الممثل الاسترالي/ الفلسطيني حازم شماس الذي عرف بأدواره المتميزة سينمائيا وتلفازيا ومسرحيا. ومثل دور ياغو الممثل الاسترالي رناتو ماسولينو  Renato Musolino  وتألقت بدور دزدمونه Desdemona الممثلة القديرة آشتون مالكولم Ashton Malcolm مع فريق عمل ساهم بفاعلية بأداء بقية الأدوار والأشغال المسرحية.

   بدأ العرض برقصة ثنائية بين عطيل ودزدمونه كانت مبعث فرح، ونشوة، ورومانسية معاصرة في مكان عائم أمام الستارة غير محدد بهوية كما هو الحب في حياتنا عندما يتسع المرح، والمسرّة، والسعادة، والبهجة، والأمل. وهو مشهد قصير ابتكاري أضافته المخرجة ليكون النقيض المضاد لخاتمة مسرحية بنيتها الحزن المأساوي، والفاجعة الرهيبة، والألم الممض. ارادت المخرجة منذ البدء التأكيد على أن الفرح والحزن الشكسبيريين وجهان لعملة واحدة هي العاطفة العاصفة بقوة المشاعر الإنسانية الرقيقة والعنيفة في آن. المظاهر العامة في العرض تشي أن الحدث بل الأحداث كلّها وقعت في عصرنا المتقدم تكنولوجيا على عصر شكسبير وقد جاء هذا عبر استخدام الوسائط اللوجستية، والاسلحة الشخصية الآلية المتطورة، والمعدات العسكرية، والكشافات الضوئية، وأخيراً أزياء القوات الخاصة والمغاوير. أما الحرب فكانت معاصرة، ومماثلة لأغلب الحروب الكولنيالية التي وقعت على أرض الواقع الحالي المضطرب. وقد برع فيها مصمم المعارك دانكان مكسويل Duncan Maxwell براعة كبيرة حتى إنها بدت واقعية بكل تفاصيلها.

لقد جعلت المخرجة أحداث المسرحية تدور على منضدة الرمل التي غطت أغلب مساحة الخشبة وبدا أن القطعة العسكرية التي يقودها عطيل تحرّك من خارج منضدة الرمل المربعة كرقعة شطرنج لا حدود لمربعاتها فهي مربع واحد محكوم ومتحكّم به من قبل قوة غير مرئية على أو إلى جانب منضدة الرمل الكبيرة وهي رمز عسكري بحت شكّلت مع شخوص المسرحية أرضية واسعة للصراع العسكري الحربي.

 لقد بدأ الاتراك حملتهم العسكرية البحرية ضد قبرص عام 1570 وانتهت الحملة قبل أن تبدأ المعركة فقد غرقت سفن الأتراك بعد إن داهمتها عاصفة هوجاء مدمرة قضت على العدد الذي كان من شأنه ازهاق آلاف الأرواح القبرصية. وفي الوقت الذي قضت فيه العاصفة على الأتراك نجا عطيل منها وكان متوجها من البندقية الى قبرص ليقود قطعاتها العسكرية نحو النصر الذي ضمنته حكومة البندقية على يديه. وما كان لأهل قبرص إلا أن يحتفلوا بحلول السلام، وزوال أسباب الحرب المدمّرة. لقد نجا عطيل من الكارثة التي أعدّها القدر لخصومه، ووصل أرض قبرص بسلام فاحتفى به أفراد قطعته العسكرية.

لم يتوقف الصراع بعد توقف الحملة التركية بل استمر متخذاً وجهة أخرى، أو مساراً مختلفا عما كان مخططا له من قبل، ومرسوما على منضدة الرمل ولكن هذه المرّة ليس بين قبرص والقوى الخارجية المهاجمة بل بين العساكر أنفسهم، وتحديدا داخل القطعة التي يقودها عطيل.

 من هنا تأخذ الأحداث مأخذا مختلفا، ويبدأ الصراع دورته التي ستكبر شيئاً فشيئاً لتحيل الكلّ إلى الفاجعة الرهيبة. لقد أناطت المخرجة دور عطيل للمثل الفلسطيني الأصل حازم شماس لعدة أسباب منها (حسب رؤيتنا للعرض) أنها أرادت أن تفصح عن رؤيتها لعطيل التي بنتها على أساس أصله العربي المغربي مفسّرة ومؤكّدة على لون بشرته السمراء لا السوداء باعتبار أن السمار لون لجنس عربي خالص. ولا تفوتنا  الإشارة هنا إلى التضارب الكبير في الآراء حول حقيقة لون بشرة عطيل والذي لم يكن وليد الساعة بل وليد زمن بعيد نسبيا. وقد فسّر بعض النقاد، وأعطوا مبررات تفسيرهم في هذا الموضوع مثل الناقد برادلي(*) الذي أكّد أن لون عطيل ليس كما يعتقد الناس فهو أسمر على الرغم من وجود عدد من الإشارات في النص التي دلّت على سواد لونه والذي يبرر وجودها شيوع التسميتين آنذاك والمتأت من الاستخدام غير الدقيق للّونين الأسمر والأسود، واستبدال أحدهما بالآخر وكأن لا فرق بينهما في الدرجة والتدرّج. يقول عطيل على سبيل المثال لا الحصر:

"اسمها الذي كان نقياً

كوجه ديانا، ملوث أسود الآن

كوجهي أنا"

 أما جسد عطيل في العرض الاسترالي فقد جاء على وفق رؤية المخرجة له بأبعاد طبيعية جدا فلم يكن ضخماً كما صنفه نقاد شكسبير ضمن الشخصيات الضخمة ومنهم آ. سي. برادلي(*) القائل إن عطيل من الشخصيات التي جعلها شكسبير عملاقة ضخمة جدا كما هو حال الملك لير، ويوليوس قيصر، وكريولانس، ومكبث وهو "يذكرنا عندما يضطرب بعنف عناصر الطبيعة أكثر مما يذكرنا بضوضاء اللوعات الإنسانية العادية".

 أرادت المخرجة القول إن جسد عطيل - خلافا لما زعموا - لم يكن ضخما كحبه لدزدمونه، وإن الجسد النحيف يمكن أن يكون قويا، سريع الحركة مرنا بما يكفي لمواجهة تحديات الطبيعة وأهوالها وتحديات الشخوص حركياً ونفسياً أكثر من الجسد الضخم، وإن عاشقا متيّما فارساً كعطيل لا يمكن إلا أن يكون بهذه الأبعاد والصفات الجسدية. يقول عطيل لصحبه - على سبيل المثال لا الحصر - بعد أن نشب عراك بينهم:

"اغمدوا سيوفكم اللامعة وإلا أصدأها الندى"

فامتثلوا لأمره جميعا وتوقفوا عن العراك فعلاً مما يؤكد أنه يتمتع بقوة وعزيمة لا تقهران. ولا ننسى ونحن في معرض الحديث عن عطيل تحديداً أن نذكر أن المخرجة إمعانا في تأكيد أصل عطيل العربي فإنها سمحت له بوضع (اليشماغ) على كتفيه واليشماغ أو الشماغ(*) كما هو معروف للجميع جزء لا يتجزأ من الزي العربي الآن. بل إنها ذهبت إلى أكثر من هذا إذ جعلت ممثلة دور  بيانكا Bianca ترتدي الحجاب الاسلامي، وتلقي التحية باللغة العربية (السلام عليكم) فيرد عليها Cassio  كاسيو بلكنة أجنبية (السلام عليكم) ولا مبرر حسب رأيي لهذا التعريب المقحم على الشخصية المرتبطة بكاسيو كعشيقة له فاذا كان من الممكن تبرير الموافقة على اقتران عطيل بدزدمونه كونه اعتنق المسيحية فما الذي يبرر العلاقة بين بيانكا المسلمة وبين كاسيو المسيحي وهذا يعني أن المخرجة لم تتوصل إلى فكرة مثالية من شانها أن تدعم وتبرر هذا التعريب القسري.

   وعلى صعيد شخوص المسرحية يبرز دور ياغو Iago كواحد من الأدوار الرئيسة في العرض الاسترالي ليمارس شروره ويبث سمومه القاتلة ضد عطيل والتي سبّبها اختياره لكاسيو كحامل لرايته تمييزا له كضابط مخلص وأمين خيارا جعل ياغو يخطط بكل ما امتلك من مكر ودهاء للانتقام من عطيل وهذا هو السبب الرئيس للعداوة المضمرة. المخرجة استبعدت تماما أن يكون السبب ناجما عن تمييز عرقي أو عنصري كما طرحه بعض المخرجين. وإن ياغو استطاع من تحطيم عدوه ليس عن طريق إثارة غيرته المستأسدة كعربي شرقي كما يظن الكثير من النقاد والمخرجين بل بسبب شعور عطيل بالخيانة الجنسية واللاعدل فيها يقول محتجاً:

"أن تكن تخونني، فالسماء تهزأ من نفسها!"

ويعني من عدالتها. لقد تحول الصراع كما قلنا من الهمّ الجمعيّ إلى الهمّ الشخصي، وانحصرت رهبة ذلك الهمّ في نفس عطيل المعذّبة وبدا أن المسرحية بكلّ تفاصيلها واشكالاتها وقفاً على هذه الشخصية وهذا دأب شكسبيري بامتياز لا نحتاج إلى فطنة كبيرة لاكتشافه في شخصية هاملت أو لير أو يوليوس قيصر أو غيرهم من الشخصيات الشكسبيرية. وكل هذا ضمن منضدة الرمل العسكرية التي أرادت المخرجة جعل المتلقي يدرك - طوال العرض - أن الحياة بكل ما لها وما عليها من حرب وسلام، وأمن ودمار، وحب وحقد، وانانية ونكران ذات في عالمنا قد تمت عسكرتها ولا وجود لعالم يقع خارجها. وهذا هو ما ابتليت به كرتنا الأرضية التي تشهد الآن صراعات دموية لا سبيل لإيقاف نزفها المستمر، وإن الكارثة الكبرى آتية لا ريب فيها لتنهي فصلها الأخير.

لقد ثارت ثائرة عطيل على الرغم من حلمه، ورشده، وقوة ادراكه، وما يتحلى به من صفات الفطنة والتفكير السليم، وصار الموت هو الخيار العادل للقضاء على غير العادل في علاقته مع دزدمونه. حتى صار قلبه كالحجر الأصم:

"لقد تحول قلبي الى حجر، أضربه فيؤلم يدي"

ثمة من فسّر أن هذا مرده اختلاف الثقافتين على الرغم من أن عطيل قد خبر مجتمع البندقية، وعلاقاته، ونسائه، ورجاله وانصهر فيه حد ذوبان الفروق الثقافية والمعتقدية. لقد انتهت المسرحية إذن بخيار الموت. موت دزدمونه على يد حبيبها عطيل، وهنا تبرز واحدة من اشكالات العرض الاسترالي فقد درج المخرجون على قتل دزدمونه وراء الستر الشفافة أو داخل مخدع العروسين دون أن يتمكن جمهور النظارة من رؤية بشاعة القتل رؤية جلية وواضحة لكن المخرجة الاسترالية نيسشا رأت أن يكون القتل على مرأى من الجميع. أليس هذا هو ما يحدث الآن في أنحاء متفرقة من الشرق؟ لقد خنق عطيل دزدمونه وكأنه يخنق ما تبقى له من روحه القلقة. وكأي عسكري خاض تجربة القتل في كلّ الحروب التي شارك فيها فان القتل عنده لا يستجوب التعمية. لقد حلّت الكارثة إذن ولا بد للعاشق المتيم أن يشعر بحجمها الحقيقي من خلال معرفة اللاعدل الذي أراده أن يكون عدلاً في موت دزدمونه. لقد شعر بالخطأ الجسيم أو بالأحرى شعر بفداحة الجرم الذي تلبّسه من رأسه حتى أخمص قدميه بعد وضوح الحقيقة، ولم يبق له إلا أن يمارس العدل ضد نفسه بفنائها الأبدي. لقد انتهت المسرحية بإطلاق رصاصة من فوهة مسدس عطيل ليحل الظلام معها في نفوس جمهور النظارة الذي وقف مصفقا بحرارة لكادر العرض المسرحي القدير.       

................................................

اشارات:

         الحوارات التي وردت في المقالة والاشارات الأخرى مأخوذة من كتاب (المآسي الكبرى) ترجمة جبرا ابراهيم جبرا.

         المقالة تناولت العرض قبل الأخير للمسرحية يوم 29/ 11/ 2014.

         وردت كلمة يشماغ في اللغة السومرية والتي هي في الأصل مقطعين هما: اش ماخ: تعني غطاء الرأس.