الممثل وجماليات التعبير الجسدي

د. أبو الحسن سلام


* هل صحيح أن "الألفاظ أجساد والمعاني أرواح" كما قال ( العتابى) في ظنّي أنها عبارة صحيحة ، لأن الألفاظ عبارة عن كلمات تم أداؤها ؛ وهي بذلك قد أصبحت أفعالا وردود أفعال ؛ أي حركة صوتية معبرة عن معنى أو دلالة. وتلك العبارة نفسها أكثر التصاقا بفن الممثل . ولأن فن الممثل يحلّق بالشخصية الدرامية في آفاق الإبداع تجسيدا أو تشخيصا بجناحين هما: ( الكلمة والحركة) ويمكننا القول على ضوء ما تقدم إن الحركة هي المعادل المرئي للّفظ حالة غياب الكلمة ؛ بوصفها بديلا عن ذلك الغياب ؛ في الإفصاح عن دلالة ما ، عندما تنبع عن باعث ذاتي ، وإن التحريك هو المعادل المرئي للفظ ، حالة غياب الكلمة ، بوصفها بديلا عن غياب الكلمة في الإفصاح عن دلالة ما ؛ عندما ينبع عن باعث خارج عن إرادة الشخصية الدرامية. 

على أن تجسيد الممثل لحركة الشخصية الدرامية النامية ، ذات الأبعاد الجسمية ،الاجتماعية ،النفسية تجسيدا واقعيا هو أقرب إلى منهج التفكير المثالي بينما يذهب تشخيص الممثل لحركة الشخصية النمطية التي ترتكز على البعد الاجتماعي وحده في اتجاه التفكير المادي ، وهنا يختلف إطار التعبير التمثيلي مابين شخصية درامية نامية وأخرى نمطية ، لأن الأولى شخصية حية من لحم ودم ، أما الثانية فهي نموذج أو رمز لصفة اجتماعية :

مفهوم الحركة :


هي الاتجاه مع قانون الحيز الزماني المكاني أو ضده، وهي ظاهر الطاقة ونتاج تفاعل علاقتها بالحيز المكاني والزماني ، إذ لا وجود لحركة خارج إطار المكان والزمان. وهي مقاومة شيء ما للجاذبية الكونية آنا ومسايرتها أحيانا ، مصحوبة بظاهرتين متلازمتين معها وهما ظاهرة السكون وظاهرة الثبات ، وتشكل ثلاثتها منظومة التناقض في وحدة واحدة مصدرها الطاقة الكامنة في الأشياء .


مفهوم السكون:


هو حالة ظهور الشيء ثابتا على عكس حقيقته . وهو الطاقة الداخلية المختزنة بداخل الشيء نفسه، بحيث لا يحتاج لقوة خارجية لدفعه أو تحريكه. و لربما عبّر قول لبريخت - في غير هذا الموضع -عن مفهوم السكون حيث قال: " إذا لم تر قمم الأشجار أو أشرعة السفن تتحرك ؛ فليس معنى ذلك أن الريّاح غير موجودة" 

 

مفهوم الثبات:

هو مطابقة ظاهر الشيء لباطنه. وهي حالة الشيء الذي يحتاج إلى قوة خارجية لتحركه تغير حالته الظاهرية والداخلية لافتقاده لتلك الطاقة الدافعة.


مفهوم الحركة عند المثاليين :

الحركة في الفكر المثالي ، تجسيد تكراري مرئي قائم على عملية استبدال باعث داخلي ذاتي بباعث خارجي ، بمعنى أن لكل حركة دافعها المنطقي من جهة نظر الشخصية بوصفها ذاتا يشف مظهرها الخارجي عن هوية غير قابلة للذوبان في هوية الآخرين ؛ بينما هي في حقيقتها تفعل ما تفعل بدفع من خارجها ، قد يكون غيبيا ، كما هو حال الشخصية التراجيدية في المسرح الإغريقي ( أوديبوس هيبوليتوس فيدر ميديا أجاممنون الكترا ) أو يكون الدافع بشريا( مسرح عصر النهضة: عطيل يحركه ويتلاعب بمصيره ياجو ، وهو نفسه يتلاعب بمصير ديدمونه ، وكذلك يتلاعب ياجو بمصير ردريجو ويحركه كما تحرك أصابع اليد دمية. والأمر نفسه في حالة مكبث الذي تحركه الساحرات ، وتحركه زوجته أو الملك لير الذي تحركه بنته جونريل وبنته ريجان ) فذاتية الدوافع في حركة الجسد ، مدفوعة بباعث من خارج الشخصية في كلا الحالتين الغيبية والبشرية ؛ إذ يتحول الدافع الخارجي إلى دافع ذاتي منتج لمظهر الحركة في تعبير الممثل عن الشخصية ، كعملية إزاحة للباعث الخارجي وإحلال للباعث الداخلي عبر معايشة الممثل نفسه. فهي دائرية أسلوب محققة لنمطية الصفة الذاتية للشخصية، لذلا فمن الطبيعي أن يبدأ عطيل غيورا من بداية الحدث الدرامي حتى نهايته، فالغيرة صفة غريزية فيه ، وما كان لياجو دور إلاّ كدور عود ثقاب ، كذلك الأمر نفسه بالنسبة للساحرات مع مكبث.

 

مفهوم الحركة عند الماديين:

تتخذ الحركة من جهة نظر أصحاب الفكر المادي إطارا قائما على تراكمات في كلية أو وحدة تجمع بين الفعل والفعل المضاد له وصولا إلى موقف عملي مغاير لما هو مألوف ، باعتبار مدفوعا ببواعث منطقية ، مع أنها في حقيقتها بواعث غير منطقية ، وهذا هو محور الأداء في المسرح الملحمي ، فالحركة جدلية، على نحو تحريك (السيد بونتيلا) لتابعه( ماتي) وتحريك التاجر للأجير في( القاعدة والاستثناء) وتحريك (علي جناح التبريزي) لتابعه( قفه) فالدافع من حيث مظهره خارج عن ذات الشخصية ، لا بوصفها ذاتا من لحم ودم ، ولكن باعتبارها نموذجا لصفة اجتماعية ، تمثيل لطبقة اجتماعية بعينها ، فالممثل في هذه الحالة إذ يشخص الدور يستبدل الدافع الاجتماعي للشخصية التاريخية أو التراثية التي يعيد إنتاجها أو تصويرها أمام الجمهور، بمثيل له من عصره ، بعد أن يزيح دافعها التاريخي أو التراثي ويحل مكانه دافعا عصريا من مجتمعه . وهنا يعكس وجهة النظر الطبقية المعاصرة ، ليكشف أمام جمهوره عن تناقضات الصفة الاجتماعية التي تحملها الشخصية التي يعيد تصويرها، وهذا ما عناه بريخت بمفهوم ( التأرخة) وهو ما يعرف على المستوى الفكر السياسي المادي بالجدل المادي التاريخي . لذلك ترتكز الجمالية في أداء الممثل الملحمي على ثنائية الجمال والقبح أو الروعة والتشويه حسب بريخت فلا جميل إلاّ وهو توأم للقبيح ، من هنا فلا صحة للحكم على موقف ما أو فعل ما خارج إطار النظر الموضوعي لعلاقة الشيء وضده في وحدة الموقف أو تلك الصورة، فكل انكسار لطرف أو انتصار لطرف في صراع ما يؤدي إلى تطور أسلوب أداء الشخصية


جسد الممثل والأعراف الاجتماعية

- دراسة في مناهج التمثيل المعاصرة

هل صحيح أننا (عندما نرفض التحدث فإن الجسد يتولىّ مسألة التعبير ) ؟ 
شغل عدد غير قليل من المفكرين ومن كبار مخرجي المسرح العالميين (منظرّي فن التمثيل ) بدءا من الفيلسوف الفرنسي ( دينيس ديدرو) بجسد الممثل بوصفه الموضوع الرئيسي في العرض المسرحي ؛ فمنهم من رأي الجسد أن ذاته هو الموضوع الرئيسي في العرض المسرحي ، ومنهم من رأي أن الجسد ذاته هو الموضوع الذي تبدو فيه أعمال الشفرات الأيديولوجية الخادعة والصعبة علي التحليل ، ومنهم من رأي الجسد وسيلة أداء للعرض ، ومنهم من رأي دور الجسد في العرض مقصورا علي تصوير الجسد نفسه.

وفي حين يري ( ستانسلافسكى) الذي يعد أول من نظم الخضوع الجسدي للعقل في فن الممثل ( أن جسد الممثل هو جسد الشخصية التي يمثلها ، وأن وظيفة العقل هي قدرته علي إقناع طبيعة الممثل الحسية بحقيقة ما يؤديه ذلك الممثل علي المسرح .) فإن ( آدولف آبيا) مؤسس الاتجاه المضاد لنظام ستانسلافسكي القائم علي قيادة المشاعر للفعل التمثيلي ، فقد اتفق رأيه مع رأي ( جاك كوبو) علي أن الممثل مطالب بالوصول إلي حالة حياد يتخلى فيها عن شخصيته الحقيقية ؛ لكي يتيح للجسد أن يتحدث بلغته الأصلية وإن كنت أري أنهما في هذا الرأي لم يختلفا مع ستانسلافسكي علي النحو الذي رأيناه عند (مايرهولد) لأن رأيهما عن (حديث الجسد بلغته الأصلية) معناه أن يكون تعبيره التمثيلي مناظرا لتعبيره في الحياة الطبيعية المعيشة استنساخا استعاريا من الأصل؛ ومن المعلوم أن منهج ستانسلافسكي قائم علي المصداقية بالتركيز علي توحد الصفة الداخلية مع الصفة الخارجية للشخصية في أداء الممثل للدور المسرحي ؛ فهو يحاول إحلال صوت الشخصية محل صوته وإحلال حركتها الجسدية محل حركته منتفعا من تحليله لعلاقاتها ودوافعها في الحدث الدرامي مستعينا بالتغذية المعرفية والتخيلية والانفعالية الراجعة- .

فليس بمستغرب والأمر كذلك أن نري كل من آبيا وستانسلافسكي متفقين علي (أن الجسد هو الحكم علي حقيقة الفعل المسرحي ) كما أنهما متفقان أيضا علي أن وظيفة المسرح النفسية هي جعل الممثل يذوب في جسد الشخصية التي يؤديها . وقريب من ذلك رأي (جروتوفسكى) حيث هدف مسرحه البديل هو ( جعل الجسد يحترق ويختفي في لمحة بارقة من الإدراك المادي الخالص .)كذلك يتفق كل من (آبيا وكوبو وجروتوفسكي ) علي تجريد الجسد من الأقنعة الاجتماعية ؛ لكي يدخل في صورة عالمية غير شعورية وتلك نقطة يتعارضون فيها مع نظام ستانسلافسكي الذي تأسس علي استباق الشعور لرد الفعل غير الإدراكى ؛ ذلك علي نقيض نظرية( البيو ميكانيك: الحيوية الآلية) عند ( مايرهولد) حيث يستبق رد الفعل اللاإدراكي الشعور الذي يصبح بمثابة رد فعل لذلك الفعل اللاإدراكي - وهو الأمر الذي أخذ به ستانسلافسكي نفسه بعد ذلك ؛ حيث طلع علينا بنظرية (الحركات الطبيعية) أو الغريزية ؛ التي بني عليه( مايرهولد) من قبله نظريته حول( المسرح الشرطي) المستظل بنظرية (الارتباط الشرطي ) ل ( بافلوف) وللنظرية ( البراجماتية : النفعية) لوليم جيمس (1915 ) وجون ديوي ، حيث اعتمادها علي تيار الشعور التصل.

وإذا كان وضع الجسد في مسرح (أوجستو بوال) نقيضا لوضعه عند (جروتوفسكي) باعتباره عند الأول جسدا فكريا في مقابل الجسد الروحاني عن الثاني ؛ فإن ممثل ( جروتوفسكي ) ممثل أنثروبولوجي ؛ بينما ممثل (بوال) ممثل حداثي ؛ تشخيصه للأفعال تشخيصا متشظيا ومتداخلا ومنقسما داخل ذاته ، غير قادر علي الهروب من أفكاره . وهو مدرك لذلك كله في تنقله بين أقنعة فكرية متعددة . فلا شيء مطلق عند ممثل (بوال) في الوقت الذي يقدم فيه جروتوفسكي جسد الممثل علي أنه حضور مطلق ، ناف للتباين ؛ اعتمادا علي الرموز والأصوات غير اللفظية ؛ بهدف التمثيل من أجل الذات .. فموضوع الأداء استحضار لذات الممثل ؛ بنقش ذاته في لغته ؛ ونقش لغته في ذاته . ذلك أن ذات الممثل تستحضر موضوع الأداء كما يستحضرها؛ فكلاهما حالة ذهنية متوحدة ولا انفصال لأي منهما ( الذات /الموضوع المستحضر) وهذا قريب من مفهوم (الميتا- ذات) الذي تصدينا لنقده في مقال سابق بجريدة( مسرحنا المصرية)-
وعند (بوال) فيما يعرف بالأداء التحوّلي يقوم الممثل بالتقافز من أسلوب إلي أسلوب آخر ومن دور إلي دور آخر. وهنا يتعدد إنتاج المعاني ويتسع أفق المعني الواحد..لأن الأداء انفتاح علي المعني الواحد وفق الحداثية- كما أنه أحيانا- يكون إرجاء للمعني النهائي وفق التفكيكية- بالتركيز علي نقض خطاب الأداء وهدم أنساقه جسدا وقولا لفظيا وعلاقات علي نحو ما توجه إليه نظرية التغريب الملحمي في النص وفي العرض بكل معطياته استنادا علي التجاور لا التقافز الذي هو ركن من أركان العرض عند (بوال) - إذ أن (بريخت) يلزم الممثل بحجب حضوره جزئيا- عن الشخصية التي يؤديها ؛ حتى يكشف لجمهور عصره عن حكمه النقدي علي الشخصية التي يمثلها ، حاضا لهم علي التفكر في طريقة معاصرة للحكم علي تلك الشخصية من منطلق الصفة الاجتماعية التي تمثلها بوصفها نائبة عن طبقة اجتماعية ما . وهو نقيض بالطبع لحالة الحضور النفسي لأداء الممثل للشخصية علي نحو ما اصطلح عند ستانسلافسكي اعتمادا علي الصفتين الداخلية والخارجية للشخصية وفق دوافعها الذاتية المستعادة عبر عملية التغذية الانفعالية الراجعة أو التغذية الغريزية (الحركات الطبيعية) باعتبار أن هناك صور لم يسبق للممثل أو الممثلة ممارستها أو اختزانها في الذاكرة الانفعالية كموضوع ( الاغتصاب) أو موضوع (إرضاع الوليد) مثلا وهنا نري فتاة تهرول لتحتضن مولودا غابت أمه عنه وتضمه إلي صدرها بحنان يحيل بكاء المولود إلي هدوء واطمئنان ؛ فما كان حنانها وانحناؤها علي الطفل إلا حركة طبيعية غريزية ؛ حركت في داخله غريزة الأمومة . وهذا هو الذي توصل إليه ستانسلافسكي مؤخرا بعد نجاح نظرية تلميذه مايرهولد حول ( الآلية الحيوية) 

وإذا كان للجسد حظوة قديمة في فكر الفلاسفة القدماء علي نحو ما كان عند (دينيس ديدرو) الذي رأي يصنف التعبير التمثيلي في مستويات:

* تعبير العقل عن الجسد يكون بالكلام المحدد( والمقصود هو الحوار المحدد والمعبر عن جوهر ما تريد كل شخصية وجوهر ما تشعر- كل علي حدة- سواء تحقق التعبير محمولا علي صوت واحد: ( مونولوج مناجاة جانبية ديالوج تريالوج - جوقة)
تعبير الجسد عن العقل يكون بالحركة المعينة.

(والمقصود هو الحركة النابعة من باعث ذاتي نابع من جوهر إرادة الشخصية وجوهر شعورها . فضلا عن التحريك المعتمد علي باعث خارج عن ذات الشخصية؛ وكلا التعبيرين هما عمل الجسد وحده التعبير الحركي وقد يتجلى في ديالوج أو مونولوج أو مناجاة أو جانبية أو في جوقة.

تعبير الذات عن الذات يكون بالكلام المشعور وبالحركة أو بهما معا . وهو مقصور علي ( المونولوج : علي نحو مونولوج" هاملت أو مكبث أو سليمان الحلبي أو الزير سالم" ) 

أو مقصور علي( المناجاة : كمناجاة "الحسين " علي قبر النبي ف] مسرحية (الحسين ثائرا وشهيدا) لعبد الرحمن الشرقاوي أو مناجاة "روميو أو مناجاة جولييت في الشرفة أو (كليوباترا) علي فراش نزعها الأخير أو( قيس علي قبر ليلي) في مسرحيتي (أحمد شوقي) أو (الحلاج) في بوحه أمام قضاته أو أمام العامة في سوق( الكرخ) ببغداد في مسرحية( صلاح عبد الصبور)

أو مقصورا علي الجانبية) علي نحو ما نجد في تراجيديات شكسبير أو أعمال( موليير) الكوميدية أو عند الفريد فرج في (علي جناح التبريزي وتابعه قفه) أو مسرحيته ( حلاق بغداد) .

نقول إذا كان للجسد حظوة قديمة عند المفكرين علي نحو ما رأينا عند (ديدرو) فإن فيلسوف الوجودية (سارتر) وفيلسوف التفكيك المعاصر (جاك دريدا) وكذلك (ميشيل فوكوه ورولان بارت) لكل منهم رأيا في مفهوم الجسد . فهذا (دريدا) يري (أن التباين هو الذي يشكل الجسد) وليس المقصود بالتباين هنا هو اختلاف الفعل مابين أنا وأنا أخري مغاير فحسب؛ بل اختلاف الفعل مابين الأنا أو الذات الواحدة حيث يكون للفعل الواحد الصادر عن الذات الواحدة ظاهر وباطن ( مسكوتا عنه) إذ يكون الظاهر غير مقصود ويكون الباطن المسكوت عنه هو المقصود المتواري: وذلك بفضل أسلوب ( التورية) .أما (هربرت بلاو) فيقول :"إن نظرية الأداء الطليعي تميل نحو تحرير الجسد، وتتحدي السيطرة الاجتماعية والسياسية ، ومع ذلك فقد فشلت في تصور الجسد كنتاج عقلي ." كما يرس أننا " عندما نرفض التحدث فإن الجسد يتولىّ مسالة التعبير" 
أما (فوكوه) فيري" أن جزءا من وظيفة علم الاجتماع هو تدريب الجسد وجعله قابلا للمعالجة ، وقد استطاعت نظرية العرض تحرير الجسد عن ماديته وإخضاعه لمبادئ النص سواء أكان دراميا أم بدائيا " وفي ظنّي أن قصده بالنص البدائي كل ما يتعلق بالفعل الأنثروبولوجي : (فلوكلوريا كان أم عقيديا).كما في الموالد الشعبية وتطوح المتدروشين في الأذكار وحفلات ( السبوع والطهور وما شابه ذلك في عادات الشعوب البدائية أو التي امتزجت في ثقافاتها رسوبيات الماضوية مع مستجدات المعاصرة والحداثة .) وهو كثير في مسرحنا العربي (رجال الله التي أخرجها عبد الغفار عودة أمام ساحة مسجد أبي العباس المرسي بالإسكندرية عام 1987 أو ( بردة البوصيري) التي أخرجها كرم مطاوع بكبار نجوم مصر أمام مسجد (البوصيري) في حضور الرئيس( السادات) قبل ذلك بسنوات . وأمثلة ذلك وافرة في عروض المسرح الاحتفالي وفي نصوص (نجيب سرور) (ياسين وبهية- آه ياليل ياقمر- قولوا لعين الشمس منين أجيب ناس).

وهذا النحو من قابلية الجسد للتماهي مع معالجة علم الاجتماع التي تخضعه للنص الدرامي أو النص البدائي قد تسببت في فشله علي نحو ما جاء عند ( جاللا عرولاكيو1987: 7) من أن " فشل جروتوفسكي وواضعي نظرية الأداء الحديث في إدراك أن الجسد محاط بمجموعة من الأعراف الاجتماعية ، لأنهم اعتبروا هذه الأعراف غشاء مظلما علي الجسد . ويرونه مفهوما اجتماعيا غير مميز وغير واضح المعالم ، ولذلك فهو مفهوم محايد وآمن ." وإذا كان الفيلسوف الفرنسي: ديدرو في كتابه :(تعارضا كوميديا القرن)( 1773) قد ربط الأداء التمثيلي بمصطلحات الأفكار الحديثة المنطقية للقرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر؛ فإن الممثل مطالب في نظريات الأداء التقليدية النفسية- بالنظر إلي تاريخ الجسد المؤدي ، باعتباره جزءا من تاريخ الجسد نفسه ، حتى يمكن إدراك الجسد ، ومن ثمّ تمثيله بشكل مختلف في مختلف العصور ، مع نشأته في بيئات ثقافية مختلفة ، وتشكله تبعا لإيقاعات الإنتاج والاستهلاك والألم والمتعة بتعبير عرولاكيور - .

 

الجسد في مسرح العبث:

يعبر الجسد في الأداء العبثي عن الأفكار المنطقية التي تنتج خلال الأداء الذي يعتبر الجسد بناء تاريخيا وثقافيا ويؤكد ماديته ، لذلك فإن اختلافات الفنان العبثي عن الفنان الطليعي اختلافات معرفية وليست اختلافات تاريخية .. فالفنان العبثي يؤمن بالأعراف المحددة للصورة الثقافية لبلده ويلتزم بها ( فعبث كامي مغاير لعبث بنتر المغاير لعبث بيكيت الذي هو غير عبث يونيسكو الذي يغاير عبث أداموف في مغايرته لعبث آرابال ؛ مع أنهم أوروبيون ويعيشون في عصر واحد في مجتمع باريسي باستثناء آرابال ) كما أن عبث( إدوارد ألبي) مغاير لعبث كل من هؤلاء وعبث (توفيق الحكيم ) عبث منابعه الثقافة الشعبية المصرية وكذلك عبث (محمد سلماوي) عبث يعكس الثقافة البيروقراطية لمجتمع الستينيات في مصر.

أما الفنان الطليعي فيؤمن بأن الأعراف الفكرية والثقافية يمكن تجاوزها أو إلغاؤها . وبذلك يعد المسرح الملحمي مسرحا طليعيا .

عن الحوار المتمدن-العدد: 3156 - 2010 / 10 / 16