حديث الأصابع

بقلم: رجب سعد السيد- مصر :

 تقدم محطة التلفاز المحلية لمدينة الإسكندرية برنامجاً له نفس عنوان هذه المقالة، يخاطب فئة من البشر ظلت -مع غيرها من فئات المعوقين- في هامش اهتمامات البشر الأسوياء أمداً طويلاً.. إنهم الصم البكم. إن المذيعة القديرة التي تقدم ذلك البرنامج الأسبوعي تجيد حديث الأصابع: لغة الإشارة، وتستقبل ضيوفها الصم البكم، وتقدمهم للمجتمع كأفراد منتجين ومؤثرين فيه، لا تكاد مفردات حياتهم اليومية تختلف عن حياة القادرين على السمع والتكلم من آدميين. ولا يخلو البرنامج من متعة، ولكنها متعة إنسانية مثقفة.. متعة الاكتشاف، وليست متعة التسلية. وأعترف أنني -وربما الكثيرين من المتمتعين بنعمة السمع- كنت على غير علم بأن الإشارات التي يتبادلها الصم البكم هي مفردات لغة راسخة، لها أصولها وقواعدها. وأعترف أيضاً بأن لذلك البرنامج المتميز الفضل في دفعي إلى تقصي الحقائق حول تلك اللغة الفريدة، فوجدت أن لها تاريخاً، أحسب أن كثيراً من القراء يحبون مشاركتي الإطلالة عليه، والتعرف على طبيعة هذه اللغة الآدمية غير المنطوقة. ولا أحد يعرف يقيناً كيف ومتى ظهرت لغة الإشارة عند الصم، مثلما يصعب تحديد الأصول التاريخية للغات المنطوقة. ولكن الواقع يؤكد أنها -لغة الإشارة- وجدت في أكثر من بقعة على سطح الأرض، دون أن تكون ثمة وشائج تربط بين متحدثيها في مختلف البلدان. فقد لاحظ علماء الأنثروبولوجيا اللغوية أن كل الصم في العالم يتحدثون لغة الإشارة، ولكنها ليست اللغة نفسها، بل لغات مختلفة، يصل عددها إلى خمسين لغة محلية، ويندر أن تجد الصم في بلد معين يعرفون أو يستخدمون غير إشاراتهم المحلية.والثابت تاريخياً، أن أحد رجال الدين الفرنسيين، في بداية القرن الثامن عشر، واسمه (دي لابيه)، وضع كتاباً عنوانه: عندما يسمع العقل، يحكي فيه تجربته مع تعليم الصم لغة التخاطب؛ ويقول إنه من السهل أن تشير إلى قطعة من (الخبز) ثم إلى اسمه بالفرنسية أو أي لغة منطوقة، فيدرك الأصم أن تلك الحروف تعني ذلك النوع من الطعام. أما إذا أردت أن تنقل إليه معنى مجرداً، كالحب أو الصداقة أو الرحمة، فإلى أي شيء تشير؟ لذلك، بدأ يتعلم لغة الصم الإشارية، ليستخدمها كوسيلة تعليمية، كما حاول أن يدخل قواعد اللغة الفرنسية في لغة الإشارة الفرنسية! وأطلق على طريقته في تعليم الصم اسم (لغة الإشارة الأسلوبية)؛ التي نجحت في تعليم الصم قراءة اللغة الفرنسية، وجعلت صاحبها علماً في تاريخ تعليم الصم. وقد أنشأ (دي لابيه) العديد من مدارس تعليم الصم في أنحاء أوروبا، وبعد وفاته، تحولت مدرسته في باريس إلى (المعهد الوطني للصم والبكم). وقد اختير أحد مدرسي ذلك المعهد لتأسيس أول مدرسة للصم في الولايات المتحدة الأمريكية، في بداية القرن التاسع عشر، بتمويل من رجل أعمال أمريكي يدعى توماس هوبكنز جالوديت. ونجحت المدرسة الأمريكية - التي حملت اسم جالوديت- في تعليم الصم الأمريكيين بالطريقة الأسلوبية الفرنسية، التي امتزجت، بمرور الوقت، بلغات الإشارة المحلية التي كانت منتشرة بين الصم الأمريكيين؛ ونشأت لغة جديدة هي لغة الإشارة الأمريكية؛ وبدأ الصم يتعلمون في لغتهم الخاصة. لكن ذلك لم يستمر طويلاً، إذ ظهرت معارضة شديدة للغة الإشارة، بحجة أنها تجعل الصم لا يتحدثون من خلالها إلا إلى أمثالهم من الصم، وأن مهمة تعليمهم يجب أن تعينهم على محاولة نطق الكلمات، وأن تمكنهم من قراءة الشفاه. وكان أنصار نظرية تعليم الصم من خلال لغة الإشارة يرون أن هذه اللغة تمكن الصم من تعلم الإنجليزية قراءة وكتابة، وأن قراءة الشفاه مهارة لا تتيسر إلا لعدد محدود من الصم. وقد أظهرت الإحصائيات أن 93% من الأطفال الذين ولدوا صماً أو فقدوا السمع في طفولتهم المبكرة لا يحسنون قراءة الشفاه إلا بنسبة واحد إلى عشرة. وكان رأيهم أن الجهد الشاق والوقت الطويل اللذين يذهبان سدى في محاولات لدفع الصم إلى إصدار أصوات أشبه بالصراخ، أملاً في تقليد نطق الأسوياء للكلمات، يمكن أن يوجها إلى تعليمهم لغتهم الأصلية التي هي وسيلتهم لفهم كل شيء وأي شيء. ولكن معارضي لغة الإشارة انتصروا، وتمكنوا في مؤتمر لتعليم الصم، عقد عام 1880م من اتخاذ قرار بحظر استخدام هذه اللغة في مدارس الصم بالولايات المتحدة الأمريكية. وكان ذلك بداية لعصر مظلم بالنسبة للصم، كما يقول أحدهم، وكان تلميذاً في مدرسة لتعليم النطق وتقليد الأصوات. ويقول: كنا نستخدم (لغتنا الأصلية) حتى في حجرة الدراسة؛ فما أن تستدير المدرسة لتكتب على (السبورة)، حتى نبدأ في (الحديث) بالإشارات، غير عابئين بالعقاب الذي كانت توقعه بنا إذا واجهتنا فجأة وضبطتنا نتحدث!لغة الإشارة.. السرّ الخاص! ويذكر التاريخ أن بداية الاهتمام العلمي بلغة الإشارة، مرتبطة باسم (بيل ستوكوي)، مدرس اللغة الإنجليزية، الذي التحق في عام 1955م بالعمل في مدرسة جالوديت، التي أصبحت في ذلك الوقت جامعة خاصة بالصم، في مدينة واشنطون. وقبل أن يباشر عمله، كان من الطبيعي أن يتدرب على لغة الإشارة التي سيتعامل بها مع تلاميذه من الصم. وأثناء تلقيه الدروس في هذه اللغة الفريدة، لاحظ ستوكوي اختلافاً واضحاً بين أداء المدرسين الذين كانوا يعتمدون على النظرية القديمة السائدة، واستخدام التلاميذ للإشارات. وكان ذلك سبباً في لفت نظر ستوكوي إلى لغة الصم واهتمامه بها. وكانت اللغة التي تعلمها ستوكوي تعتمد على دليل أو قاموس إشاري يترجم كل حركة لليدين إلى كلمة مناظرة في اللغة الإنجليزية المنطوقة. ولكن تجربة ستوكوي مع تلاميذه الصم أكدت له أن لغة الإشارة التي يستخدمها هؤلاء التلاميذ فيما بينهم أغنى بكثير مما يقدم لهم في المدرسة. ولم يلبث ستوكوي أن توصل إلى فكرة ثابتة، وهي أن التفاهم بالإشارات لغة طبيعية، مثلها في ذلك مثل الإنجليزية والفرنسية وغيرها من لغات أهل الأرض. وكان من الطبيعي أن تصطدم هذه الفكرة بالنظرية التي كان يتبناها رجال التعليم الأكاديميون في ذلك الوقت، وهي أن اللغة (يجب) أن تعتمد على النطق، فهي تشكيل صوتي، أما الإشارات فهي تشكيل فراغي. وعثر ستوكوي على أبحاث لبعض علماء الأنثروبولوجيا تؤكد صعوبة، أو استحالة، تعلم اللغة منفصلة عن ثقافة أهلها. ومن خلال اختلاطه بالصم في تلك الجامعة، تيقن من أنهم يملكون ثقافتهم الخاصة. بل لقد اكتشف أن الصم يحرصون على أن تبقى لغة الإشارة عندهم سراً خاصاً بهم، يحجبونه -قدر الإمكان- عن ذوي الآذان السليمة، رغبة من الصم في عزل القادرين على السمع، وحرصاً في التعامل معهم، تجنباً لأي أفعال تصدر منهم وتؤثر بالسلب على مجتمع الصم. وهم بذلك يهدفون إلى صون الهوية الاجتماعية والتضامن الجمعي فيما بينهم! وأكدت ملاحظات أحد الباحثين أن الطفل الصحيح الأذنين، في أشهره الأولى، يصدر أصواتاً لا معنى لها، مثل (بابا بابا با)؛ وكذلك يفعل الطفل الذي يولد أصم.. إنه يحرك يديه وأصابعه بشكل فيه تناسق، لا يأتي به الطفل ذو الأذنين السليمتين.. وهذا يؤكد أن لغة الإشارة طبيعية تولد مع الصم من البشر. وقد قام ستوكوي بتحليل إشارات تلاميذه، فوجد أنها تتشابه مع اللغات المنطوقة التي يتم فيها تجميع مفردات صوتية صغيرة، لا معنى لأي منها في حد ذاته، ولكنها تصبح ذات معنى عند اتحادها. وهذا بالضبط ما يقوم به الصم في إشاراتهم.. إنهم يحولون الحركات والإيماءات المنفردة لليدين والجسم إلى كلمات مفهومة. إنهم - في إشاراتهم- يختارون أوضاعاً مختلفة لليد، فتتخذ قبضة اليد مع الأصابع عدة أشكال، وتتنوع مفردات اللغة تبعاً للمكان الذي تتم أمامه الإشارة، فوق الرأس، أو أمام الوجه، أو على الصدر، وحين (يتكلمون)، تتحرك اليد بتناسق مع الذراع، بحيث يكون لكل إشارة مسار محدد، كأن تبدأ حركة اليد عند الوجنة أوالجبهة، وتنتهي عند الذقن. فإذا تشكلت اليد في صورة معينة وتحركت في اتجاه محدد، تكونت كلمة. عواطف الآباء.. عوائق !وقد تمكن ستوكوي في عام 1960م من تجميع ملاحظاته حول لغة الإشارة الأمريكية في كتاب ألَّب عليه خصومات عديدة من علماء اللغة المناصرين لأنظمة تعليم الصم اعتماداً على اللغة الإنجليزية المنطوقة كأساس، والذين أثارهم تأكيد ستوكوي أن لغة الإشارة عند الصم لغة طبيعية. ولم يلبث أن ألَّف -بعد خمس سنوات من إصدار كتابه- قاموساً للإشارة عند الصم في أمريكا، هو أول قاموس في هذا المجال؛ وبدأ يجتذب إليه المتعاطفون والمناصرون لنظريته..وأخيراً، ومع بداية السبعينيات من هذا القرن، تراجع الحظر على اعتماد لغة الإشارة كلغة أساسية في مدارس الصم. وبالرغم من ذلك، فلا تزال مدارس الصم متمسكة بالطريقة الشفاهية؛ فمن بين عدة مئات من هذه المدارس تنتشر في الولايات المتحدة الأمريكية، تعتمد ست مدارس فقط على لغة الإشارة. ويفسر المهتمون بتعليم الصم ذلك التمسك بأنه استجابة لعواطف الآباء؛ فتقول (باربارا كانابيل)، وهي صماء متخصصة في علم الاجتماع اللغوي، وخريجة جامعة جالوديت، ومؤسسة جمعية (كبرياء الصم) للدفاع عن حقوقهم: لقد حاولت أن أدرس وجهة نظر الآباء والأمهات الأسوياء تجاه تعليم أبنائهم الصم بالطريقة الشفاهية، فوجدت أن المشكلة تتمثل في أن الأبوين يريدان أن يفعلا المستحيل من أجل أن يصبح ابنهما مثلهما.. متكلماً!. ولكني، كأم صماء، أتمنى أن يحاول الآباء التخلص من هذه الفكرة، وأن يبدأوا بأنفسهم، فيتعلموا لغة الإشارة ليتمكنوا من (الاتصال) بأبنائهم، وييسروا لهم الحياة!. وينصح الباحثون اللغويون بإعداد نظام تعليمي يعتمد على لغة الإشارة، ويبدأ بالأطفال الصم منذ سني الطفولة الأولى. ويؤكد أحد علماء اللغة ضرورة أن يبدأ الأطفال في دراسة اللغة -أي لغة- خلال السنوات الأولى من العمر، حيث تستجيب المنطقة المخية المسؤولة عن هذا النوع من النشاط، وقبل أن تفقد قدرتها على الاستجابة لتعلم اللغة بتقدم العمر أو بالتعرض للعطب والتعطل لسبب أو لآخر، ولعل هذا يفسر صعوبة تعلم لغة الإشارة عند بعض الصم الذين يبدأون متأخرين، وخصوصاً أولئك الذين يولدون في أسر تسمع، ولا يخالطون الصم. وتشير الإحصائيات إلى أن 90% من الصم الأمريكيين الذين يولدون لآباء يسمعون، يتعثرون عند البدء في تعلم لغة الإشارة، على العكس من الذين تلقوا في صباهم قواعد تلك اللغة، ومارسوها. ومع مقدم عقد الثمانينيات، تكونت لدى معظم علماء اللغة قناعة بأن لغة الإشارة طبيعية، مثل غيرها من اللغات الحية، ولها قوة التأثير نفسها، والتركيب المعقد نفسه، ولها -أيضاً- صفة النمو والتطور، إذ تتغير الإشارات من وقت لآخر... وعلى سبيل المثال، كان الصم الأمريكيون يلمسون الفم بالسبابة لمعنى (الطعام)، كما يضعون الخد على راحة اليد لمعنى (النوم)، وكان اتحاد الإشارتين معاً يعني (البيت). وقد تغيرت إشارة البيت الآن لتصبح دقتين على الخد..بل إن لغة الإشارة تتسع لتستوعب تنوع الأساليب، والشعر.. أيضاً! الشعراء الصامتون! إن لبعض الصم القدرة على تخليق التورية والأسلوب الساخر باستخدام تشكيلات وحركات مختلفة لليد، تقلب معاني الكلمات، أو تحملها مغزى مختلفاً.. وعلى سبيل المثال، يصف الصم الأمريكيون شخصاً بأنه يفهم، إذا وضعت قبضة اليد قرب الجبهة، مع خبطة خفيفة عليها بطرف الأصبع السبابة.. فإذا استخدم الأصبع الصغير بدلاً من السبابة كان المعنى: إنه محدود القدرة على الفهم! أما الشعراء الصم، فإنهم يوفرون لقصائدهم الإيقاع الشعري بثبات تشكيل اليد، أو بتكرار هذا التشكيل، كما تتخلق الأوزان الشعرية تبعاً لطول الزمن أو قصره بين الإشارة والأخرى.. وهكذا تتوفر موسيقا هذا الشعر الصامت! وللصم مسرحهم المتميز. إنه -بالطبع- يختلف عن المسرح الإيمائي- البانتومايم- الذي يستغني فيه البشر أصحاب الأسماع الصحيحة عن اللغة المنطوقة -ربما لقصور يرونه في قدراتها- ويلجأون إلى التعبير بملامح الوجه وحركة الجسد. ولمسرح الصم تقنياته وأساليبه الخاصة التي تتنوع بين مختلف الممثلين.. فبعضهم يستخدم الفضاء ليرسم فيه تصميمات لحركات الذراعين بحرية أكثر مما تسمح به قواعد لغة الإشارة العادية؛ بينما يعتمد آخرون على الإيقاع الحركي لخلق التوازن والتناسق في الأداء المسرحي الأصم، مع تدفق (الجمل الحوارية) بين الممثلين في (غنائية) فريدة! الطب يشرِّحو بالإضافة إلى ذلك، فإن الطبيعة الفريدة للغة الإشارة توفر لأطباء الأعصاب وعلماء اللغة فرصاً طيبة للتعرف على كيفية تعامل المخ البشري مع اللغة إرسالاً واستقبالاً. فاللغات المنطوقة تصدر عن حركات غير ملحوظة في مصدر الصوت (الحبال الصوتية في الحنجرة)، ويستقبلها المخ من خلال الجهاز السمعي. أما لغة الإشارة فمصدرها حركات مرئية شديدة الوضوح، للأذرع والأيدي والوجه، تصل إلى المخ من خلال طريق مختلف، هو جهاز الرؤية. فكيف يتعامل المخ في الحالين؟ وما هي الأسس البيولوجية للغة البشرية؟ إن وجهة النظر السائدة بين أطباء الأعصاب أن النصف الأيسر من كرة المخ الآدمي هو مقر النشاط اللغوي، بينما يتم إدراك المرئيات في النصف الأيمن. فما هو الجزء من المخ الذي يتعامل مع لغة الإشارة؟ هل يتعامل معها النصف الأيسر بصفتها لغة، أم يتعامل معها الجزء الأيمن بصفتها حركات فراغية مرئية؟ وفي محاولة للإجابة عن هذا السؤال، درس بعض العلماء أحوال جمع من الصم المسنين الذين يعانون قصوراً في تغذية المخ بالدم أدى إلى تدهور بعض أجزائه. فإذا كان التدهور في الجزء الأيسر، فقد المسن الأصم القدرة على أداء الإشارات، وإن كان بمقدوره أن يومئ ويهز رأسه وكتفيه ويشير بأصبعه، وقد وجد أن بعض المسنين القادرين على السمع، إذا أصيبوا بالحالة نفسها، يفقدون القدرة على نطق الكلمات بدرجات متفاوتة، أو تتضاءل قدرتهم على تكوين جمل صحيحة. ومن جهة أخرى، فإن الصم المسنين المعطوبي النصف الأيمن من المخ، لا تتوقف مقدرتهم على أداء الإشارات، ولكن يلتبس عليهم الأمر في إدراك التشكيلات الفراغية. وقد وجد الأطباء أن مسنة صماء من هذا الفريق لا تلاحظ أو تعي إلا الأشياء الموجودة إلى يسارها، وحين طلب منها وصف الموجودات في الحجرة التي تقف فيها، أوردت إشارتها كل الأشياء الموجودة بالناحية اليمنى فقط، وكأن النصف الأيسر خال! ويفسر الأطباء هذه الحالة بأن تلك السيدة المسنة الصماء قد فقدت الإحساس بطبوغرافية الفراغ، وهي وظيفة يختص بها النصف الأيمن من المخ. ولأن نصف مخها الأيسر كان سليماً، فقد أدى وظيفته (اللغوية) جيداً، إذ لم تتأثر قدرة تلك السيدة على استخدام لغة الإشارة. وهذا يؤدي بنا إلى استنتاج أن النصف الأيسر من المخ هو الذي يقوم بالأداء اللغوي عند البشر، سواء كانوا يتكلمون اللغة، أو يتحدثونها إشارة. إن الصم الآن، بفضل لغة الإشارة، يتقدمون لشغل وظائف هامة في المجتمع، كرجال قانون ، ومحاسبين، وفي أعمال متصلة بالحاسوب، ولكنهم يفضلون العمل لدى رجال أعمال من الصم، لشعورهم بالانتماء إليهم، وحيث يجدون التعاطف الحقيقي!