هكذا قرأت رسالة الراحل الكبير ثامر مطر

صباح الأنباري

رسالة حب واعتذار

عنونة حاول الكاتبُ فيها تحديد هوية سرده (رسالة) أساسها الحب، وقوامها الاعتذار. ولعل أول مفردات الرسالة، أو أساسها متأتّ من حتمية تسامحٍ مبنيٍّ على أساس متين من المحبة الأبوية العظيمة الخالصة

 فالرسلة تبدأ جملتها الأولى بتحديد صفتيّ المرسَل اليه:

"ولدي وصديقي"

 وهي تثير سؤالاً افتراضياً عن واقع حال أبوة المرسِل للمرسَل إليه وسنجد بعد التدقيق أنها أبوة من نوع آخر مبنية على أساس روحي ذهني تسامت فأنجبت أفضل ما يأتي به الانجاب من الابناء. ولأن الابن سار

على درب أبيه، واكتنز من المعرفة، وسائر العلوم ما يكفي ليرقى بها إلى مستواه، ولأن الأب على جانب كبير من الدربة والتجربة الإنسانية العظيمة فقد ارتضى أن يكون الابن صديقا لأبيه. هذه الأبوة إنْ دلّت على

 شيء فإنما تدلّ على هوية الأب بتجاربه، وبخبرته، وبفهمه، ووعيه لما يدور في عالمنا الشائك الصعب، ولا بدّ للأب من أبناء يرثون كنوز أفكاره، ودرر أقواله، وياقوت حكمته، وذهب سكوته الأغلى ثمناً من فضة

 الكلام. قد أزعم، ولو روحياً، أنني واحد من أولئك الأبناء الذين أنجبهم الفكر الخلّاق لأب عظيم في إنسانيته وسع قلبه المحبة كلّها فطفحت به وانسابت كنهر عظيم تغسل أمواجه ما لحق بالأرض من الجدب،

 واليباب، والخراب. ذلك الأب بخلقه الرفيع، وبنبله الإنساني، وتساميه عن الدنايا رجل حكيم يدعى:

 ثامر مطر.

وكما هو دأب الآباء النجباء جميعاً، أو الأساتذة الأجلاء بعقولهم المنتجة، أو الحكماء برؤاهم الخارقة، كان دأب الأستاذ الكريم ثامر مطر في اتخاذ أبناء له ما ان كبروا حتى صاروا أصدقاء له يفتخر ويفاخر بهم

أينما حلّ وحيثما رحل. أليس هذا هو دأب الكبار جميعا؟

"ولدي وصديقي الأنباري صباح".. جملة لم يقلْها أب كسائر الآباء ولذا فإنها تحمل ما تحمل من معاني الأبوة الراقية، والصداقة النادرة.. ترى لماذا هي رسالة اعتذار؟ هل ارتكب المرسِل خطأً أم اقترف جناية؟ يقول

 الأستاذ ثامر مطر:

"قد تستغرب لماذا لم اكتب عن كتابك الموسوم (الصوامت) رغم صدوره منذ مدة.. صدقني لم يكن تجاهلا مني وأنت تعلم أن مثلي لا يفعل هذا مع مبدع مثلك"

اعتذار بنيَ على الظنّ، وعلى لوم الذات.. الظنّ في تقصير مصدره التجاهل غير المقصود الذي أدّى إلى لوم النفس التي لم تكتب كلمة عن صوامت التلميذ الذي صار مبدعاً ولا يمكنها تجاهل منجزه الجديد. وإمعانا

 في إبراز دور الابن (التلميذ) فان المرسِل يقلل من شأن ذاته ليعلوا عليها شأن تلميذه في مقارنة لا يقوم بها إلا من أوتي العلم، وبلغ من التواضع والحكمة ما لا يعلى عليه.

  

"ان الذي اخرني انني لم احصل على نسخة من الكتاب المذكور لكي أقول فيه كلمة رغم أنني لست ناقدا"

وعلى الرغم من التواضع الذي لا يليق إلا بالكبار فان المرسِل يأتي بتبرير ذلك التقصير وكأن التواضع وحده لا يكفي لإرضاء المرسَل اليه "لم أحصل على نسخة" وهذا وحده كاف لتبرير التأخّر في الكتابة لكن المرسِل

 يضيف عليه كونه ليس ناقدا وفي الوقت نفسه يبغي الكتابة فأي نوع من الكتابة يريد بعيدا عن النقد.. إنها نوع من الكتابة التي تحتفي بمنجز المرسَل إليه حسب.

"أول أمس اعطاني الصديق الفاضل (كريم الدهلكي) نسخة من الصوامت وهذا اخرجني من صمتي وكل اعتذاري على التأخير والذي زاد لهفتي في الكتابة هو افتخاري بتلميذ نجيب مثلك يقف كالطود العالي في عالم

 صعب متشعب غرق فيه العديد"

وعلى الرغم من أن النسخة لم تصل إليه إلا أول أمس إلا أن رغبته في الكتابة عنها قد أخرجته من صمته العميق لتلقي به في فضاء الكتابة التي تجعله يجدد احتفاءه بتلميذه النجيب الذي رأى أن من الحكمة

وصفه بالجبل الذي لا يغرقه طوفان العالم الصعب المتشعب الذي أغرق العديد من قبل.

"وبالأمس كنت انظر واتذكر كيف كنت تتلقى من استاذنا الكبير (محي الدين زه نكنه) وهو يعكس عليك تجاربه المسرحية... واليوم تخرج انت ماردا من جلباب هذا الاستاذ الكبير لتكون لك بصمة خاصة"

السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: لماذا ينبغي على المرسِل الاحتفاء بمنجز المرسَل إليه؟ والجواب يبرز لنا من خلال استرجاع الماضي الذي تلقّى خلاله المرسَل اليه انعكاسات تجربة الراحل الكبير محي الدين زنكنة

 وهذا أمر لا يدعو إلى الاحتفاء قدر ما يدعو إلى الشعور بالخيبة لكن المرسِل كعادته يستكمل رؤيته للأمر مؤكدا خروج التلميذ من جلباب أستاذه ماردا، له بصمته التي ميّزته ليس عن أستاذه حسب بل عن

 الآخرين أيضا وهذا أمر في غاية الأهمية من الناحية الابداعية الصرف.

 وهذا ليس نقصا في الاستاذ بل فخرا بالتلميذ النابه الذي يثبت باقتدار أنه مميز.

وحتى لا يقلل من شأن الراحل الكبير زنكنة فانه يعد الأمر برمته فخرا بقدرة التلميذ النابه على التميّز. هكذا يستخدم المرسِل مفردات رسالته بدقة بالغة، وبوصف محكم كما هو حال الكبار من المبدعين ثم يختمها

 بمناشدة وأمنيات:

ايها العزيز كم تمنيت الآن أن أكون قريبا منك لكي أضمك مهنئا وأملي أن تقبل اعتذاري ودمت دائم الألق والتألق ...مع حبي.

معربا عن رغبته المقمعة في لقاء يكون بمقدوره ضمّ الابن المغترب لصدر أبيه ليغفر له عمّا تقدّم من ذنوبه الحسنة، وما تأخر من أخطائه الجميلة ليختم الرسالة بمحبته المطرية الخالصة. 

 أتمنى أن أكون قد قرأت الرسالة دون أن أفتري عليها، أو أبالغ في وصفها، أو في عرض ما فيها لترقد روح أبينا الروحي ثامر مطر باطمئنان، وسلام مبين.