بنية الصمت في قصيدة برهان شاوي

 شموع للسيدة السومرية*

   في قصيدة الشاعر برهان شاوي الملحمية (شموع للسيدة السومرية) تأتي الـ(شموع) كجزء من طقس شعري، أو نَذْر أراد الشاعر به التقرَّب من عظمة (السيدة السومرية) فالشموع ترتبط بالموروث الديني وهي في الأغلب قبس من عالم الأنوار توقد كرمز دلالي لنور الصالحين الذين أضاءت أفكارهم ظلمات الحياة. وفي الموروث الشعبي العراقي فانها توقد كنَذْرٍ للنبي خضر الياس الذي عرف عنه اشتغاله على التعميد من أجل التوحيد. ولما لم يعرف الناس له قبراً محدداً أو سكناً قائماً فقد افترض الناس وجوده قرب ضفاف دجلة ولهذا نجدهم يضعون الشموع والآس على طبق يطفو على سطحها ليصل إليه.

الشموع إذن هي الواسطة التي تقرّبنا ممن نريد التقرّب من مقامه أو شخصه المقدس ففيها يكمن جوهر القداسة. وفي هذه القصيدة قدم الشاعر شموعه ليحظى بلقاء أثيرته (السيدة السومرية) فمن هي هذه السيدة وما مكانتها في الوجدان الجمعي العراقي؟

تخبرنا القصيدة، ومن قبلها أساطير بلاد ما بين النهرين: إنها إله الحب والجمال والحكمة (إنانا) التي ليس كمثلها بين النساء. إنها "سيدة النخل والصمت والأسرار المعلنة" إنها "سيدة النواميس المقدسة" هي الربة، والمليكة، والحكيمة، والبهية. ولها فقط يبتهل الشاعر، ويكتب نشيده الصامت:

ها أنا أكتبُ نشيدي على رمل الكلماتِ

وفي محرابها ينحني ضارعاً كي تأخذ بيديه. يناجيها بهمس وشجن، ويقبّل بين يديها أرض أوروك التي لم يتوقف نزفها بعد من آلاف السنين. يمتدحها بصمت وهو العارف انها تقرأ صمتَ بوحه ومدحه ورجائه وابتهاله وما خفي عنها وما ظهر لها فهي الشاهدة والرائية والعارفة بكلّ ما حدث ويحدث في بلاد ما بين النهرين. يستجير بها من هول ما رأى فتنزل على قلبه السكينة مهدّئة روحه المضطربة، وحائلة بينها وبين الارتباك. بها يزيل وحشة الحياة، ولها يقدم قرابين العشق، وجرار النبيذ. هو المنشد الضائع الأعمى، هو الذي رأى كلّ شيء وهو الذي لم يرَ غيرها في الوجود. هو السومري الظامئ، وهي نبع الحياة المتدفق نحو فراديس النور. هو المتدفق حباً، وهي مانحة الحب والحكمة المقدسة. هي المترسخة في وجدان أوروك، وهو المنتظر قيامتها، والمتلهف لسماع صوتها ذي الرنين الإلهي. من أجلها ابتكر لغة جديدة للصمت:

أبتكرُ من أجلك لغة جديدة للصمتِ..

فسيدة الصمت لم يعد النطق أداتها فبأي صمت تنطق وهي سليلة آلهة عظام؟ عندما أوقد الشموعَ لها كان عارفاً إنها تسمع كلماته الصامتة فالصمت لغة القداسة، ونشوة المناجات، وسمو التجليات والابتهالات. لقد اشرقت حروفُهُ من داخله المتأجج حباً، وسطعت بروقُهُ من روحه المضطربة صاعدة إلى ذات سيدة النخل السومرية. وكان لزاماً عليه البدء بالتبجيل والتمجيد كبوابة للدخول إليها، والمثول بين يديها علّها تمدُّ له يداً حانية. هكذا يبدأ الشاوي مديحه لسيدة النخل السومرية منادياً عليها وهو العارف انها قريبة منه تجيبه إذا دعاها:

 المجد لك يا سيدة النخلِ

يا ابتسامة تاهت بين المدنِ

يا بركاناً صامتاً يترقبُ الغيومَ

يا نخلة المهاجر من أريدو

مِدّي سعفك الظليل عليَّ

مِدّي نعاسكِ الجليلَ..

غطي وحشتي بناركِ المقدسةِ..

   في هذه المنادات الحزينةِ ثمة لوعة للشاعر هي في حقيقة الأمر مثابات دلالة على مآس قدّرت له كما قدّرت لبلاده الجريحة التي فقدت فيها سومر بهجتها وحبورها وابتساماتها الباذخة بعد أن غزاها أهلها الماكرون، وأذلها برعونته سيد الماكرين حتى غدت ترى الظلم فتكظم غيظها كبركان غارق في صمته منتظراً إشارة البدء بقذف الحمم. يناديها وهو المهجَّر قسراً من البلاد القتيلة كي يستظلَّ بفيء سعفها الوارف الظلال وكي تبدد وحشتَه بنارها المقدسة هي المنادى عليها وما أكثر مناداته لها فالنداء هنا يتضمن الشكوى والدعاء معاً وهو جائز في الحالتين كما يخبرنا النحاة بذلك. وفضلاً عن استخدامه أداة النداء (يا) فإنه استخدم (أي) جنباً إلى جنب معها:

أيتها البهية..

يا نشيدي العميق..

 وبعد النداء والدعاء والتوصيف الجميل والتمجيد والتقديس يأتي أمر الشاعر مقبولاً حين يطلب منها آمراً: انهضي، وتقدمي، وارفعي، وارني، وانظري..إلخ.. إلخ. وكلُّ هذا بصمت جليل، وبلغة غادرتها الكلمات لوسنةٍ أو سِنَةٍ من النوم والاسترخاء اللغوي الباذخ. لقد اعتمر الشاعر الصمت مرغماً بعد أن أصيب الأملُ بالخَرَسِ، والواقعُ بالبَكَمِ، وتحول الكلام إلى عزلة:

الصمت لغتي

والكلام عزلتي مكسورة الأجنحة..

لم يكن ابتكار الصمت لغة جديدة إلا ليتقرَّب بها من محبوبته المقدسة. لقد تحتّم عليه الابتكار بعد أن كُسِرَت أجنحةُ الكلام، وتحطمت أدواته الناطقة فارضة عليه العزلة القاتلة. فالكلام يبلغ النفوس المولعة بتهشيم الحروف، والقابضة على أرواح الكلمات مع أنه يودُّ في قرارته الاستماع لصوتها المنقذ:

انقذيني بصوتك الرحيم إذاً..

لقد تبدد صوتُها وتاه في الزوايا الغريبة، ولم يبق لها إلا الصمت ملاذاً وصومعة فليس ثمة من ينقذه صوتُها الرحيم في أوروك ذات الأسوار أو في أريدو المغيبة المهانة ولم يبق أمام المهجَّر من أريدو إلا أن يلوذَ بها كسيدة للصمت المطبق الثقيل عسى أن يسمع صوت قلبها وهو يدعوه إليها بصمت وحنان أمٍّ رؤوم:

أيتها السيدةُ الصامتة..

ليتمجد اسمكِ الحبيبُ..

ارتضى الشاعر أن يتقمص هدوء أنكيدو القادم من البراري ليسألها بصمت يليق بالعاشقين، ولا يكيل لها الشتائم الصائتة كما كان يفعل كلكامش ابن المدينة المسورة، ومع أنه لم يسئ إليها إلا أنه طلب غفرانها قبل أن يوجه لومه إليها:

غفرانك..

يا سيدة النخل السومرية..

وسيدة النخل مباركة بين النساء، ومتشحة بسواد الأحزان فهي الثاكل التي لا يطبق لها جفن، والشمعة التي لا تذوب إلا عشقاً لبنيها. هي أميرة مدن الحزن، وذاكرة الخراب والنار الميتة، وهي المرأة التي:

لا أستطيعُ نُطق اسمها

إلا بأسر اللغة وسجنها في قلبي..

فقد خرس القول، وتوقف نبض الكلمات، وامتلأت الأفواه بالرعود الصمّاء، وعاثت ألسنة الظلم في الوركاء ثرثرة ولغواً وضجيجاً يصمُّ آذانَ الزمن مفجراً قذائف الخيبات والهزائم والقنوط، وساحقاً الشاعر في عزلته ووحدته فلم يعد يرى وهو يتأمل صحارى الوطن إلا صمته الرهيب فيفيض به الغضب حتى يقذف بوجهها سؤاله بتأنيب وريبة:

هل أنتِ الصرخةُ الصامتة؟

كأني به يريد تفجيرها بعد طول انتظار،ٍ ومرار،ٍ وسكوتٍ، وصومٍ عن الكلام. إن التداخل العجيب بينه وبينها، وانصهارهما معاً وذوبانهما في محنة واحدة ملأتهما بالانكسارات، ونأت بهما عن طيب اللقاء فحلَّ عليهما الصمت. لقد فرض عليهما فرضاً ولكنهما استطاعا أن يهتديا إليه فيصنعان منه لغة جديدة مشتركة تصل الأفكار بعضها ببعض على الرغم من قيوده السوداء. لقد تحول الصمت الغائب المستتر إلى حضور ظاهر مرئي:

انظرُ الى الصحراء..

فلا ارى غير صمتي..!

هكذا فرض الصمت عليهما قانونه المشرعن على الخوف فاكتشفا دربهما إلى لغة لا يطولها الخوف مهما بلغت درجات شكّه المسعور. لقد دفن اشتياقه لها في بئر صمته العميق، وانحدرت هي بهاءً نحو صمتها الجليل على الرغم من طغيان السواد وتلبسه حياة العباد حتى ضاقت الحياة به وبظلامه الشديد فراح الشاعر يؤكده سعياً وراء الخلاص من مخالبه المغروسة في كبد الحروف: برتقال أسود، صديقي الأسود، الفضة السوداء، شعرك الأسود، تفاح أسود، السيدة المتشحة بالسواد، ثوب أسود، كوكب أسود، ثقوب سود، عاصفة سوداء.  لقد تكرر اللون الأسود مراراً كانعكاس للون الحياة التي تلبسها الخوف والظلم والظلام، وانحسار الألوان الأخرى أو إزاحتها إلا بما ترك وقفاً لبهاء السيدة السومرية أو أجزاءً منها: الأقراط الارجوانية، المعبد الأبيض، الغيمة الحمراء، الصوت الأزرق، الوشاح البرتقالي، الياقوتة الخضراء، الربيع الأخضر وهذه كلّها غير معنية بحياة أوروك التي سلب منها الفرح، واغتصبت ضحكاتها وكركرات أطفالها الذين غادروا براءتهم بعد انتهاكها. لقد سلب الأسود ألوان الحياة كما سلب لغتها قاذفاً إياها في خرس جحيمي رهيب أجبر الشاعر على ترك الصائت واللوذ بالصامت حسب:

سأترك الكلمات تذهب الى النوم..

وسأكتفي بالصمت..

والصمت في (شموع للسيدة السومرية) ليس وليدها السومري الجديد. إنه القانون المركزي الذي قولب حياتها على مرِّ الأزمان والعصور، وأغرقها في صمت دام دهوراً لكنها وهي العارفة به وبما له من طغيان وقسوة كانت تتعامل معه بوعي تام. لنتأمل نصيحتها لمنشدها الأعمى وهي تقول آمرة وجازمة:

دعْ الموسيقى..

تنام في صمت الظلام..

فالموسيقى تقضّ مضاجع الأرواح الشريرة، أرواح المتسلطين والمتشيطنين فلا تعلنها جهاراً، ولتكن  صامتة هي الأخرى حتى يؤذن لها. وحتى تعود الحروف للغتها ببهجة اقتران جديد.

وليكن أنينك صامتاً..

فللأنين صراخ يصمُّ آذانهم المبثوثة في كلّ مكان، ويحرك شهوتهم للدم، ورغبتهم في التهام البشر. هكذا أوغل الحرف في الصمت دهوراً وانغمست اللغة في خرسها دهوراً وما كان امام السومري الا أن يبتكر الصمت الخارج من رحم الصمت ليمجد في الختام أثيرته البالغة الحسن والحكمة (إنانا) الجميلة البهية الكاملة:

يا نور القلب..

ويا شمس أيامي

لكِ المجدُ..

لكِ المجدُ..

لكِ المجدُ..

 ................................................................

* شموع للسيدة السومرية واحدة من المجاميع الشعرية التي جمعها الشاعر برهان شاوي في مجموعته الشعرية الكاملة التي صدرت عن الدار العربية للعلوم ناشرون في بيروت عام 2012.