السواد والمشبهات به في ( فِردوسٌ أسود)

1.العنونة:

عنونةُ مجموعة الشاعر سهيل نجم الجديدة (فِردوسٌ أسود) تلفت الانتباه، منذ اللحظة الأولى، إلى التضاد المقصود الذي ينطوي على موازنة سلبية بين بياض الفردوس ومباهجه، وسواد فضاءاته وظلماتها. يتقاسم العنونة لونان على الرغم من حدة التناقض بينهما إلا أنهما يلتقيان بمفصل مشترك واحد، وبوجهين منفصلين، أو يكاد كلّ منهما أن يكون منفصلا عن الآخر. وليس صعبا على من تابع مجريات الواقع وجرائره التعرّف على هذا الفردوس الجحيميّ الذي لا يزال نزلائه يحسدون عليه، ولا يجنون منه غير الخراب، والعذاب، والارهاب.

فردوس بلغ من القسوة حدّ اسوداد مباهجه ففرض الموت فيه مشيئة الحزن الأسود. فردوس سوف لن ترى فيه غير القتل، والسلب، والنهب، والاستلاب؟! حتى أنك تتساءل أما كان الأفضل أن يستعمل الشاعر مفردة الجحيم بدل الفردوس؟ وللشاعر مسوغاته طبعا، وهو ما ستؤدي إليها قراءة فردوسه الأسود. إن سهيل نجم ينتقي عنوانات مجاميعه بدقة كبيرة ويؤكد فيها، في الوقت نفسه، على ما يراه جنة بهيئة جهنمية. ففي مجموعته (لا جنة خارج النافذة) ثمة تأكيد على نفي الجنة مع الافتراض المسبق بوجودها، وكأن العنونة هنا أرادت الإجابة عن السؤال: أثمة جنة خارج النافذة؟ ليأتي الجواب: لا جنة خارج النافذة؛ فالجنة حيث يقيم الشعر في ركن من صومعة الشاعر وعزلته، وفي تساميه وتجلياته الأثيرة.

فردوس أسود هو عنوان واحدة من قصائد الشاعر الأثيرة التي جعل منها مفتاحا لمجموعته كلّها، فكلّ قصيدة في هذه المجموعة تتنفس من رئة هذا الفردوس الناري. وقد وجدنا ما يدعم زعمنا عبر مفردات لونية، أو عبارات موحية، أو دلالات تشي بما تتضمنه من قسوة الواقع. وسنأتي على هذا كله في حينه.

فردوس أسود هي آخر ما كتبه الشاعر من مراث لأرض السواد، والتي سندخل إليها من قصيدته المركزية التي اجترحت سواد الواقع وظلماته الحالكة.

2.مركزية السواد

يبدأ سهيل نجم قصيدته المركزية (فِردوسٌ أسود) بفعل الأمر (أنظرْ)، فهو هنا يمارس سطوته على نفسه، وعلى القارئ في آن، أو لنقل سطوة الشعر علينا، فيجر انتباهنا إلى تردٍ شمل الطبيعة، فأصبحت سحبها مجروحة بالهذيان، وصار عسلها الدموي يهطل مطرا تتكاثف قطراته على شجرة الرماد. ولا بد هنا من الإشارة إلى اللّون الثالث الذي اجترحته المجموعة، وهو اللون الدموي (الأحمر) المنتج للون الحزن الأسود. ثمة إذن، ثلاثة ألوان تتظافر لإنتاج واقع فردوسي مظلم فبياض عالم الأنوار يدجنه سواد عالم الظلمات الذي تتضخم هيئته بدعم من لون الدم (الأحمر)؛ وبذلك تتصاهر الأشياء مع نقائضها فتصير لذة العسل، على سبيل المثال لا الحصر، لذة دموية تحزّ عنق البراءة الحزينة، وتؤدي إلى الشعور بالموت بعد أن ترسّخ الشعور بالحياة:

عسل دمويٌ

يهطل من شجرة الرماد.

والرماد في حقيقة الأمر من تدرجات اللون الأسود الناجم عن احتراق الألوان كلها، والتي تتشكل من اللون الأبيض، وهذا ما اقرّته فيزياء الألوان واجترحته مفردات القصيدة ممثلة بالمهد والولادة، أو بمعنى آخر بالأبيض النقي (الولادة) والأسود الحزين (القبر)، أو الموت والدخول إلى عالم الظلمات، وكلاهما من معطيات الوطن الذي أهدر ما أعطى، وفرّط بما وهب.

"من سواكَ لي المهدُ والقبرُ"

حتمية (المهد والقبر) لا تشكل حالة نادرة، فهي مألوفة متساوقة على مر العصور والأزمنة، وبما أنها هبة البلاد ومنحة الوطن فان الشاعر يوجه أصبع الاتهام إليهما كمبددين للفحولة في منافي السراب. الأسود إذن، هو اللون المركزي لفردوس سهيل نجم والذي يعيش فيه البشر كأموات، أو شبه أموات، منذ طفولة المهد وظلامه وحتى شيخوخة اللّحد وظلامه.

هذا أنا- طفل غجري-

غير أني الآن ميت

فالطفل يقمّط ببياض الولادة، ويتربّص الحزنُ به حتى يوشّح بالسواد. سواد الموت حزناً، أو قتلاً، أو غدراً، أو اختطافاً، أو جوعاً، أو فقراً مُدْقِعاً لا فرق.

مختبئا كان الطفل في رحم العاصفة

والرحم هو الحاضن الحالك الظلمة لسواد البداية، وصنوه القبر الحاضن لسواد النهاية، وهو مخبأ الطفولة وملاذها، وغرفتها السوداء حين اشتداد العصف والزمهرير، وما بينهما فراغ تحجرت الأرواح فيه من شدة انتظار الأمل. الشاعر يختزل الأحداث ويكثّفها. يكثّف الزمن كي لا تترهل القصيدة، وهو لهذا يشير بالرمز، والدلالة، والمفردة الخازنة:

الفراغُ ظلَّ وحيداً

وللفراغ لون تمنحه إياه وحدته الطويلة الممتدة من أول العمر إلى نهايته، وبما أن حياته زاخرة بدلالات الشؤم فلا بد أن يكون لونُها أسود،َ أو رمادياً، وهو لون الرثاء، ويافطة الحزن، وحاضنة الشجن. ولعل هذه كلها قذفت بالشاعر الى لجج الشؤم والتشاؤم ليصرخ معتقدا أن الفرصة خذلته:

واختارت النزول إلى عالمها السفلي وبنزولها نجد الشاعر وقد تلفّع بسواد عالم الظلمات، أو ما يعرف ميثولوجياً بالعالم السفلي بعد أن خذلته الفرصةُ، واختفت الفوارقُ عنده بين موت وآخر، وشاع الظلامُ فنزلت هي إلى العام السفلي، ونزل هو الى العالم نفسه بوساطة الجب الذي ظل فيه وحيداً:

وحدك في الجب،

مقصوص الجنحين.

بانتظار القادمين، أو الشاربين، أو القاصدين غيابة الجب فهل سيفلح بالخروج من سواد البئر الى سواد الوطن؟ في قصيدته (على شرفة تلطمها الريح) تتكرر صورة البئر ثانية عندما يرثي الماضي وتهالكه مشبها نفسه به إذ يقول:

أنا مثلك، دمعةٌ

تهبط في بئر عقيم

فالعقم وتجويف البئر المحكومان بالظلام شكلان من اشكال الموت الأسود الفاقد لأي ومضة أمل منتظر. وفي الحالين تبدو القصائد مستسلمة لمشيئة الظلام على الرغم من أن الشاعر يعود في قصيدة أخرى (في آخر النهار) ليعلّق الحياةَ على بصيص أمل بعيد يكتفي به من أجل قادم الأيام:

سنكتفي بضياءِ نجمةٍ بعيدةٍ

يسحرُ ارواحَنا نورُها

فننام.

إن المعنى الشامل لجوانية الاكتفاء هو العالم المضطرب الذي تهيمن عليه الظلمات الحالكة، ولا تترك فيه إلا ذلك البصيص الذي يتشبث به الشاعر كواحد من (ضحايا الأمل). فالبئر موت، أو هو الواسطة التي تؤدي إلى الموت، وهو الحاضنة لقوة الظلام التي تعمل على خنق نور الحياة، وتبديد مباهجها. إن هيمنة الموت على مفاصل حياة الشاعر دفعته إلى التعرّف على كنهه في محاولة للتنديد به، أو تحدّيه بتحجيمه. فما هو الموت في جوانية رؤيا الشاعر سهيل نجم:

"الموت أمنية، الموت طفل يتقافز، الموت بئر، الموت قميصك ساعة مولدك الغريب، الموت فرصة التراب، الموت أغنية بلا صوت".

تشي الأولى (الموت أمنية) بما يحدث في الواقع من عجائب الخراب، وغرائب الاضطراب، وقبر الآمال وقتل بوارقها، وتيئيس النفس، وتدجير الأنوار، وترهيب الأرواح بما يحوّل غير المرغوب (الموت) إلى مرغوب تام. وتشي الثانية بعفوية الفعل الذي لا يفرق فيه بين الراغب والمرغوب. وهو أي الموت يظل المجهول المغلق على سر الحياة كانغلاق البئر على معنى الظلام. وهو ما نرتديه منذ لحظة الولادة، وهو فرصة التراب لاستعادة السكون، واحتضان الكائن الذي جبل من ذراته الناعمة بصمت كأغنية بلا صوت. هذا الموت المهيمن على فضاءات فردوس سهيل نجم هو الذي فرض اللّون الأسود كلون مركزي. لنقرأ العبارات الآتية التي تضمنتها بعض قصائد المجموعة:

(يافطات سود، الأزقة مفتوحة السواد، السراب الأسود، نهيرات دم أسود، شمسك السوداء)

تشير العبارة الأولى بوضوح لضحايا الموت الذي جعل الثانية تتشح بلونه في كلّ أزقتها، محوّلا لون السراب الأبيض إلى اللون الأسود الذي طال نهيرات الدم الحمر فحوّلها إلى نهيرات سود حتى طال الشمسَ فقلب وهج بياضها إلى دكنة سوداء. ترى ما سرّ هذه الظلمة؟ وما كنه هذا السواد العجيب؟ ولماذا الحزن يمتد من أول الطريق إلى خاتمة المسافة؟ يختصر الشاعر كلّ هذا في مرثيته لأبيه إذ يسأله السؤال العصي على الاجابة:

في هذا الفناءِ الجماعي،

ماذا أسمي موتكَ؟

ليس من المنصف أن يبتكر الشاعر لهذا الفناء موازنة مهما كان الراحل قريبا من القلب والروح، فهو يقف منها حائرا لهول الحدث، وضخامته الكارثية. إنه لن يرثي موتا مقابل آلاف الموتى وإن فعل فانه لن يعكس إلا ذلك الموت الجماعي الذي صار مألوفا في حياتنا اليومية، وهو الذي تكفل بارتداء الأزقة لليافطات السود. إن اللون الأسود في مجموعة سهيل نجم يعكس بالضبط ضخامة الواقع بكل ما أصابه من الترهل، واليأس، والقنوط، والاستسلام، والنكوص، والانطواء، والرهب، والوسواس القهري.. إلخ.. إلخ.

3. المشبهات بالسواد

في مجموعة سهيل نجم ثمة قصائد يمكن أن ندرجها تحت يافطة المشبهات بالسواد، ومن تلك قصيدته الموسومة (حين أمشي تسّاقط جراحي) والتي يقول في أولها:

أقامت أعراسَها الجراحُ

وقد بني هذا المطلع على نقيضين: الاعراس والجراح. فالأعراس، تقليديا، تبعث الفرح والمسرّة، بينما تبعث الجراح الألم والمعاناة القاسية. ألم الجرح فردي في طبيعته مدعوما بتصور الشاعر القديم "لا يؤلم الجرحُ إلا صاحب الجرحِ"، بينما العرس فرح جماعي، وإن كان مصدره فردياً، ولكن الشاعر سهيل نجم قلب هذا المعادلة بجعله الألم شعورا جمعيا (عرسا) ولكن مجللاً بسواد الفاجعة كما يفجع عرس بحزام ناسف تتطاير جراءه الاشلاء والدماء، محولا بياض العرس إلى ما يشبه سواد الفاجعة. إن سهيل نجم يسعى من خلال تأكيده على بعض المفردات الداعمة مثل: (الخيال الوحشي)، و(الافتراس)، و(الضحايا)، و(القتلى) إلى دعم المشبّه به بهدف إيقاظ وعينا الجمعي الذي خدرته الجراح.

حينَ خرجَ العمالُ الى المدينة،

كانَ الصبحُ جداراً أسودَ

فأي صباح هذا الذي بدأ العمل فيه، وقد انقلب بياض صبحه سوادا وشؤما مجترحا الأهوال، ومبددا الآمال، ومحولا المدينة إلى لون من الكآبة المغلقة؟ إنه صباح الوطن المكلل بالحزن من أول النهار. إنه صباح المدينة المحكومة شوارعها بالانتظار. صباح الشغيلة المنتظرين على الأرصفة دون جدوى. يقول شاهد منهم:

كان صبحنا فك من الحديد يلوكنا

على الاسفلت. كان صبحنا فرض الاستحالة

على المكان. كان صبحنا...

صاعقة

للصباح العراقي لونه الذي صار مألوفا وشائعا ويدعو للرثاء، والعزاء، والبكاء فقد انتفخ وصار الشيطان يأكل من رئتيه، بعد إن اكتست أرصفته الرمادية باللهب في قيامة معلقة ببدء الخليقة. إنه السواد ملفعاً بالعويل، والبغضاء، و"طائفيو فن الذبح"، و"زارعو زهرة الدم"، و"اصحاب القصائد المأجورة" في "البلاد الجهنمية"، إنه لون القتلى. إنه رمادي الأرصفة الذي يشي بكآبة شوارعها، وقيامة الشوارع التي تشي بسوداوية واقعها، والفعل، أو مجموعة الافعال التي تشي بتدهور الأحوال، وتفشي الأهوال، وتدجيرها بحلكة شبيهة بسواد كذلك السواد الذي غلف قصيدة (شظايا المرآة) والتي جاء فيها:

الوهمُ والسرابُ والأملُ

توائمُ تجلس على قبر الزمنِ.

سرعان ما تشيخُ السعادةُ

لتهيمن الأحزان.

فالقبر والاحزان يفضيان إلى سوداوية تلغي السعادة، وتلقي بفعلها إلى جوف القبر المظلم، أو الغرفة السوداء، أو البئر/ الموت لا فرق. واخيرا لنتأمل هذا المشبه بالسواد في تساءل الشاعر الآتي:

هل رأيت الصبحَ منكفئاً على وجههِ

حين هجرته الشمسُ؟

فصورة الصبح منكفئا على وجهه تشي بانقلاب نوره، وحجب بياضه الذي سيتحول للسواد؛ جرّاء زوال الشمس وهجرتها، وهيمنة الظلام وسواده على الصباح وأنواره.

قصائد سهيل نجم (فِردوسٌ أسود) إذن اما موشحة بالسواد، واما مشبهة به، وفي الحالين تعكس حالة الشاعر، وما وصل إليه، وحالة الوطن وما آلت إليه. إنها مراث تمتح من الواقع المرئي وعذاباته، ومن مخيال الشاعر وارهاصاته في أنساق شعرية غاية في الدقة، وفي استبصار جوانية ذلك الواقع الجهنمي وترديه الخطير.