قضيةٌ ليست للمرافعة

سادتي الحضور. مرحباً بكم في هذه الجلسة المباركة.

   عرفتُ قضيةَ عفافِ التميميِ قبلَ أن أعرفَ التميميَ نفسَهُ، وعندما عرفتُهُ وجدتُ فيه طيبةً   وبساطة كبيرتين. هو رجلٌ سهلٌ يسهلُ دخولُكَ إليه كما لو أنك تعرفُهُ منذ زمنٍ طويلٍ، وهو لا يقلُّ عن عفافه بساطةً وتواضعاً وتفاؤلاً حتى وهو يمرُّ بظرفٍ صعبٍ كهذا الذي يهيمنُ على بلادهِ من أقصاها إلى أقصاها. حملَ إليَّ نسخةً من القضيةِ مدبجةً بإهداءٍ جميل. وعندما اطلعتُ على تفاصيلها تعاطفتُ معها، وتابعتُها خطوةً إثرَ خطوةٍ مشفقاً على عفافهِ أحياناً، وغاضباً من ظرفِها المحيطِ الذي فرضَ عليها قسوةً رهيبةً هي أكبرُ مما تتحملُهُ فتاةٌ رقيقةٌ مثلها آثَرَتْ التحدي على الرضوخ، والوقوف بوجه الأمواج الهادرة على الاستسلام، أو الانحناء أمام عواصف الواقع المدمّر المرير.

في ليلةٍ ممطرةٍ بجنون وقَفَتْ تنتظرُ مُخَلِّصَها من جنونِ الشتاء. تنتظرُ الحافلةَ التي ستقلُّها قبل أن يُعتدى عليها في ليلٍ قلّما نجدُ فيه امرأةً لا تنتمي لذلك القطيعِ من بناتِ الليلِ والهوى. من هذا الموقف الصعب، ومن هذه النقطة الحرجة ابتدأت بوادر (قضية عفاف) بالظهور كرواية لمؤلفها الذي نحتفي به وإياكم في هذه الجلسة الأدبية الموقرة.

 لست هنا للدفاع عنها، ولا للمرافعة أو الاستجواب أو الحكم عليها أمام حضراتكم أيها الأخوة والأصدقاء، وفقط أردتُ الإشارةَ إلى أن القضيةَ ابتدأت تحتَ ظرفٍ قاسٍ جداً، وانتهت تحتَ ظرفٍ أشدَّ قساوةً وضراوةً من المتوقع.

قلت إن (قضية عفاف) روايةٌ سهلةٌ جداً. بسيطةٌ بفكرتِها، مرنةٌ بلغتِها، طيّعةٌ في تناولِها، واقعيةٌ في قصتِها، شعبيةٌ في شخوصِها، ومتواضعةٌ في بنائِها فهل يعني هذا أن بوابةَ الكتابةِ مفتوحةٌ على مصراعيها لدخول من هبَّ ودبَّ من أنصاف الكتاب وأشباههم؟

قد يظن أحدهم أن ذلك من الممكن جداً إذا أخذَ قولَنا دونَ وعيٍ منه أن تلك السهولة تتصف بصفة طالما تحدّث عنها الكتابُ وأشارَ إليها النقادُ بـ(السهل الممتنع) وهذه ميزةٌ لا تتحقق إلا لكاتبٍ مبدعٍ متمرسٍ في شؤون الكتابة مثل صديقنا التميمي.

  عندما اكتشفت معدن عفاف الثمين، وغنى نفسها، وجمال روحها ازددت تعاطفاً معها مع أنني التزم جانب الحياد في أغلب الأوقات عندما أكون في حضرة نص أدبي لأتمكن من إطلاق أحكامي أو آرائي النقدية المتواضعة بتجرد ودون انحياز. وبعد الانتهاء منها وجدت كماً هائلاً مما يتصف به التميمي قد اتصفت به عفاف. فالتميمي في طبعه متواضع كبير جُبِلَ على محبةِ الطييبين من البشر والانحيازِ لهم، والدفاعِ عنهم مهما كلَّفَ هذا من مشاقٍ وأتعاب.

ختاماً أيها الأخوةُ لا بد لي من القول جهاراً:

هذا هو ستار التميمي الذي عرفته من خلال روايته أكثر مما عرفته من خلال لقاء واحد قصير جمع بعضنا مع بعض حسب فوجدته مثلَ كتابٍ مفتوحٍ قد لا أنتهي من قراءته مطلقاً. أشكركم لحسن إصغائكم والسلام عليكم وعلى كلِّ أصدقائِنا وضيوفِنا الطييبينَ والمبدعين.