اليوم الثامن من أيام آدم

 

        

   على الرغم من كمّ الغواية في بسملة قصيدة الشاعر شاكر مجيد سيفو (اليوم الثامن من أيام آدم) (1) إلا أنني سأمارس حصانتي ضدَّها لأكتفي بتحليلِ وتأويلِ من سبقني إليها وربطها ربطاً ميثولوجياً بدلالة الرمز الأكثر شيوعاً (آدم) واقتران اسمه بأيام الخلق السبعة أو الثمانية بحسب المصادر المختلفة التي استند عليها من تناولها من النقاد. أنا لا تعنيني هنا دلالة الأيام السبعة التي سبقت اليوم الثامن لآدم قدر ما يعنيني اليوم الثامن نفسه لأن القصيدة/ المطولة من ألفها إلى يائها بنيت عليه، وأنّ كلَّ ما تناولته من الفواجع والمواجع إن هي إلا مرايا عكست دمويةَ وعنفَ ذلك اليوم المهول. وإذا كانت الأيام السبعة السابقة قد اختصت بالخلق فقط فان اليوم الثامن قد اختص بذرية آدم الذي يفترض أننا جميعا ورثته كمذنب كبير استحق العقاب مدى الدهر بالحرمان، والأحزان، والجرائم البشعة، وكان أولها قتل هابيل لأخيه بدافع الجشع والطمع اللذين تأسست عليهما حياة القاتل فتوارثتها الأجيال جيلاً بعد جيل ليعمّ الأرض الخراب، ولتنشب الحروب التي ليس لها، على ما يبدو، نهاية إلى أبد الآبدين. السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: لماذا اختار الشاعر آدم تحديداً؟ والجواب لأن آدم غير محدد بمحددات دينية أو طائفية أو مذهبية أو. أو.. إلخ. انه رمز لبداية البشر كلّ البشر، وهو أنموذج للتمرد والتحرر من ضواغط الحياة التي أسفرت في النتيجة عن جريمة القتل الأولى ليبدأ تاريخُ الإجرامِ عدَّهُ التصاعدي الذي لم ولن يعرف التوقف على مدى الحياة البشرية على الرغم من السنن الوضعية والسماوية.

اليوم الثامن إذن هو زمن القصيدة الذي ابتدأ معها ولن ينتهي عند نقطة نهايتها فهو زمن مفتوح أخره على أوّلهِ، وهو زمن تحرَّكت عقاربه مع بدء الرُّقود، فأوجبت على الشاعر إطلاق كلمات الدعاء التي سبقت ذلك الميقات.

 يفتتح الشاعر دعاءه بالنداء المطول (ياااااااااااا) الذي لا يراد منه الوصول إلى المنادى البعيد جداً (عيسى الحي!!!) تحديداً بل لغاية كشفت عنها علامات التعجب الثلاث في نهاية النداء. وهو نداء مشوب بتعجب كبير لبيان فداحة الفعل الذي أوجبه. نداء كان آباؤنا وأمهاتنا يلذن به كلما اقترفنا ما يجعلهم متعجبين ويائسين من قدرتهم على إيصال فكرة أو فعل يتوقان أن نقوم بهما بالطريقة المختلفة لما نريد نحن كأبناء. فالنداء هنا استجارة بعيسى الحي القادر على فعل ما يعجز عن فعله البشر. وهي استجارة اختص بها المسلمون دون غيرهم بدلالة التسمية (عيسى الحي) التي أرادها الشاعر بياناً للتمازج المجتمعي والتعايش الديني. وجملة النداء الاستباقية هنا جاءت لتهيّئ القارئ لما سيمرُّ به من ظرف أو مجموعة ظروف مشوبة بالعجب العجاب، والعجز الهائل أمام ذلك الهول من الأحداث الدامية، وهو كغيره يستجير بعيسى من هول ما جرى في كنيسة (سيدة النجاة) أو أي مكان آخر من ذبح وترويع ودم طالباً منه أن يعيره أصابعه الربانية:

 هل تعيرني أصابعك الربانية

كي أُدوّن ثريّاتي وأدمعها هنا

على حيطان سيدةِ النجاة؟؟

الاستجارة إذن هي أقصى ما يستطيع الشاعر فعله أمام هذه الفاجعة الكارثية وهو دون القدرة غير المحدودة للمجير (عيسى الحي) ودون القدرة غير المحدودة لآدم الذي تماهت خوارقه مع خوارق عيسى الحي كما سنرى في الترتيلة الأولى (الحمد لك سيدتي). أما دعاء ما قبل النوم فهو فاتحة القصيدة وبوابة الدخول إلى تراتيلها (2) التي تجاوزت في عددها أربعة عشر ترتيلة موزعة بين رموز القصيدة الثلاثة: آدم وعيسى وسيدة النجاة.  

في الترتيلة الأولى (الحَمْدَلَة) تناول الشاعر سيدة النجاة باعتبارها رمز الطهر والأمومة الإلهية فأثنى على كونها سيدة ثنائيات النون الصوفية المسبوقة بحمدلة الرب والمتبوعة بالنداء على الخلق والخلائق ليحيوا على الحرية، وتناولها أيضاً باعتبارها المكان الكارثي الذي وقعت فيه الفاجعة الآدمية الكبرى، والتي سيسجل على حيطانها ثريّاته وأدمعها ثم يمضي. من هذا المكان وفي ذلك اليوم:

 في حفلة الدّم والمطر،

مضى آدم إلى الماء كي يمشي

على الماء

أملاً في صنع معجزة جديدة لأبنائه المستجيرين به من هول محرقة بشرية جهنمية بعد أن تماهت صورته بصورة من مشى على الماء (يسوع المسيح) فمأساة سيدة النجاة شملت الملل كلّها والأنبياء كلّهم. وما سيدة النجاة إلا المكان/ الرمز للأماكن كلّها، وكلّها بليت بقوى الظلام والظلاميين، وشرهم المستطير الذي برغمه ظلَّ الشاعر متفائلاً بغلق فاتحته على تصديق الابتسام وهذا هو جلّ مطلبه من البشر: "خذوا قرنفلتي: وابتسموا" لكن المأساة أكبر من أن تدارى بتصديق ابتسامة عابرة.

 في ترتيلة ما بعد الفاتحة تتكشف طبيعة الحدث المأساوي الرهيب. ويصل الشاعر ذروةَ الألم فتتحول بغداد إلى بغداااااااااااه وقد انكسرت دالاتها، وتحطمت أضلاعها، وسالت دموع دجلتها حتى بلغت قعرها الغريني العميق، وراحت تتعكز على ويلات الباب الشرقي. تغيرت ملامح المكان الجميل بخراب انفجارات مستهترة، وحامت حوله الأرواح النقية بحثاً عن أجسادها المتناثرة، و... "طارت عيون الشهداء إلى حديقة الأمة". المكان تشظّى داخل القصيدة وتوحّد على الرغم من كثرة مسمياته وتعددها، وما كنيسة النجاة إلا كلّ الأمكنة مختزلة بها وبمأساتها الرهيبة. المأساة التي جعلت بغدادااااااااااه تحبل من رماد ضحاياها وهي تذرف دموعاً من دم. وتلد حملها من دماء دجلة الحزين وقد أخذها المطاف إلى جذع نخلة هزّتها 

فتساقط عليها رطباً جنيا. عفواً:

كان الرّطب في الكرادة يسّاقط أحفادا

لكن لحظة موتهم 

امتلأ العالم بالسخام..

فاسودَّ نهارُهُ، وأظلَمَت أنوارُهُ، واكتست شمسُهُ برماد الفجيعة ولم يبقَ أمام الشاعر إلا أن يستجير بعيسى الحي ثانية فثمة أسئلة حاصرته، لا جواب لها، وأجبرته على تهريب البلاد إلى الله كي يشفي جراحها النازفة، ويقتص لها من سلاطين السلطة الذين صاروا يتسحَّرون من أسمال الفلوجة والكاظمية. "وقد أقسموا بالتوراة والقرآن والإنجيل إنهم لن يتقاعدوا عن العراق" إلى أبد الآباد، ولن يصوموا عن ترابه، وفقط سيصومون من أجل عافيتهم الوطنية.

في ترتيلة الألم والضياع والدم هذه تداخلت الأزمنة والأمكنة وتكرر تهريب البلاد في أسماء الشهداء، وفي دموع الأرامل، وفي آذان الأئمة والصالحين، وفي خبز العباس وقربان بطرس وقميص يوسف، وفي دقات نواقيس القديسين. لكن البلاد ظلّت هائمة على وجهها، وتائبة عن الفرح الإنساني، ومهوسة بالقتل المذهبي والذبح الطائفي والنحر على الهوية، والنوح على الأحفاد، وعلى آدم الطفل حتى ابيضت عيناها من الحزن وما من مجير.

في ترتيلة (آدم النبتة الأولى) ثمة ثلاثة أفعال سلبية متتالية شكلت العمود الفقري لهذه الترتيلة هي: (سقطت، جفت، نبتت) فالسقوط كفعل سلبي خلَّف مثيلاً له في النفوس والأمكنة، وأحال الواقع إلى دمار وخراب وموت، والجفاف أحال كلَّ اخضرار الحياة إلى ذبول خريفي مطلق، أما الفعل الثالث فبقدر ما يبدو إيجابياً إلا انه وبطريقة ما يغدو سلبياً اعتماداً على طبيعة ما أنبت، والنبت في ملحمة الشاعر سيفو قرون ربطت أذني الأرض بأذني السماء. ونبتت لآدم أو ذريةِ آدم كي يجيدوا عملية النطح، والإطاحة، والسمسرة.

في الترتيلة اللاحقة يعود الشاعر مرة أخرى لعيسى الحي بعد عجز، ويأس، وعماء، وإخصاء لينادي على آدم بعد أن ابتدأت "الأرض تأكل جماجم أبنائها" وتحز رقاب فلذات أكبادها، وتدوس على جثث شيوخها، ليأخذ لها العكاكيز بعد أن ثقلت وزناً وترهَّلت بدناً وأتخمت موتاً حدَّ الموت وحدَّ الاحتفاء بالموت:

اليوم عيدُ الموت...

ياه.!!! !!!حتى للموت أعيادٌ يا إلهي!!!!

ومن آدم النبتة الأولى إلى آدم الشيخ الأول مسافة عمر كامل وحياة كاملة لم يكن لآدم فيها غير الغسق ولا لحوائه غير الشفق، أما الشاعر فقد كان له قاف الاثنين فهو وريثهما الذي لا يقل عنهما شقاءً ولا عذاباً وهو يشهد ارتقاء الأرواح البريئة وضياعها بين برازخ الكرادة. موقف أدمى قلبه، وثكل قلب الأمهات فلاذ بعيسى مرة أخرى يسأله عن باقة ورد يستقبل بها موكب الشهداء، وممحاةٍ يمحو بها "الموت من تقاويم الحياة" أو في الأقل وهذا أضعف الإيمان أن يمحو بها ميم الموت بصوفية أكلت صفوها الشيخوخة فما عادت رئات البلاد تتنفس منها وقد حجرت أرواحها في "قاصات الحكومة" ولا يتوانى بعد عجز واضح أن يوجه بصقة لمن لم يعد يذكر أسماءهم وأخرى يوجهها للحروب التي حبلت بهم وأنجبتهم على مزابل المدينة.

حمل قميء تحت وصاية زائفة تماهى فيها الموت الزؤام مع الولادة. موت يحبل بموت آخر وآخر حتى امتلأت به شوارعنا وحاراتنا وبيوتنا وحياتنا الآيلة إليه حتى "لم تعد الحكومات تستحي من موتاها" أما نحن فلا نزال حتى لحظة سيدة النجاة:

نقطف من سُرَّةِ ميزوبوتاميا حبالَها

كي نتعلّقَ أكثرَ بباءِ البلاد ............... 

كأننا الجلاد والضحية وما بينهما من غموض ماسوكي (masochism) فكلما اشتد علينا الألم كلما أسرتنا بحبها البلاد النازفة على مدار الأيام والسنين من أول سنة خلدونية حتى آخر عام من أعوام الدم. ولا غرابة بعد كل هذه القسوة أن نسقط في بحر من العشق الغائر في لجج حياة اكتوت بنار الظلم مخلفة وراءها الرماد للأرض والسخام لجدران الوطن. هذه الخشية الدائمة من تكرار الفجيعة هي أملنا الأخير ورجاؤنا الدائم كي لا تتسخ البلاد بقذارات الإرهاب وفايروساته المميتة. أمل ورجاء قد لا يتعدى منصات أفواهنا لكنه يتحدى ويفعل على الرغم من امتلاء المكان بالآهات الوطنية. هكذا تتفجر عند الشاعر آهات المكان "فتفور بغداااااااااااااااااااااااااد بالآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه" وتتحول إلى بغداااااااااااااااااااااااه،

 وننامُ في سورةِ اللّهَبْ

أياّمنا كلّها بلا سببْ...

أمطارُنا عاقلة

وأحزانُنا ذكيّةْ .......

والنخل سَغب.......

والبلادْ كلّها شغب شغب شغب!!!!!!!!!!

وعند الشغب توقف هديل الحمام البغدادي فوق سطح سيدة النجاة، وتوقف ترتيل الشاعر في ملكوت القصيدة بعدما انتهكوا قداستها، وتوقفت أرواح الشهداء عن الطيران بحثاً عن أشلائهم المبعثرة، وتوقف دجلة عن الإصغاء لما تقوله المفخخات ومفاقسها المهولة، وتوقفت الحياة عن حياتها بعد أن غفت فوق أرائك الشغب الجهنمي.

بكاء ونواح امتلأت به ملحمة سيفو، ومراث أججت حزن كلكامش العتيق بعد الرحيل الأبدي لصديقه اللدود انكيدو. أضرحة ومقامات ومساجد وكنائس وأديرة على امتداد مساحة القصيدة توقفت معلنة حدادها العميق وأملها الكبير في العودة إلى حياة بلا شغب.

ومن نافلة القول الإشارة إلى أن قراءتنا هذه لمطوّلة سيفو الملحميّة سعت إلى تناول جانب واحد من جوانبها الاستشراقية، وثمة جوانب أخرى كثيرة لا تزال كامنة منتظرة من يجيد الإبحار في عالم سيفو الواسع العميق.   

.........................................

اليوم الثامن من أيام آدم/ تموز للطباعة والنشر والتوزيع/ دمشق

وردت التسمية على لسان الشاعر في قوله: "إذن ابتسموا، الابتسامة نصف الترتيل"