الخلاصة:

هل المسرحيات الصوامت... بانتومايم؟

صباح الانباري

 

   لعل من المفيد بحثياً التطرق إلى معنى التسميتين (المسرحيات الصوامت، والبانتومايم) وأصولهما اللغوية والتاريخية قبل البدء في بيان الاختلافات والمقاربات واشكاليات المعنى والتقنيات. وقد سبق لنا التطرق لهذا المصطلح، وذكرنا في معرض بحثنا عن تجنيسه الأدبي أنه بني على مفردتين اغريقيتين: (Panto) وتعني كلّ شيء، و(mime) وتعني أقلّد أو أحاكي ومن اتحاد المفردتين نتج المعنى العام المطلوب وظيفياً (أقلّد أو أحاكي كلّ شيء). حيث يشير الفعل (أقلّد/ أحاكي) إلى عملية التمثيل المبنية على أساس المحاكاة والتقليد. ثمة استخدام آخر لهذا المصطلح بغير المعنى الذي درجنا عليه. ففي استراليا على سبيل المثال يشير هذا المصطلح إلى نوع من المسرحيات التي تكتب للأطفال فقط، وهي مسرحيات حوارية لا تمت، من بعيد ولا من قريب، إلى التمثيل الصامت بأي صلة. 

تاريخياً يمكننا إرجاع بذرته الأولى إلى رقصات (الساتيرSateer) الطقوسية كما مرَّ بنا- لاعتمادها على الحركات والاشارات والتشكيلات التعبيرية التي عن طريقها تقدم فرائض الطاعة والحب والولاء والقداسة لتمثال الإله ديونيسيوس الذي كان يوضع عادة في مقدمة المسرح، وليس ثمة نصوص مدوَّنة يمكن عدّها مرجعاً بانتومايمياً لتاريخه الطويل. وما جاءنا من أخباره على ألسنة المدونين والمتابعين وكتاب التاريخ المسرحي لم تشرْ إلى وجود مثل هذه النصوص وفقط كانت تشير إلى العروض وإلى القائمين بتلك العروض.

تاريخ البانتومايم إذن هو تاريخ العروض لا النصوص، فالبانتومايم لا يحتاج لنص مكتوب ينطلق منه الممثل لتجسيد دوره الصامت الذي يقدم فيه مجموعة أو منظومة من الحركات، والإشارات، والايماءات التي تفضي إلى تجسيد موقف هزلي أو جادٍ لأفراد يتَّسمون بالقبح أو الجمال، وإن وجدت، وهذا احتمال ضعيف، فلا تعدو كونها تثبيتاً للتوجيهات السيناريوهاتية البعيدة عن التوصيف الأدبي المقروء.

ومن الضرورة هنا الإشارة إلى أن بعضاً من النقّاد حاولوا الفصل بين البانتومايم والمايم فجعلوا من الأول أكثر عمقاً في تناول المادة الحياتية المقلَّدة من الثاني الذي اتسم بالسطحية شكلاً ومضموناً. واقتصر بعضهم على جعل المايم تمثيلاً صامتاً ضمن مسرحية صائتة حسب، والبانتومايم تمثيلاً صامتاً في مسرحية صامتة من ألفها إلى يائها.

أما القفزة النوعية التي أخرجته من حيز العرض المباشر للمواقف الهزلية أو الجادة فقد تركزت فحواها على تقديم فكرة ما بدلاً من تقليد شخصية أو موقف ما، وهذا ما قام به فنانو البانتومايم المحدثون أمثال جان لويس بارو (Jean-Louis Barrault)، ومارسيل مارسو ( Marcel Marceau ) وغيرهما.

باختصار شديد يمكن القول أن البانتومايم هو فن الأداء الصامت الذي اشتغل على الحركة والإشارة والايماءة لتقليد شخصية ما، أو محاكاة موقف ما مأخوذ من مادة الحياة، معتمداً في ذلك على المهارات الأدائية الفردية حسب.

لقد خرج بضعة أنفار من المشتغلين في المسرح عن قاعدة الممثل الصامت الواحد، وقدَّموا عروضاً صامتة بممثلين أو ثلاثة أو يزيد على هذا قليلاً. وقد حُسِبت لهم هذه الإضافة المثمرة لكنَّهم بعد محاولة واحدة، في الغالب، هجروه دون رجعة. لقد كان لهذه الإضافة أثرها الفعال في دفعي ككاتب مسرحي صامت إلى الاشتغال على تيّار مسرحي صامت معاكس لقواعد وقوانين البانتومايم بشكل عام. وقد فرض عليَّ هذا الاشتغال الجديد اعتماد مصطلح جديد يتلاءم وجوهر النصوص المسرحية الجديدة شكلاً ومضموناً فكانت (المسرحيات الصوامت).

لم تأتِ تسمية (المسرحيات الصوامت) جِزافاً، أو رغبة في تغييرِ ما اصْطَلَحَ عليه تاريخُ المسرح  بالبانتومايم، فهي تحتاج إلى مكيال يزنها، وأسس تستند عليها وتحقق غرضها، وعلى هذه الأسس وتلك بنيتُ مفردات تصوري للتسمية الجديدة التي أدخلت المسرحيات الصوامت إلى حيّز الأدب المسرحي المقروء. وإنْ كان ثمة سابقة لهذه المسرحيات فإنها تتمثل في هيئة نص يتيم مكتوب بطريقة شبه سيناريوهاتية (فصل بلا كلمات) Act Without Worldsعلى يد الكاتب المسرحي الكبير صموئيل بيكت  Samuel Beckett وقد تناولت هذا النص بالنقد والتحليل في معرض دراستي لمسألة التجنيس الأدبي للبانتومايم.

لم يشهد تاريخ المسرح الصامت كتابة نص مسرحي صامت منذ يتيمة بيكت وإلى عام 1994 وهو العام الذي نشرتُ خلاله أول نصوصي المسرحية الصامتة في جريدة الثورة العراقية تحت عنوان (طقوس صامتة)(34) إذا استثنينا بعض المحاولات الفردية القليلة والمتواضعة التي ظلَّت أسيرة القالب الحديدي للبانتومايم، فما هو الاختلاف بين ما نشرتُ من المسرحيات الصوامت وبين البانتومايم؟

يتجسد الاختلاف عندي في جملة الأسس التي اشتغلت عليها واعتمدتها في كلّ صوامتي الريادية الجديدة:

        إنَّ أول تلك الأسس هو الاشتغال على التشكيل الذي يعتمد الصورة المجسدة بفعل قائم على الحركة التي ترسمه في الفضاء التخيلي، والتي  تتأسس بدورها على الرغبة أو الهدف الذي يبررها ويمنطقها؛ وبتقاربها، وتعاقبها، وتساوقها، وتداخلها مع غيرها من الصور يتشكل المعنى العام في هيئة نص مدوَّن على الورق دون الحاجة إلى الخطاب المكتوب، أو عرض قائم على الخشبة دون الحاجة إلى الكلام المنطوق.

في النص الصامت لا نجد إلا مجموعة محدودة من الصور هي في الغالب صور مكررة لمهارات تقليدية، فعلى سبيل المثال لا الحصر عندما يقوم الممثل بدور الخياط الذي يفصّل بدلة ويخيطها بالإبرة والخيط فانه يصبُّ مهاراته في هذا الدور مجسّداً إياه بعدد محدد من الصور التي لا تتجاور ولا تتشابك أو تترى مع صور أخرى غيرها، وهي نفس المهارات التي يستخدمها ممثل آخر في أداء الدور نفسه. وهكذا هو الحال في تقليد أي شخصية ينتقيها ممثل البانتومايم.

        وثاني تلك الأسس هو تضمنها على قصة أو حكاية مأخوذة من التراث الإنساني أو الواقع المعيش أو المبتكر، ومستفادة من العناصر الدرامية في تكنيكها (البناء والاسلوب)، والمزاوجة الدقيقة بين القصة كأدب والمسرحية كفن، أو من تناص مقصود مع الأنواع الأدبية الأخرى.

في البانتومايم لا توجد قصة بحبكة معلومة وإن وجدت فإنها لا تتخطى حدود الشخصية أو الموقف المزمع تقديمهما على خشبة المسرح. لقد نجح البانتومايم في تقديم فكرة صغيرة كسرقة المال الذي نتيجته دخول السجن فهل كانت هذه الفكرة قصةً أو حكايةً لمسرحية صامتة؟ إنها في اعتقادي ثيمة بانتومايمية صغيرة لبناء مسرحية صامتة متكاملة. البانتومايم إذن مشهد صامت قصير يؤدى أمام جمهور النظّارة لإيصال فكرة محدودة ومحددة بشخصية أو بموقف من تلك التي تلتقط من حياتنا اليومية. 

        الاعتماد على خطة اخراجية مرنة ممكنة التنفيذ على الورق وخشبة المسرح في آن واحد، ولهذا ألزمْنا كاتبَ النص المسرحي الصامت أن يكون على دراية كافية بقواعد الإخراج المسرحي ومدارسه بشكل عام على الأقل بينما لا يحتاج البانتومايم سوى خبرة الممثل الذي يقوم بالتحضير لعملية الاخراج والتمثيل والديكور إن وجد. وفي أحسن الاحوال فانه يعتمد على كتابة بعض الموجهات السيناريوهاتية البسيطة لتكون بمثابة ذاكرة استرجاعية لما سيقوم به لاحقاً على الخشبة.

        أن تكون الخطة الإخراجية التي تبنى عليها كتابة المسرحية الصامتة منفتحة على رؤى مختلفةٍ وعلى آفاقٍ واسعةٍ تتيح للمخرجين العمل عليها كلّ حسب رؤيته وتصوره للنص المدوّن. إن الرجوع إلى أيّ نص من نصوص المجاميع السابقة (35) التي أصدرتها يوهم القارئَ العضويَّ أنه لا يحتاج إلى أن يكبّدَ المخرجُ نفسه مشقة الاخراج، فهو نصٌ مخرجٌ على الورق أصلاً، وهذا هو ما وقع في منزلقه بعض النقاد الذين ظنّوا بالنص الصامت الجديد تلك الظنون في الوقت الذي قدّم فيه مخرجون آخرون رؤيتهم الخاصة المبنية، على رؤية النص تحديداً لا حصراً.

        اخذ موضوعة اللغة بعين الاعتبار لأهميتها القصوى في توصيف الفعل. فالمسرحية الصامتة في حقيقتها تستند على ذلك التوصيف الذي يمكّنها من اجتراح الأفكار بسهولة أو صعوبة حسب قدرة الكاتب على التوصيف. الكاتب في المسرحية الصامتة يفهم عالمية اللغة التي يكتب بها، والتي لا تحتاج على الاطلاق إلى ترجمة أو نقل من لغة إلى أخرى ذلك لاستنادها على لغة الجسد (الحركة والإشارة والإيماءة) حسب. رب قائل يدعي إن المخرج لن يحتاج إلى اللغة التي أشرنا إليها وهذا أمر صائب بالتأكيد إذا أخذ المخرج بنظر اعتباره أن نصه كتب ليمثل على خشبة المسرح فقط. وهذا مغاير لما أكدناه في تناولنا للمسرحية الصامتة تحديداً على ضرورة جعلها قابلة للقراءة الأدبية على الورق، والمشاهدة المباشرة على الخشبة وهذا هو جوهر الفرق بين هذه الأصول الثلاثة. وهو الفرق الجوهري تحديداً بين المسرحية الصامتة التي بدأنا بكتابتها منذ عام 1994 (36) وبين البانتوميم وحرصنا على أن تعتمد مسرحياتنا الصامتة في لغتها على الجملة الفعلية لا الاسمية في كلّ توصيفاتها الأدبية ذلك لأن المسرح أي مسرح يبنى على أساس الفعل الذي هو جوهر الحركة الدراماتيكية.

        تقليدياً تقع المسرحية الصائتة أو المسرحية الحوارية في عدد من المشاهد المسرحية خلافاً للبانتومايم الذي يعرض مادته عادة بمشهد واحد قصير نسبياً. وثمة مشاهد صارت لها تسمية محلية كالمشهد الفرنسي والمشهد الانكليزي. أما المسرحية الصامتة فأنها تقع في عدد من المشاهد الصامتة المختلفة عن المشاهد الصائتة من حيث الشكل والمساحة؛ ونظراً لخصوصيتها أطلقنا على كلّ مشهد من مشاهدها تسمية الـ(مُصْمَت) وهي صفة لموصوف كما جاء في لسان العرب مثل: رجلٌ مصمتٌ لوصف الرجل الذي اعتقل لسانه والمصمتة هي الساكتة التي لا تتكلم.

المصمت إذن هو جزء لا يتجزأ من بنيان المسرحية الصامتة ككل، وهو الحاوية الفعالة لكم الصور الدراماتيكية التي تشكل معنى لا يكتمل الا بما يسبقه أو يلحقه من الأجزاء الأخرى. وقد تأتي الصامتة بمصمت واحد أحياناً حسب مقتضى الموضوعة التي تتناولها المسرحية الصامتة.

وكما أنَّ للمسرحية الصائتة شخوصها الذين يحدد اسماءَهم وهويتَهم المؤلفُ المسرحي قبل بداية النص فإن للمسرحية الصامتة شخوصها أيضاً. وبما أنهم يتصفون بالصمت لغة طيّعة في التعبير عما يعتور نفوسهم، وبما أن الأفعال الدراماتيكية الصامتة هي أساس تلك اللغة لذا رأينا أن من الضرورة بمكان أن نطلق عليهم تسمية (الصامتون) بدلا من الشخوص أو الشخصيات التي اعتدنا أن نتبيّن هوياتهم في بداية أية مسرحية صائتة. وبهذا نكون قد منحنا المسرحية الصامتة الجديدة هويتها الخاصة المستقلة والمختلفة عن مسرحيات البانتومايم المعروفة من لدن جمهرة القراء والنقاد والمتابعين لكل جديد في الحركة المسرحية العالمية.

استراليا 2016