أيها الفاضل الجليل

أحييك من عمان بأجمل تحايانا البعقوبية وأرقها .

في طفولتنا كنا نسأل من اين تأتي الطيور المهاجرة.. وعلى أي مسطح مائي تحط الرحال.. ما دليلها .. وكيف تعود الى مواطنها بعد ان تقطع مئات أو ربما آلاف الأميال؟..ولم نعرف وقتها أن الوطن ينبض فيها..يهاجر معها..يحطّ رحاله في أي بقعة تحط عليها الرحال.

أنا لا أعرف، حتى هذه اللحظة،ما إذا كانوا سيوافقون على هجرتي الى هناك أم لا،ولك أن  تتصور كم هو كبير بخلهم علينا في أسوأ ما نرتضيه لأنفسنا أو ما نرغمها عليه ولا أعرف أيضا ما إذا كان قلبي سيسع الوطن الجديد كله وأنا أعرف أنه مزدحم بحب العراق وبعشق بعقوبة وليمونها الذي طالته مرارة الاحتلال وخبث الناسفات والمفخخات..أحيانا أسال نفسي هل أكابد من لوعة الغربة هنا حقا..وأتذكر أنني كلما ضاقت أو ضيقت على نفسي حواجز الاحتلال الكونكريتية التي تحاصر شوارعنا أقفل باب محترفي عليّ واستمع بخشوع لصوت السياب وصدى فؤاد سالم وهو يتلو ما تيسر له من أبيات "غريب على الخليج" :

عراق

عراق

ليس سوى عراق

البحر أوسع ما يكون

وأنت أبعد ما تكون

والبحر دونك يا عراق

بالأمس حين مررت بالمقهى سمعتك يا عراق

وكنت دورة اسطوانة

هي دورة الأفلاك من عمري تكور لي زمانه

 

ومع كل (عراق) تنهال دموعي فأنتهز فرصة عزلتي وأجهش بالبكاء .. أهي الغربة مطلقة .. أم هي تلك التي يسمونها غربة الداخل..هنا أشعر بها أيضا وأود لو أني أجد مكانا أختلي فيه مع نفسي لأجهش بالبكاء..ومع آخر ترديدات فؤاد سالم لصدى العراق ألملم بعضي،وأجرّ أذيال الحزن،وأنا أسأل نفسي مرات ومرات لماذا لا تعذب الأوطان إلا اهلها الشرفاء .. ولماذا لا تقسو الا على عشاقها المتيمين؟

      إكتشفت يا سيدي الفاضل أن الكتابة أفيون الغربة فبعد وصولي الى عمان بأيام قلائل رحت أشتغل عليها وأضاعف جرعتها فتضاعف إحساسي بمتعة لا تشبهها أي متعة أخرى في الحياة .. أما خدرها يا سيدي فوحده القادر على اطفاء لهيب العزلة .. هل أدمنتُ عليها؟..هل أنا مدمن حقا؟ 

أتمنى أن أكون كذلك..لا لشئ إلا لأنني بدأت أوطّن نفسي عليها مستسلما لاغراءاتها وجمالياتها وسحر متعتها ولذتها..آه..ما أجمل أن تنام محتضنا أجمل الأفكار وأكثرها نبلا،وما أسوأ الليالي التي لا أجد فيها ولو جرعة صغيرة منها .

قل لي يا سيدي هل الكتابة وطن؟ أنا أشعر بانتمائي اليها..بوطنيتي التي أفاخر بها وأجهر بحبها..هل الكتابة عراق آخر..أم هي العراق نفسه؟ أم ......قل شيئا.. أي شئ يعززها فما عدت أستطيع الفصل بينها وبين العراق .

كلماتك يا سيدي فجرت في دخيلتي صوت العراق،وأيقضت فيها صورة بعقوبة الجميلة..ما أجملها..بل ما أجملك وأنت تكتب عن رحيلي وكأني بك تكتب عن رحيلي الى العالم الآخر..تؤبنني كما يليق بمحب أن يؤبن حبيبه..مهلا يا سيدي الفاضل كيف ستؤبنني عندما أرحل الرحيل الأخير! 

هذه مهمتك طبعا..ووصيتي التي أوصيك فيها أن تكون أول المؤبنين لي وآخر الراحلين بعدي .

سيدي الفاضل

      إن رحلتي التي أزمع القيام بها الآن رحلة قصيرة لامتلاك وطن قد يشبه وطني وبلاد تحضنني كما تحضنني بلادي..أريد أن أعقد قراني على بلاد أخرى لألوذ بها عندما تخاصمني الأخرى.

إذا كان مسموحا للشرقي الاقتران بمثنى وثلاث من النساء ألا يحق للكاتب أن يقترن ببلاد واحدة أخرى ؟  واحدة فقط .

سيدي الفاضل

لا أطيل عليك وسأختصر ما أريد ببضع كلمات :

 دفّئوا بعقوبة بقلوبكم لأن الريح الصرصر ما تزال تهب عليها بجنون ما بعده جنون ......................

.............................................................................................................................

صباح الانباري