قراءة صائتة لطقوس صامتة

إبراهيم حيدر الخياط

    كما السياب هدم قلعة الشعر العربي الكلاسيكي في ظل ظرف موضوعي فرضه:  التبدل الرهيب على خارطة العالم القديمة أواسط العقد الرابع من القرن الماضي وتسيد فكرة التمرد كونيا وعربيا وقطريا، ومع توفر مقدرة ذاتية لشاعرنا الكبير بمرجعيته الذهنية المتوقدة لغة وصورة وبناء، وانتمائه الحضاري لأبرع أرومة شعر عرفتها المعمورة، أحاطته بتجارب ثرة تقمصها بإجادته  للغة حية رديفة، فاتحفنا  بشكل جديد ـ كل الجدة ـ حمل وهج العربية الأخاذ وألحقنا بركب الإنسانية الذي يرنو دوما لغد أفضل مهتديا بكل ما هو جميل حقيقة في ارثنا المترامي.

     أقول كما السياب جاء الانباري بصيرا بلغزية الكون الذي يتصاغر يوميا ـ واطرادا ـ بفعل سلطة الإلكترون وهيمنة فعل كان منه ـ أي الانباري وهو الخبير بعالمه الساحر ـ إلا أن يختزل تجربته المعرفية ـ بعد اقتدار بين ومتميز ـ منتبها الماضية الشخصي المشهود ولخزين بلده المسرحي، وهو الملم بأدواته ـ متناهية الدقة ـ ذهنيا ومختبريا وجماهيرياليرفدنا بشكل جديد ـ على ما يبدو لنا ـ هو عصارة جهد راق، وتلبية ظرف زمكاني تواقتا مع هوس ألفية غير مألوفة تحسب علينا التطور والتعالم والعلمية مع حركة مؤشر الثواني.

نعم ـ في جو عالمي ملتف بطقوس  الصمت أمام أجهزة بارعة النطق دون صدى، وعظيمة  الصدى دون نطق، يأتي الانباري ليجعلنا نتناغم مع السمت العام لإيقاع العصر الذي نحب أن  ندين بطقوسه، ونرتقي سلم صمته، ونطوي حصيرة غابرة أيام كنا فيها نمارس، (اليوغا) طواعية أمام هبل أو عزى.

يأتي الانباري ليبهرنا ـ ويدعنا نفخر أننا نساير عالما جديدا نتحاور وإياه دون (دايلوجات) جاهزة عفا الدهر عليها، أو ديباجات صارت محفوظات خلدونية في مسرحياتنا أو ثيمات من (ألف ليلة وليلة) تقدم إلينا لمقوماتها الدرامية ـ وعلى رؤوس الأشهاد ـ وكأننا شباب أمة  أخرى لا نفقه من أدبنا شيئا حتى يعرَّق ـ نسبة إلى العراق ـ إلينا.

يأتي الانباري الأستاذ ـ وبمهارة فنان هو ذاته، وبمنهجية أكاديمي جدلي ـ وبرؤية نساجي بلدتنا الوديعة، ليقدم لنا مسرحا نتمناه قبل أن يحببه لنا، وننتظره قبل أن يعدنا به، ونسمو به بعد أن نقراه عنده، انه الرائد والرائد لا يكذب ها هو  يفتتح لنا سفره المزدوج فادلف ـ مختارا ـ أبواب صامتات ما أجاد به ـ جودا وجودة وإجادة ـ وبالرغم  من  بساطة فكرة المسرحية الأولى إلا أنها لم تهفت إلى المباشرة المستهلكة بل سمت إلى دائرة الغموض الإيحائي متداركة أن لا تطأ ارض الإغماض المقرفة ـ وحسنا فعل الانباري ـ عندما  تركنا نشاهدها على الورق كأنها تعرض عيانا..عندما اختزل رحلة الخير الأزلية وكم كلفت من قرابين واضحيات ودم..وعندما أفصح لنا من طرف خفي أن ثورة الفكر ألف مسيح  دونها قد صلبا..عندما  أخذتنا سورة ألم غضبى ونحن نرى اليسار واليمين يحاولان التمكن من القلب الأبيض الشامخ..عندما تنتهك وتغتصب حريته وتوأد..عندما هالنا ان نرى الشر يتلون برداء أهلينا الطيبين..عندما لم تسح قطرة دم واحدة منا ـ رهبة الموت ـ لموت الرجل ذي الملابس البيض..وعندما آزرناه لتريح الملابس السود والرجل القصيرمع الليل وعندما اخفضنا كواهلنا لنرفع صورة ملاك  الخير الصغير مع انبلاج صباح جديد..وسلمت يا صباح وسلم الجسر بطلك/بطلنا.

وسنندهش إذا عرفنا أن هذه الأثيرة المثيرة هي الأقل صوتا في الثلاثة الصامتة وهي الأكبر وضوحا..وتوافقني الرأي إذ أردت أن تمرر مفاتيحك على قفل واسطة العقد..(حدث منذ الأزل) ولم يزل يحدث..حيث استعراض فذ ومحكم لتكتيك مسرحي جديد  تطلبه نصوص كهذه ولرؤيا إخراجية تزهو على يد المؤلف الأول للنص إذا اتفقنا ـ ولو  اضطرارا ـ أن المخرج هو المؤلف الثاني للنص فيتداخل الانباري مع نفسه في سيادة مطلقة على ما يكتب..ويبهج العيون والآذان والأفئدة..ويخاطب العقل المثقف التركيبي..أي عقلية العصر بإرهاصاته وتقنياته وطفرته المجنونة..وتنبسط سرائرنا إذ نفهم إيماءاته..ونفسر مقاصده..ونبتهج ثانية إذ نعرف أننا ممن يخاطب..أعود لنصه الثاني وأول ما يستوقفنا مليا هو ما يعنيه في بهرجة النص بديكور خرافي لا يقدر على رسم تنفيذه سوى الكمبيوتر فنعرف  المغزى ونعرف المراد..ففي عصر استكشاف الفضاء وطغيان الفضائيات يصب اهتمامه أن يكون فضاء المسرح غير مهمل ـ عنده يجب أن يوحي ويتكلم بنبرة التقدم ـ ساحقا توظيفات سابقة سقيمة ـ حيث هبوط التفاحات وصعودها في محاكمة متعمدة  لتقنية غزو الفضاء، وعزف بديع على أوتار العصر السريعة..ونرى التفاحات وكأنها أقمار صناعية حتى لو عرفنا اختيار التفاح دون غيره يدخل في باب الترميز اللطيف، مثلما عرفنا أن الشاب الأول هو نحن أو هو الأزل ـ مجازا ـ والذي يبقى أولا على طول خط زمن المسرحية بل الزمن نفسه بينما الثاني الذي يمثل القبيح المرتكز على قدمي الاستحواذ والاستئثار والذي لم يترك حتى الدميمة للأول بل اصطحبها هي الأخرى إلى داخل التفاحة هذا الثاني يسلط عليه الانباري ـ وبإشارة ذكية أيضا للعصر الذي نحن فيه ـ هندسة الجينات فقابيل المدان ـ كأنموذج ـ عرفاً ولاهوتاً يصير حواريا خائنا لسبارتاكوس ويتحول إلى شاه صفوى ـ ربما ـ  باشا عثماني يحفه الازدراء والنبذ  لعرشه القائم على الجماجم وحتى نرتعش ـ وهو يرتدي بزة جنرال دموي كـ(بينوشت) أو شارون) أو (شوارزكوف) ـ يظل قبيحا جدا ومريدوه أقبح  منه، وأعماله موغلة في وحل القباحة.. ويتولى الرفض من الأول في صراع غير متكافئ وبيدين عاريتين ولكنهما من حديد ـ كما تقول القصيدة ـ وضد اغتصاب جميلته، وضد تقبيل الأقدام، وضد الولاء الأعمى، وضد الملك، وضد المجون، وضد الرفسات والصفعات، وضد الحرب، وضد الحبل أيضا، حتى لو كان الرفض بصقا، ولكن حين اكتشف الأول أن البندقية  خالية من العتاد تبادرت إلى ذهني وذاكرتي مقولة الفرزدق عن مواقف القلوب والسيوف قبيل الطف وأخيرا لا أستطيع أن أهمل عبارة الانباري (تقف الشابة الأولى على قدميها لحظة ثم تسقط ميتة) فهذه تحيلني إلى أخت لها في المسرحية السابقة، إذ يقول "يطعنونه طعنة واحدة في آن..الرجل ذو الملابس البيض يستمر واقفا لحظة وهو ينظر صوب الجسر ثم يسقط ميتا"..وابهت أمام هذه (اللحظة) المعبرة عبرة وعبرة فأصير مثل (الهذلي) لا عرف لدي ولا نكر لأتساءل:

ـ ترى أليست هذه (اللحظة) هي كل تاريخ الإنسان المجاني؟ إن الرؤية الفلسفية في هذا   النص المبتكر جعلته يحمل بعدا  إنسانيا واسعا مع الثبات في الوقوف على أرضية مسرحية عراقية مبدعة لان الانباري يحمل منهجية فكرية ثاقبة وبعيدة المدى (نصا وإخراجا ورؤيا) استمدها من حس الناس الذين يتوسطهم ويحمل همومهم وينثرها ـ الآن ـ على نصوصه التي تجاوزت حدود المحافظة والعاصمة وحتما ـ لا بد من هذا الحتم ـ بمثابرته المجدة والواعية سيسمع صدى عربيا يرتضيه، ويسمع صدى آخر من قاصية هو ألذ وارقي لنصوص لذيذة راقية.

      وعلى عتبة خاتمة المسك كانت لي وقفة تأملت فيها لوحة الغلاف فوجدتها ـ على براعتها الفنية ـ تنحو منحى فكريا مغايرا لخط الطقوس الصارخة لأنها ـ أي اللوحة وتحديدا في زاويتها المكتظة ـ تكرس النكوص والتجابن واستلطاف الذلة ـ إضافة إلى نهايات الستارة المحاطة باللوحة قد رسمت بيد فقيرة غير ماهرة ولا متعلمة لان الستارة من بعد  العقدتين الوسطيتين ونزولا يجب أن تنساب بقماشها على وفق منطق الجاذبية رحمة لعيون وذائقة وعلم الرائي أيا كان فهو محب موال للجمال بالفطرة..إنها مجرد وقفة صغيرة بريئة وان تخللتها مشاكسة فلا تحسب هذه خارج صفة الوقفة..خاصة واني  لم ازل مطرقا متأملا منتظرا (المتوالية الصماء) وها هو قد ابتدأ عرضها فأرى الحضارة شرقا بهياً وارى رجال الفضاء عولمة غريبة غرائبية قديمة/جديدة والكاهن مرجعية متخلفة مباركة لفعل سادة الأتمتة ، وارى، الشاب هنا بيدقا أجادوا صنعه وتنطيقه وحين أدى دوره المرسوم بعناية وحرص من هتك ستر العروس وقتل عريسها الذي سقط في الأعماق كالمرساة لينمو في القلب كغسيل الملائكة..وبعد تغييب الشيوخ/الأصول أراد الشاب أن يمارس دور الولد العاق ـ ويحضرنا هنا جليا (سالمين) أو (بهلوي) أو (ماركوس) في تماديه وإساءته للمثل الشكلية لعرابيه فيرسلون إليه الرافعة الآلية ذاتها التي فرضته قسرا يوما ما، لتتخلص منه..إنها لعبة تبادل الأدوار..أو نهاية  لعبة التأويل المفتوحة مثل صدر الجدار الرابع ..

   أجدت يا صباح وأيما إجادة..تفننت وصغت وقدمت لنا متعة الذهن، ولك متعة الضمير لكن لي ملحوظة ـ واتمنى أن لا تكون مأخذا ـ وهي أن ( الصفير) قد غطى مساحة النصوص حتى صار طاغيا بلجاجة.

   واشهد أن الانباري قد أبدع أيضا بلغته البارعة ـ عدا هفوات لا تستحق التنويه ـ وإذ أشيد بتمكنه اللغوي فاشادتي هذه ليست دعوة للتفاصح والسير خلف ابل القواميس المنقرضة بل مذاكرة لآخرين لا يرون أن توفر لغة عربية سليمة شرط مهم لتقبل النص المثقف المناضل.

وتبقى دعوتي الداعية هي لمشاهدة ـ اقصد ـ لقراءة طقوس صباح الانباري، وتفلحون إذا   أقمتم  قداسكم  على خرير صامتاته المعرفية المقفاة.

 

..

1ـ طقوس صامتة ـ صباح الانباري   إصدارات دار الشؤون الثقافية ـ بغداد ـ أواخر سنة 2000   نشرت في :

              -  مجلة الف باء ـ التأريخ 31/10/2001 بغداد

   -     مجلة ضفاف ـ العدد 8 ـ التأريخ 2001 النمسا