مسرحية

قطــــار المـــوت

 

 

الصامتون

1. الأول

2. الثاني

3. الثالث

4. المتهمون

5. الجلادان

6. الحاشية

7. رتل من الرجال، والنساء، والصبيان

 

   تطفأ الأضواء، وتعزف الأبواق معلنة عن قدوم موكب الملك، وعندما تغمر الإضاءة الفيضية الخافتة خشبة المسرح نرى مدرجاً عال نوعا ما، وفي أعلى وسط الخشبة كرسي العرش وقد علق فوقه، تماما ، التاج الملكي بحجم كبير..على يمين المسرح، ويساره رتبت مقاعد الحاشية بشكل مهيب..دائرتان من الضوء تتوهجان على مقعدي الحاشية السفليين، في أسفل يمين ويسار الخشبة ثم تتحركان إلى الأعلى، وتتوقفان عند كل كرسيين لحظة ثم تباشران الصعود تدريجيا حتى تلتقيا وتتداخلا عند عرش الملك مع نهاية السلام الملكي.

تعزف الأبواق ثانية منذرة بالخطر، تقاطعها أصوات انفجارات مدوية، وصرخات استغاثة تستمر بضع ثوان..يسقط الكرسيان المتقابلان في أسفل يمين ويسار الخشبة يتبعهما سقوط الكرسيين الآخرين مع كل فرقعة عالية للرصاص، ثم يسقط عرش الملك متدحرجا من أعلى المدرج إلى أسفه..فترة صمت تعم المكان ثم تفتح النيران، مرة أخرى، بكثافة أشد حتى يسقط التاج الملكي ويتدحرج على الأرض..يدخل إلى المسرح ثلاثة رجال عسكريين مازالوا يحملون بنادقهم في وضع انقضاض على العدو من أعلى وسط المسرح، ومن يمين المسرح ويساره..الرجل الذي في وسط المسرح (الأول) يرفع كرسي العرش..يحمله إلى موضعه في أعلى المدرج..يضعه بتأن واهتمام ثم يجلس عليه..يشير إلى الآخرين بـالصعود، والوقوف إلى جانبه فيفعلان..يقف بينهما..يوجه بندقيته إلى الأعلى ويطلق اطلاقة واحدة على إثرها يعود الكرسيان الأولان إلى وضعهما الأول ثم يطلق ثانية فيعود الكرسيان اللذان بعداهما إلى وضعهما أيضا .. يطلق ثالثة، ورابعة، وخامسة فتعود كل الكراسي إلى وضعها الأول..يضع بندقيته على كرسي العرش..يخلع بزته العسكرية..الآخران يفعلان مثله فيظهرون بملابسهم الداخلية الملونة..الثاني باللون الأحمر، والثالث باللون الأسود، والأول باللونين معا، وإذ يقفون ملتصقين جنبا إلى جنب تشكل الصور المرسومة على ملابسهم ميزان العدالة..تعزف الموسيقى وتنزل من فضاء المسرح معاطف سود يتناولها الثلاثة ويرتدونها بطريقة استعراضية..الثاني، والثالث يرتبان كرسي العرش، وإذ ينتهيان يقفان إلى جانبه وينحنيان حتى يجلس الأول عليه بكبرياء..يعتدل الرجلان ينزلان من أعلى المدرج..يتناولان كرسيين من كراسي الحاشية يجلسان إلى جانب الأول يدخل اثنان من الأتباع وهما يحملان منضدة، فخمة يضعانها أمام الأول وينسحبان إلى خارج المسرح..ضربة صنج..يدخل عدد من الرجال وهم في قفص اتهام يسير بهم على عجلات صغيرة يدفعه جلادان قويان يحمل كل منهما سوطا..ضربة صنج أخرى..تهبط مع الموسيقى مطرقة القضاء ويدخل إلى قاعة المحكمة عدد من الرجال هم اتباع الأول أيضا..يتحدثون بعضهم مع بعض فتحدث جلبة داخل القاعة..يضرب الأول منضدته بالمطرقة فيسود الصمت..يتحرك المتّهمون حركات عشوائية تستفز الرجال الثلاثة (القضاة) فينقض الجلادان عليهم بالضرب المبرح، وإذ يسقطون مكومين على أرضية قفص الاتهام يتوقف الجلادان عن الضرب..يضرب الأول على منضدته بالمطرقة ثم يقف منتصبا..يقف الثاني، والثالث أيضا..ثم يقف رجال الحاشية (اتباع الأول)..موسيقى..يرفع الأول قبضته ثم تبرز منها الإبهام مشيرة إلى الأسفل(على الطريقة الرومانية)..يصفق رجال الحاشية الذين على يمين المسرح بينما يلتزم الآخرون الصمت فيفاجأ الأول باعتراض نصف أتباعه على قرار حكمه بالموت للمتهمين..ينزل من على مدرج العرش فيقف رجال الحاشية احتراماً وإجلالاً، وإذ يصل إلى أسفل المدرج ينحني له، تعظيماً، رجال الحاشية الأتباع على يمين المسرح كتعبير عن موافقتهم على قرار الحكم..يستعرض نصف الحاشية من المعترضين..يلتفت إلى الثاني، والثالث..يرمقهما بنظرة يفهمان مغزاها ثم يصعد مدرج العرش ليهبط من عليه الثاني، والثالث، وكل منهما يخرج بندقيته من تحت معطفه ويصوب نحو صدور المعترضين، وحالما يضرب الأول منضدته بالمطرقة يطلقان النار ـ  بكثافة شديدة ـ فيسقط المعترضون صرعى على الخشبة..تتداخل أصوات الرصاص، مع أصوات انفجارات آخذة بالاقتراب شيئا فشيئا..يضطرب الجميع إذ تطغي أصوات الانفجارات على صوت البنادق..يتوقف الاثنان عن الرمي ثم يتحركان، هنا وهناك، حركات تنم عن الخوف، والدفاع في آن..تقترب أصوات الانفجارات أكثر فأكثر، ويبدأ الرجال بالسقوط الواحد تلو الآخر بينما يظل الأول واقفا، مذهلاً، في محله أمام العرش..تتوقف أصوات الانفجارات لحظة ثم تنطلق، مرة أخرى، بكثافة اشد..يسقط الأول مضرجا بالدم..يتدحرج حتى أسفل المدرج ثم تبدأ الإضاءة الفيضية بالخفوت، تدريجيا، حتى يظلم المسرح.

*

   تدريجيا تشتد الإضاءة على كرسي العرش..وإذ تتوهج توهجاً شديداً تعزف الموسيقى سلاماً خاصاً..دوائر ضوء متتالية تسلَّط على كراسي الحاشية..يضاء المسرح بإضاءة فيضية خافتة فنرى في فضائه عشرات البنادق أو السيوف معلقة سابحة في الهواء..يتغير لون (السايك) من الأبيض إلى الأحمر الدموي ثم يعود إلى الأبيض ثانية..نسمع نداءات استغاثة وصرخات نساء يغتصبن وبكاء أطفال ونحيب ثكالى..ترتفع هذه الأصوات ضاجة في كل مرة يصرخ فيها رجل ما صرخة ألم هائل جرّاء التعذيب الوحشي..أصوات جرّارات وعجلات مسرفة تطغى على الأصوات البشرية..تتبعها أصوات عظام، وأغصان أشجار تتكسر ثم تهرس هرسا شديداً مصحوباً بأنين طويل، ودوي انفجار يتزامن مع سقوط بقعة دم على وسط السايك..انفجار ثان، وبقعة دم ثانية..تتكرر الانفجارات وبقع الدم حتى يتحول السايك إلى اللون الأحمر الدموي..ضربات طبول متسارعة، ومحددة تجعل بقع الدم تتحرك في مواضعها باضطراب..تقترب الواحدة من الأخرى تتشابك بعضها مع بعض .. تتوحد .. تتحول إلى بقعة واحدة مع تسارع أصوات الطبول الصغيرة ومع ضربة الطبل الكبير تنقذف البقعة إلى كل الاتجاهات ملطخة الأثاث، كل الأثاث بالدم..ومع الموسيقى الهادئة تنسحب قطرات الدم بانسيابية نحو وسط الخشبة..تتجمع، ثم تبدأ بالتبخّر، والصعود إلى فضاء المسرح دافعة البنادق أو السيوف نحو الأعلى تدريجيا، وتدريجيا تخفت الإضاءة على أرجاء المسرح.                              

*

    تفتح الإضاءة تدريجياً على كرسي العرش، وهو كرسي مركب من كرسيين أحدهما أمامي والآخر خلفي..عندما يشتد وهج الإضاءة نرى الرجل الأول جالسا على الكرسي الذي في الخلف..ضربات متتالية على الطبول..يدور الكرسي على محوره ليواجهه الرجلُ الأول، في جلسته جمهورَ النظارة..يظهر على السايك رجل ثان..يتحرك..يظهر على خشبة المسرح..يتقدم من أعلى المسرح نحو الكرسي الذي في الخلف..يجلس عليه..تعزف الطبول مارشا للمسير..يدخل رتل من العسكريين، والمدنيين، والصغار والكبار، والبنات والبنين، من أسفل يمين المسرح متجها نحو الرجل الأول..يتوقف كل فرد من أفراد الرتل أمام الرجل لحظة..ينحني له بوقار ثم يواصل سيره في حركة التفاف حول المدرج..يتوقف كل منهم أمام الرجل الثاني الذي في الخلف.. يؤدي الانحناءة له أيضا ثم ينسحب إلى خارج المسرح من أعلى اليمين..ضربة صنج تتقاطع مع المارش..يدخل أفراد الحاشية من الجانبين..يحتل كل رجل محله على الكرسي المخصص له..يصفق الرجل الأول الذي يجلس على الكرسي الأمامي فتعزف الموسيقى لحنا رومانسيا، على إيقاعه تستعرض بعض النساء أنفسهن أمام الرجل الأول وحاشيته، وهن بملابس مختلفة بعضها طويل يغطي الجسد كله، وبعضها يكشف عن مفاتنه، ومواضع الإثارة فيه..بعضها طويل يزحف على الأرض بطريقة لافتة للأنظار، وبعضها قصير يكشف عن سيقان ناصعة البياض لدنة، ومثيرة..تدور النساء المستعرضات بخفر، في دائرة دائبة الحركة..يقف الرجل الأول، مشيراً الى إحداهن لتصعد إليه..يجلس..يقف الرجل الثاني..يستدير نحو المرأة..يمنعها ـ بإشارته المتقنة ـ من ارتقاء المدرج..يقف الرجل الأول..يلتفت إلى الخلف.. يبتسم له الرجل الثاني ابتسامة تقنعه بالعدول عنها..يشير الرجل الأول إلى امرأة أخرى لتصعد إليه ثم يجلس..يقف الرجل الثاني..يستدير نحوها..يمنعها أيضاً من ارتقاء المدرج..يحاول الرجل الأول الوقوف لكن الرجل الثاني يمنعه بإشارة، وابتسامة ماكرة ثم يشير إلى إحداهن فترتقي المدرج، وتجلس عند قدمي الرجل الأول ثم يشير إلي امرأة أخرى فتفعل مثل التي قبلها..يرفس أرضية المدرج بقدمه فتغادر المستعرضات أماكنهن، ويدخل رجلان يمسك كل منهما بطرف غطاء قماشي  أبيض طويل..يغطيان به ـ بخفة ومرونة ـ أفراد الحاشية الجالسين على اليمين كما لو كانوا قطع أثاث..يخرجان ثم يدخلان بقطعة أخرى، وبالطريقة نفسها يغطيان أفراد الحاشية الجالسين على اليسار..يخرجان ثم يدخلان بقطعة سوداء يحجبان بها الرجل الأول، والمرأتين..يستمر الرجل الثاني على وقفته، ولا يرى غير نصفه العلوي، وهو ينظر إلى ما يفعله الرجل الأول بخبث..الرجلان الممسكان بالستارة يبدآن تحريكها ببطء أول الأمر، ثم يزيدان سرعتها شيئا فشيئا مع إيقاع الموسيقى ثم يبطئانها، مرة أخرى، حتى يتوقفان عن الحركة حال سماعهما صرخة المرأتين.. ينزلان من أعلى المدرج فنرى المرأتين مضرجتين بالدم..يقف الرجل الأول..يزيل الرجلان الغطاء من على أفراد الحاشية الذين يجلسون في اليمين..يخرجان..يدخلان ليأخذا ـ بالطريقة نفسها ـ الغطاء من على أفراد الحاشية الذين يجلسون في اليسار..يلتفت كل أفراد الحاشية، في وقت واحد، نحو الرجل الأول ثم يصفقون بحرارة..يقف الرجل الثاني فيتوقفون عن التصفيق حالا..يستدير..يواجه الجميع بغضبه المخيف..يرفع كرسيه عاليا ويقذفه نحو أسفل وسط الخشبة..يقفز اثنان منهم فيمسكان به..يضعانه على الأرض..يصعدان إلى الرجل الأول..يمسك كل منهما بذراع، من ذراعيه، ويجرانه إلى الأرض، مرغما، يجلسانه على كرسي الرجل الثاني..يمتنع..لكنهما يجبرانه على الجلوس..يجلس الرجل الثاني على كرسي الرجل الأول، وبإشارة من إبهامه ينقض الاثنان على الأول ليقتلانه خنقا..يحاول بعض  أفراد الحاشية الاعتراض على القتل لكن اثنين منهم يشهران سلاحهما مهددين كل من يحاول الاعتراض..يعود أفراد الحاشية إلى أماكنهم.. ويقوم القاتلان بسحب الأول، والكرسي إلى خارج المسرح، وكذلك يفعل المسلحان الآخران إذ يسحبان جثتي القتيلتين إلى خارج المسرح أيضا.. يقف الرجل الثاني..ينظر إلى الحاشية بغضب يقف أفراد الحاشية..يجلس فيجلسون..يقف فيقفون..يستدير فيستديرون..يرفع يده..يرفعون أيديهم..يتحولون مع كل حركة إلى نسخة تتطابق مع الرجل الثاني وسلوكه، وكل شئ فيه..يعود الرجل الثاني إلى جلسته. يجلسون..يصفق بيديه ثلاثا..يهمون بتقليده لكنهم يتوقفون بصورة كاريكاتورية..تنزل من سقف المسرح المطرقة نفسها، ويضع اثنان من الأتباع منضدة أمام الرجل الثاني هي المنضدة نفسها التي استخدمت سابقا، ويدخل إلى المسرح المتّهمون داخل قفص هو القفص نفسه الذي استخدم في المرة السابقة أيضا..يدفعه على  عجلات متحركة جلادان..يشير لهما الرجل الثاني بإطلاق سراحهم فيفعلان..يقف الرجل الثاني فتقف معه الحاشية..ينظر إلى المتهمين.. ينزل درجات السلم..ينحني له الكل إلا المتهمين..يبتسم لهم ثم يعود أدراجه إلى العرش.. يرمق الجلادين بنظرة شزراء فينقضان على المتهمين بالضرب المبرح .. وإذ ينتهيان يشيران إليهم بالركوع أمام الرجل فلا يفعلون.. ينقضان بالضرب ثانية، وثالثة حتى يرضخ اثنان منهم..يستمر الضرب على الآخرين دون جدوى..وبإشارة من الرجل الثاني يخرجان ثم يدخلان وهما يدفعان أمامهما حوضا مستديرا يضعانه على وسط الخشبة ويبتعدان..تنزل من الأعلى، من فضاء المسرح، جثة متدلية بحبل وحالما تستقر في الحوض تبدأ بالتبخّر..يتقدم الجلادان من المتهمين..يمسكان بأحدهم..يسحبان..يتناولان  الحبل  الذي أنزلت بوساطته الجثة..يضعانه تحت إبطي المتهم ويعطيان الإشارة برفعه إلى الأعلى ثم إنزاله في الحوض..يتبخر هو أيضا..يمسك الجلادان بآخر ويقتربان من الحوض لكن الرجل الثاني يأمرهما بالتوقف، وسحب الحوض إلى الخارج فيفعلان..ينزل الرجل الثاني..يلقي نظرة على قفص الاتهام..يدور حوله.. يتفحصه. يصعد نحو عرشه.. يفكر..بينما يتصاعد صوت محرك قطار آت من البعيد. يبتسم الرجل الثاني للفكرة التي خطرت له فيشير إلى الجلادين بالخروج والمباشرة بتنفيذها..يسوقان المتهمين إلى قفص الاتهام ويدفعانه إلى وسط الخشبة..يخرجان كل من جهة مقلدين حركة القاطرة على السكة الحديد ثم يدخلان، وكل منهما يحمل قطعة صفيح معدنية يحشرها في جانب من جانبي القفص ثم يخرجان بالطريقة نفسها مقلدين حركة القاطرة..ليجلبان قطعتين أخريين يضعانها على الجانبين الآخرين..يخرج أحدهما ليجلب قطعة خامسة يضعها أعلى القفص فينغلق القفص على المتهمين تماماً.. يقوم الجلاد الآخر بإحكام وضع اللحام على حافات القطع المعدنية حتى يتم غلقه على المتهمين..وإذ ينتهيان يدفعان القفص كما لو كان قاطرة حقيقية ويدوران به حول المسرح دورة كاملة..يتصاعد من داخله الأنين وشيئاً فشيئاً يتحول إلى أنين كورالي تدور القاطرة مرة ثانية، وثالثة حول المسرح يخفت الأنين تدريجيا وتتوقف حركة الجلادين عن الدوران..يصفق الرجل الثاني فيدخل عدد من الراقصين والراقصات وهم يؤدون رقصة تقليدية..تقطعها صرخة بشرية رافضة تتوقف إثرها الحركة على الخشبة، وتستقر عيون الجميع على قفص الاتهام فترة وجيزة من الصمت تقطعها ضربة قبضة قوية من داخل القفص تثقب سقفه وتمتد إلى الأعلى مدماة، ولكنها قوية، ومتحدية..تتركز دائرة صغيرة من الضوء عليها بينما تبدأ الإضاءة بالخفوت تدريجيا على أرجاء المسرح..تستمر دائرة الضوء على القبضة لحظات مع الموسيقى قبل إسدال الستار.

 

 *   *    *

 -----------------------------------------

نشرت في مجلة دجلة العراقية العدد 13 السنة 2005