عن شبكة النور الثقافية

فن الصمت

بهاء زهير الصالح

الفن الصامت  

في الافتتاح الأول لمهرجان بابل ومع الصخب الهائل الذي احدثته آلة الاعلام البعثية , ارتفعت اسعار بطاقات الدخول الى عروض الفرق المختلفة، على الرغم من وجود وكلاء – معتمدين - لبيعها .لعلها عملية مفتعلة من السلطة لحمل الناس على مطاردة هذه البطاقات في رغبة جامحة لمشاهدة صور ليست من المعركة ( 1)، وللفوز برؤية سحنات اخرى للبشر من غير العراقيين الغارقين في الزي العسكري ومن غير المصريين عندما كان العراق يغص بهم. في ذالك الوقت اتصل بي احد الاصدقاء – هو الان استاذ في جامعة بابل – واخبرني ان احد معارفه قد عرض عليه تذاكر لعرض مسرحي وبسعر ثلاثة دنانير للواحدة .علمنا فيما بعد ان هذا العرض لفرقة يابانية مغمورة وستقدم مسرحية ايمائية صامتة .على اية حال لم يكن هذا النوع من العروض في حد ذاته يمثل مشكلة بالنسبة لنا عندما تتوفر فرصة حضور احد عروض المهرجان. ومع بدء العرض اقتنع الجمهور ذي الغالبية البغدادية بانه قد خدع بحضوره مثل هذا العرض السخيف، وانتابني انا شخصيا شعور مشابه، ومع – ادب- البقاء في القاعة الذي فرض على الجمهور لحين انتهاء العرض، تصاعدت حدة الضوضاء الناتجة عن الاحاديث – الودية – المتبادلة تسندها طقطقة بذور – الرقي والبطيخ - ،وفيما انا مجبر على متابعة حركات الممثلين جلب انتباهي الزي العام لهم، اذ لم يكن يابانيا صرفا بل كان فيه لمحات من الملابس العربية التقليدية، في هذه الاثناء ادى احدهم مجموعة من الحركات والاشارات المرمزة التي تظهر بانه حاكم، يقوم بتقييد ممثل اخر والعمل على ايذائه بحركات مرمزة اخرى. وفيما يزداد انشغال الجمهور عنهم تصاعدت حدة حركات المؤدين الصامتة عندما اجبر الحاكم الممثل الاسير على الدخول في عراك مع ممثل اخر كان مشغولا من بداية العرض بحركاته ومنطقته الخاصة على المسرح، تطور العراك بين الممثلين الى رموز اكثر حدة وعنف، عندها يقل نشاط الحاكم وتظهر عليه علامات الارتياح والسرور. ينهض الحاكم فجأة ليطلب من عبده الذي يخوض صراعا مؤثرا اقول يطالبه بالرقص والضحك بقوة؛ يمتثل العبد لامر الحاكم ويستمر في عراكه فهو يتالم ويرقص ويضحك .وينطلق من الحاكم ضحك هستيري من تصرفات وربما من طاعة عبده المتألم؛ الذي خلط الالم بالرقص والضحك غير المبرر .بعدها تظهر فتاة في نحو الخامسة عشرة من عمرها وهي بلباس ياباني تقليدي كامل وبلون بشرة بيضاء ناصعة وهي كما وصف الشاعر ووجه كأن الشمس القت رداءها عليه نقي اللون لم يتخدد وكأنها غريبة عن المكان وتتأمل ما يجري على خشبة المسرح من تصرفات الحاكم ومن فعل العبد ومن شدة الانغماس في العراك؛ وتبتسم مرة وتضحك بقوة مرة اخرى وهي تخفي فمها بمروحة الهواء التقليدية على الرغم من محاولة الفرقة التظاهر بانها تؤدي ايمائات عن قصة فلكلورية يابانية الا ان الرموز العامة حول الحاكم وصلته بصدام؛ العبد المقيد واشارته الى الشعب العراقي؛ العراك بين الممثلين ودلالتها على الحرب مع ايران؛ رقص العبد وضحكه وارتباطه بمهرجان بابل؛ الفتاة اليابانية الساخرة من المشاهد التي راتها والاحالة الى الفرقة اليابانية التي ادت العمل ؛ اقول كانت شديدة الوضوح بالنسبة لي على الاقل . خلال ذالك العرض كنت اراقب الجمهور ايضا المستمر في تجاهل العرض والسخرية منه باصدار اصوات بين الحين والاخر تتبع حركات المؤدين؛ وارجع لأراقب الفرقة التي تهزأ بدورها بالجمهور والمهرجان ككل. توقعت ان ينهض احد الحاضرين وقد فهم رموز العرض ليخبر مسؤول ما هناك ولكن لم يحصل ذالك ؛سالت صديقي هل فهم شيئا من العرض لم يجبني سوى بالفاظ السباب والشتائم لتلك الفرقة وقال(احنه وين وهمه وين)  
ربما كان رد صديقي ادق التوصيفات عن حالة الوعي لدى الجمهور المشاهد ولدى عموم الشعب العراقي؛ انتظرت يومها خروج الفرقة من القاعة واظنها قاعة ننماخ ومشيت خلفهم وانا اتوقع ان تلقي احدى الجهات الامنية الكثيرة في المهرجان القبض عليهم او شيئ من هذا القبيل ولكنها خرجت من بابل بسلام .
لقد صفعت تلك الفرقة المتواضعة ثقافة النظام وآلة اعلامه العجيبة؛ واستطاعت الالتفاف على مثقفيه الى درجة عدم فهم مغزى العرض وغايته؛ وسخرت من خنوع شعب العراق وربما من محاولة اقامة مهرجان في اجواء كتلك .
( 1)
صور من المعركة برنامج كان يعرض على التلفزيون العراقي يتم التركيز فيه على اضهار صور الجثث الممزقة المطروحة في العراء.

 

تذكرت هذا الموضوع واهميته خلال محاضرة لاحد اساتذة اكادمية الفنون في اتحاد الادباء يوم 22\6 والتي كانت عن المسرح الصامت .
امتلكت تلك الامسية عددا من عناصر الامتاع عندما تخللتها ثلاث عروض كان اكثرها تميزا هو مشهد المهرج، ولكن من جهة اخرى لم يعرفنا المحاضر عن بداية هذا النمط الفني في العراق وفيما اذا كان قد حكمته الصدفة او ربما كان متابعة عراقية لموظة اخذت حيزا محسوسا في الغرب والشرق على حد سواء، وكذلك لم يرشدنا الى ميزات التجربة العراقية بالمقارنة بغيرها من التجارب نظرا لطبيعة الظرف العراقي الخاص دوما .اعتقد ان العراق كان ولايزال يمتلك انسب الظروف لازدهار مثل هذا الفن خصوصا اذا اخذ بالاعتبار سياسة الانظمة البوليسية التي تعاقبت على العراق والتي مشطت بدقة المواهب ومناطق الابداع مع كثرة حقول المحرمات والممنوعات ، اضف الى هذا الشبق الذي اظهرته مؤسسات الخطاب المكتوب والمسموع لمساحقة السلطة السياسية والمالية ، الامر الذي جعل منها جزءا فاعلا من تراكمات المشكلة العامة للمعطى الثقافي السائد .على الرغم من عدم استثمار هذا النمط الفني للالتفاف على محللي شفرة الخطاب الثقافي في العراق ايام حكم ابن العوجة – ربما بسبب عدم الالتفات الى اهميته وقتذاك – الا انه استخدم في مناطق عديدة من العالم مثل اوربا الشرقية للقفز على آليات الخطاب البائتة التي لم تعد تعتمل لدى متلقي هذا الخطاب في ظل المنظومة الشيوعية المتفردة بالسلطة والاقتصاد .السؤال المهم هو هل يتمكن منتجوا المسرح الصامت ان يوصلوا فكرة كاملة كما لو انهم استخدموا حوارا رصينا ومدروسا، في اعتقادي ان من غير الممكن ان تحل لغة الاشارات والرموز محل الخطاب والحوار المنطوق او المكتوب، بيد انه حل مناسب لكثير من حالات الاخفاق في التعامل مع الممنوع او مع حالة الفشل الملازم للمثقف العراقي في استثمار اليات لعبة الاستقطاب، وكمثال على ذلك وبعد سقوط النظام وغياب الممنوع وانتفاء الرقيب امام وسائل الاعلام المختلفة اتجه قسم كبير منها الى اسلوب التهريج وثقافة السرك بدل محاولة انتاج خطاب رقابي ناقد له قدرة تحريك الشارع اليائس .على اية حال ان التحول في اداء النص من مرحلة الكتابة التي يمارسها مؤلف المسرح الصامت الى لغة الاشارات المرمزة في مرحلة الاداء هي مفارقة لابد من التوقف عندها ، فهذا الانتقال الى لغة الاشارة لايمكن ان يكون قسريا او مزاجيا، وكذلك ل ايمكن للكاتب او للممثلين في المسرح الصامت ان يعتبروا انفسهم انهم امام مجموعة من الصم والبكم وان لا طريق امامهم لاجل ايصال فكرتهم الا بهذا الاسلوب المرمز .على العكس فكاتب او منتج النص الصامت هو في موقف غير مريح لان المشاهد حضر اصلا في محاولة منه لاراحة اذنيه وليتعرف على مساؤئ واقعه العام المعاش ومشاكل الثقافة والمثقف على حد سواء مما لا يمكن التفوه به في وقته الحالي .في الجانب الذي اشجع كل مامن شانه تطوير هذا النمط الفني اتمنى على اكاديميات الفنون لدينا اعادة اداء فكرة العرض الياباني حيث اسقط اولئك المغمورون صنم بغداد بعد ان سخروا منه في قاعة ننماخ قبل سقوطه في ساحة الفردوس بردح طويل .