انتحار غير معلن

(مأساة في فصلين)
 
د.حمدي موصللي


 الشخصيات

1.   هيلغا براون 35 سنة/حسناء فاتنة..شقراء.باحثة في فلسفة العلوم الفيزيائيةالمعهد الحكومي بون (ألمانيا(

2.   د. مأمون الرفاعي في حدود الـ 50 سنة.طويل ومتناسق القامة. جميل الشكل. أنيق باحث في علم الفيزياء النووية وأستاذ في جامعات بون وميونيخ

3.   وصال الرفاعي 45 سنةسمراء الملامح،وعلى قدر من الجمال. مُدَّرسة لمادة اللغة العربية في مدرسة المغتربين العرب في بون، وزوجة د.مأمون

4.   عبد العزيز مهندس بتروكيمياء في الشركة الوطنية للبترول في السعودية. يتبع دورة تدريبية في ألمانيا وصديق لعائلة مأمون.

5.   كونغسدروف محقق أول في شرطة بون

6.    بوليرو محقق ثان في شرطة بون

7.    عفاف الرفاعي 20 سنة فاتنة وجميلة جداً. طالبة في معهد البالية للرقص والموسيقى ابنة د. مأمون

8.    فاسيلي شكشين مدرب الرقص روسي الجنسية وصديق عفاف

9.    شوماخر طبيب شرعي

10.                  ايفا شنايدر صديقة هيلغا براون، والأمينة على أسرارها، وزوجة عبد العزيز فيما بعد

11.                  بائع جرائد

12.                  رقيب شرطة الأمن

13.                  عدد من الشرطة

 
الفصل الأول
المشهد الأول

المكان :ساحة في الحي السكني الرابع، في العاصمة بون
الزمن: فجر يوم غائم ضبابي لطيف مصحوب بزخات خفيفة من المطر. بداية صيف عام 1981
المنظر: حركة غير طبيعية أمام إحدى العمارات العالية. حشد من البشر والصحفيين والمصورين ورجال الأمن، وثمة جثة ملقاة على الأرض مغطاة بغطاء بلاستيكي أسود، وعدد من سيارات الشرطة وقد أحاطت بالساحة وأحالتها بأنوارها الحمراء والصفراء المتلألئة إلى مدينة ألعاب صغيرة. صوت سيارة إسعاف يقترب من بعيد معلناً اقتراب وصولها.
كونغسدروف:(وهو يحدق في الجثة ويفتش جيوبها.. يحصل على المحفظة الخاصة.. يفتحها ويقلب محتوياتها يحصل على البطاقة الشخصية..يعيد الغطاء على الجثة.يقرأ البطاقة الشخصية بصوت مسموع)مأمون الرفاعي ألماني الجنسية..مواليد الموصلالعراق/1931 متزوج الهاتف: 877660 (يكلم الرقيب)اطلب الرقم هذا يا حضرة الرقيب(يعيد قراءة الرقم على سمع الرقيب)..أعتقد أن هذا الرقم يخص الحي
الرقيب :(مقاطعاً)..الحي السكني الرابع يا سيدي المحقق.
كونغسدروف:هل استدعيتم الطبيب الشرعي؟
الرقيب :(ينظر إلى ساعته) منذ نصف ساعة تقريباً.. (يتجه إلى سيارته يتناول سماعة الهاتف) منزل السيد الدكتور الرفاعي.. من معي على الخط.. السيدة وصال زوجته؟..
(يدور حديث على الهاتف.. بالوقت ذاته تصل سيارة صغيرة ينزل منها الطبيب الشرعي ومرافقه، ويتجهان فوراً إلى الجثة ويبدأ الطبيب بفحصها. يطلب من مرافقه أن يدون خبرته..)
شوماخر : ... الرأس من الناحية القفوية والجبهوية مهشم تماماً نتيجة لسقوط حر من مكان عال يزيد عن ثلاثين متراً.. (يتوقف وهو ينظر إلى العمارة المرتفعة.. ثم يتابع)..أو أربعين متراً..النزيف من الفم والأنف والجمجمة.. باقي الجسم خال تماماً من كدمات، أو جروح أو خدوش ناتجة عن ضرب مقصود.. يوجد كسور مختلفة في الأعضاء العلوية والسفلية نتيجة للارتطام الشديد بالأرض.. حافي القدمين..إلا من فردة جورب قدم اليسار، ولا وجود لفردة جورب قدم اليمين (يبحث حواليه)و.. الحذاء أيضاً؟.. للرقيب والمحقق معاً)..هل وجدتم الـ
الرقيب  : (مقاطعاً) ها هو.. في كيس النايلون مع فردة الجوْرب
شوماخر: (يسأل).. هل كان ينتعل فردتي الحذاء وفردة الجورب؟..
الرقيب : لا.. بل حول الجثة على مسافة منها.. فردة الجورب كانت ممزقة من الطرف العلوي، وتبعد حوالي خمسة عشر متراً عن موقع الجثة باتجاه الغرب، وفردتا الحذاء.. فردة القدم اليمنى على مسافة ستة أمتار منها إلى الشمال،وفردة القدم اليسرى على بعد متر واحد منها إلى الشمال أقرب إلى الشرق قليلاً..كما هو واضح من التحديد المشار إليه بخط الطباشير الأبيض والأصفر
شوماخر:وكيف كان وضع الجثة على الأرض؟ أقصد هل تمَّ تحريكها؟ تقليبها، أو سحبها من مكانها؟
الرقيب : لا.. كما هي عليه.. فقط، السيد المحقق فتش جيوبها بهدوء
شوماخر: (إلى رجال الإسعاف) احملوا الجثة إلى المشرحة. وكيس النايلون أيضاً.
(رجال الإسعاف يحملون الجثة على حمَّالة عجلات.. في الوقت الذي تصل سيارة أجرة.. ينزل منها جمع مكون من امرأة وفتاة وشاب.. يهرعون جميعاً إلى باب سيارة الإسعاف الخلفي.. فجأة وبعد لحظات تدوي صرخات قوية تهز المكان تطلقها الفتاة والمرأة تعبيراً عن مصابهما، وفي الوقت ذاته تطلق سيارة الإسعاف زمورها مبتعدة)
كونغسدروف: (للطبيب بهدوء)..هل تعتقد أنه مجرد انتحار؟
شوماخر : (وهو ينظر إلى العمارة المرتفعة) مبدئياً.. أعتقد ذلك.. ما رأيك أنت أيها المحقق؟
كونغسدروف: هذا يتوقف على تقريركما، وعلى متابعة بحثنا وجمع أكبر كمية من الأدلة والمعلومات (للرقيب).. هل أنهيتما عملكما؟
الرقيب : تقريباً.. جمعنا ما استطعنا من أدلة، وقمنا بتصوير المكان.
كونغسدروف:(مبتسماً للطبيب ومصافحاً)..شكراً يا سيد شوماخر..في صباح الغد أرجو أن يكون التقرير على مكتبي مع فردة الجورب..(ينظر إلى طبقات العمارة المرتفعة)
شوماخر : لا أستطيع أن أضمن لك ذلك؟.. سوف أحاول.. إلى اللقاء
(إطفاء)

المشهد الثاني
الزمن : ربيع عام 1970
المكان : قاعة المحاضرات في كلية علوم الفيزياء والفلسفة. المعهد الحكومي في بون
المنظر : جمع غفير من الحضور يصغي للمحاضر السيد د. مأمون الرفاعي..
(تنتهي المحاضرة بتصفيق الحضور)
رئيس الجلسة: سيداتي سادتي.. انتهت المحاضرة القيمة للسيد البروفيسور.. د. مأمون الرفاعي. شكراً له وشكراً لإصغائكم.. من يريد منكم التحدث والمداخلة لإغناء المحاضرة أو الاعتراض على أفكارها أو بعض أفكارها.. كلنا آذان صاغية والسيد المحاضر جاهز للرد..
محاور أول: بعد ظهور الرايخ الذي أسسه بسمارك العظيم موحد الولايات الألمانية بطريقة لم يسبق لها مثيل في التاريخ وهذا ما سجلته محاضرتكم الرائعة.. أحب أن أضيف أن القوى السياسية والاقتصادية أخذت تنمو بشكل كبير. مثلاً كان عدد سكان ألمانيا منذ تأسيس الرايخ 41 مليوناً وأصبح اليوم بعد قرابة مائة عام حوالي 70 مليوناً أو يزيد.. السؤال: ظلت أغلب الانتقادات التي وجهها (نيتشة) منذ عام 1873إلى اليوم قائمة ولم تتغير.. فما هو السبب؟
د. الرفاعي: برأي أن المجتمع الجديد يومذاك في أساسه كان نتاجاً مزيفاً قانعاً متفائلاً بمدرسة المتحذلقين التي خصت الثقافة بالحديث الرنان. بينما كانت تبدي اهتمامها بالرخاء الاقتصادي أكثر من أي شيء آخر.
محاور ثان: (يتدخل) أحب أن أضيف هنا نقطة هامة
د. الرفاعي: تفضل
محاور ثان: نتج عن ذلك أيضاً ردة غالت في إعلاء النعرة القومية وطربت لمساع فيلهلم الثاني في نبرته الحادة المزعومة.
د. الرفاعي: (متابعاً) وانتهى ذلك أخيراً بدفع ألمانيا وفي حماسة بالغة إلى أتون الحرب العالمية الأولى التي راح ضحيتها ملايين من الشعب الألماني وسقطت حينها كل أقنعة الزيف والخداع التي كانت تحجب الرؤية الطبيعية البشرية، وتخفي قدرتها على ارتكاب الفظائع المستمرة، وكان الرايخ الذي بدا رمزاً لتفوقها قد تلاشى في بضعة أيام مخلفاً في مكانه الفوضى، وخيبة الأمل، ومع هذا وفي بعض الأحايين نجد من يصر على إعادة عظمة ألمانيا العسكرية بأي ثمن وبأية وسيلة، وهذا ما حصل فيما بعد.. ألمانيا في عهد هتلر وما حدث للرايخ مرة ثالثة.
محاورة : (مقاطعة المحاضر وبانفعال واضح) السيد المحاضر..اعذرني على هذه المقاطعة،واسمح لي بأن أسألك..لمَ لم تشر إلى ذلك خلال محاضرتك؟‍!
د. الرفاعي: بكل بساطة.. تركت ذلك للحوار الذي يدور الآن بيننا
محاورة : لا أعتقد ذلك..وأرى أن ما قلته اعتقاد شيوعي على الأغلب
د. الرفاعي: أنت حرّة فيما تعتقدين
محاورة : هذا مجرد رأي..وهناك رأي آخر عندي هو أنك لم تشر إلى ذلك لأنك تشعر بالدونية..مجرد لاجئ سياسي اكتسب الجنسية الألمانية
رئيس الجلسة: الرجاء الهدوء..هذا مجرد رأي دعونا نكمل..د.رفاعي بإمكانك الرد
د. الرفاعي: (بألم)..على كل حال هذا التخمين قد يكون صحيحاً ويشعر به الكثير منا نحن مكتسبي الجنسية بما فيهم أنا إزاء من يريد لنا ذلك..أنا عالم فيزياء نووي أخدم هنا وأعيش هنا بحب وإخلاص،لكن أحب بلدي أكثر وأنا لا أُغالي،وبلدي بحاجة ماسي لي، وأحلم بأن أعود إليه، وأمد يد المساعدة له ليكون قوياً ولكن؟..
محاورة : (مقاطعة).. ولكن أنت هنا في ألمانيا
د. الرفاعي: صودرنا في أوطاننا.. هاجرنا خفافاً وثقالاً.. وحتى هذه الساعة أحلم بأن أعود إلى وطني.. أن أبني وطني الذي ولدت فيه وعشت طفولتي وشبابي فيه..
محاورة :(بانفعال تحاول إحراجه) اللعنة على ألمانيا التي تمنح المواطنة لناس لا يشعرون بها إلا كملاذ وأمان.. إذا لم تشعر بأنك مواطن ألماني فعد في الحال إلى وطنك
د. الرفاعي: أنا مواطن يا آنسة ولي حقوق المواطنة وعليَّ واجبات. أقوم كأي مواطن ألماني بخدمة الأرض التي آوتني وأعيش عليها. أما عن موطني الأصلي فهو راسخ فيَّ كشجرة السنديان في جبال الموصل؟.. بالتأكيد عندما يحين الوقت المناسب سأكون أول العائدين إليه.. الوطن غال يا آنسة.. غال.. (ينهض ويعتذر عن إكمال المحاضرة)
إنني شديد الأسف.. أرجو قبول اعتذاري عن إكمال الحوار.. أشعر بضيق ألم بي..
(تنتهي المحاضرة بخروج المحاضر ويعم الصخب ويعلوا الحوار الحاد بين الحضور)
(إظـــلام)

المشهد الثالث:
الزمان : صيف عام 1972 /أثناء انعقاد دورة الألعاب الأولمبية.الوقت عصراً
المكان :مدينة ميونيخ.. مقهى على رصيف مطل على ساحة الملعب الأولمبي الخارجية.. سيارات سياحية اصطفت بانتظام في أماكن مخصصة لها. حشود كبيرة من الناس ومن مختلف أرجاء العالم قدموا لمشاهدة الألعاب الأولمبية بين رياضيي العالم، وهم يحملون أعلام بلدانهم الملونة.
المنظر : الدكتور مأمون الرفاعي وزوجته وصال وطفلته عفاف حول طاولة مستديرة يأكلون الحلوى ويشربون الشراب البارد والساخن..
وصال : (وهي تبعد من أمامه صحن الحلوى) يكفي قطعة واحدة.. أنت مريض سكر وعليك بالحمية القوية
د. الرفاعي: (يتوسل بعفوية).. قطعة أخرى أرجوك.. وسأكتفي..
وصال : لا.. أنت هكذا دائماً.. ترفض
(الفتاة الصغيرة تسرق قطعة من أمام والدتها وتعطيها لأبيها وهي تضحك.) هه.
عفاف : هه.خذ بابا.. بابا هي لك.
د. الرفاعي: (يخطفها ويضعها في فمه بسرعة) آه.. ما أحلاها وما ألذ طعمها.. قطعة أخرى يا حلوتي ونور عيني
وصال : (مؤنبة) يا شقية.. ابنة أبيها (ترفض بانفعال) ولا قطعة.. حتى لو كانت بحجم حبة الحمُّص سأشكو أمرك إلى الطبيب.. أنت مريض سكر..
د. الرفاعي: الطبيب.. الطبيب.. (بحنان) يا زوجتي العزيزة.. يقول المثل العراقي "محروم وقع بسلة كروم" واليوم عيد الرياضيين.. ورياضيو العراق في ميونيخ وكذلك أكثر العرب في هذه الدورة مشاركون فعلينا أن نحتفل بقدومهم إلى ميونيخ.. أريد قطعة يا بنت الحلال.. اليوم عيد.. عرس العرب في ميونيخ يا وصال
(يصمت فجأة وبحسرة ولوعة يغني مقطع من أغنية عراقية معروفة وحزينة عن الغربة والأهل (   
(الأغنية)
اللـي مضيع ذهب ... بسوق الذهب يلقاه
واللـي مفارق محب ... هي سنة وينساه
واللـي مضيع وطن؟ ... وين الوطن يلقاه؟!
-
بعد لحظات من عرض اللوحة الخاصة..عودة لنتابع المشهد في المكان ذاته
وصال : (لزوجها الذي غاب عن أسرته للحظات) هيه.. يا دكتور نحن هنا
عفاف : بابا نحن هنا..(تُلوّح أمام عينيه بأصابعها وهي تضحك)..نحن هنا
د. رفاعي : (ينتفض) نـ.. نـ.. نعم
وصال : نحن هنا وأنت غائب عنا..؟
د. رفاعي : لا..لا مانع..مجرد ذكريات وحنين
وصال : الوطن مرة أخرى.
د. رفاعي : مرات ومرات يا وصال.

وصال : نحن نعيش في ألمانيا على أحسن حال.. ونحن ألمان بالتالي
د. رفاعي : لا..أنت الأقرب لأنك ألمانية..وأنا مكتسب للجنسية
وصال : وأنا من أصل عربي أيضاً، وأبي من قبل اكتسب الجنسية مثلك أيضاً!
د. رفاعي : بل من أب عربي مصري وأم ألمانية
وصال : ما هذا التعصب الأعمى؟! ألا يكفي أن يكون والدي عربياً لأكون عربية؟!
د. رفاعي : بلى..
وصال : (بانفعال)..إذن؟
د. رفاعي : لا أقصد ذلك أبداً
وصال : وما الذي كنت تقصده؟
د. رفاعي :الشعور الذي أحسّه بداخلي هو أقوى مما تتصورين
وصال : كيف؟
د. رفاعي :أنت عربية من مصر..الولادة في بون والدراسة في بون ولا تعرفين مصر إلا من خلال تلك الزيارات التي قمت بها إلى مصر كسائحة لشهر أو لبضعة أيام وهذه لا تكفي لتمكين الارتباط ونمو الشعور الداخلي والوجداني والانتماء والهوية..
وصال : أنا زوجتك وأم طفلتك التي ولدت في ألمانيا أيضاً ولدي شعور لا يقل عن شعورك أيضاً وأعرف الكثير عن مصر والعرب..(تبكي) أنت هكذا دائماً.. قدري أن تكون أمي ألمانية ووالدي عربياً، وقدري أن أولد في بون وأن أدرس فيها.. وقدري أيضاً أن أحبك وأقبل بك زوجاً وعربياً أيضاً
د. رفاعي : (يخرج منديله القماشي من جيبه ويمسح دموع زوجته)..لا عليك لم أكن أقصد جرح شعورك فأنت زوجتي وأم طفلتي (يأخذ الطفلة إلى صدره) وحبيبتي.. لكن العراق وطني وحدي وأنا الغريب.. السهل والجبل والنهر والخليج والسماء والصحراء والموصل وبغداد والبصرة وكل المدن والقرى والناس والجيران وملاعب الطفولة والأطفال الذين كبروا والحارات والدروب الترابية والشوارع والمساجد والكنائس والأضرحة والتكايا والمدارس والكتاتيب والعلماء والشعراء والمقاهي والمسارح ودور السينما والخمارات وأماكن اللهو ولعب القمار ودور البغاء والعصافير وحتى الكلاب الشاردة، عواء الذئاب في براري الجنوب، وأبناء آوى وثعالب السَّواد وضواريها، ونسور وصقور وبواشق،وأفاعي جبال الموصل، ووديان الكرخ ودهوك وأربيل والسليمانية..إنه الحزن والفرح.. إنه تاريخ من الذكريات.. إنه الماضي الذي يلقي بثقله على الحاضر ليعيد تشكيل المخيلة من جديد.. إنه الانتماء والهوية.. هذا هو وطني وهذا هو شعوري يا وصال فاعذريني
وصال : لن نختلف وأعذرك..لكن العراق ليس لك وحدك..نحن جزء منه أيضاً.. لي ولطفلتك.. اخترته عندما اخترتك، وفي أحشائي نبت وترعرع ليكون طفلة جميلة اسمها عفاف.
(تمد يديها لطفلتها وترفعها نحوها وتقبلها.. ينضم إليهما الأب ويقبلهما بلهفة وحنان، وعلم صغير للعراق على الطاولة أمامهم)
د. رفاعي : آه.. لأول مرة ومنذ سنوات أشعر بأن جزءاً من وطني معي ولم أنتبه إليه..
(يقرب العلم أمامه.. تتقدم فتاتان من الطاولة)
الفتاة1 : مساء الخير
الفتاة2 : بالتأكيد الدكتور مأمون الرفاعي عالم الفيزياء المشهور وعائلته
(ينهض الدكتور وزوجته مرحبين)
د. رفاعي : أهلاً بكما هذه زوجتي وصال وهذه الأمورة. طفلتي عفاف
الفتاة2 : (تقبل الطفلة).. طفلة جميلة سمراء.. يا لعينيها البابليتين
الفتاة1 : ابنة أبيها العراقي.. أعتقد أن العمر جاوز السابعة بقليل
وصال : (وهي تمرر يدها على شعر عفاف)
منذ شهر تقريباً انتهت السنة الثامنة
د. رفاعي : (بدهشة لفتاة1) إن لم تخني الذاكرة، فأنت المحاورة التي قابلتها قبل سنتين أثناء محاضرة لي في قاعة المعهد الحكومي في بون.
الفتاة1 : (بإعجاب) ذاكرة رائعة يا دكتور.. أنا التي حاورتك واختلفنا لدرجة أنك اعتذرت عن متابعة المحاضرة.
أنا هيلغا براون، وهذه صديقتي ايفا شنايدر، كنا معاً في المحاضرة.. كلانا أنهى الدراسة في المعهد المذكور قبل ثلاث سنوات.. أنا أعمل في بون وهي تعمل في ميونيخ في فروع المؤسسة نفسها. نلتقي دائماً في العطل الرسمية والأعياد ولم نفترق منذ تعارفنا.
د. رفاعي : عظيم. رائع!. تفضلا واجلسا لنحتفل معاً.. (لنادل المقهى) كرسيان إذا سمحت
ايفا : لا.. شكراً حان وقت الدخول إلى الملعب
هيلغا براون: بالتأكيد سيكون حفل الافتتاح رائعاً وعظيماً.. الحكومة صرفت عليه مئات الملايين من الماركات. أعتقد أن الدكتور والعائلة حضروا خصيصاً من أجل حضور حفل الافتتاح؟
د. رفاعي : هذا صحيح وأيضاً من أجل رؤية المنتخبات العربية وهي تتنافس مع الدول المشاركة
هيلغا براون: والعراق؟
د. رفاعي : (بدهشة) طبعاً! إنه وطني. والفريق العراقي هو أحد الفرق العربية المشاركة، ولهذا سأبقى طيلة أيام الدورة أرافق اللاعبين العراقيين والعرب.. خصصت نصف إجازتي السنوية لهذه الدورة.
ايفا : (بابتسامة) بالتأكيد ستكون العائلة معك أيضاً طيلة الدورة، وسوف تتمتعون بطيب الإقامة.. مدينة ميونيخ من المدن السياحية والثقافية الهامة.
د. رفاعي : العائلة ستبقى في ميونيخ يومين، وسنحاول تكثيف الزيارة، وسنزور أكثر المواقع السياحية والثقافية التي تزدهر بها ميونيخ
ايفا : يومان فقط،؟!.. لا هذه زيارة سريعة.. ميونيخ تحتاج أسبوعاً واحداً على الأقل
وصال : ابنتي عفاف في المدرسة وأنا أعمل مُدرِّسة في مدرسةٍ عربيةٍ خاصة، والامتحانات على الأبواب. زوجي سيبقى في ميونيخ طيلة أيام الدورة
هيلغا براون: على كل حال.. كانت صدفة جميلة سعيدة جمعتنا.. آ.. صحيح.. أريد عنوانك في بون.. قد أحتاج لسؤال ما.. فأنا أفكر جدياً في التحضير لدراسة الماجستير في الفيزياء..
د. رفاعي : عظيم!!.. وأنا على أتم الاستعداد للمساعدة رغم اعتقادي الكبير بأننا سنختلف كثيراً كما اختلفنا سابقاً.. (يسحب بطاقة عنوانه من حقيبته الصغيرة، ويقدمها لها).. تفضلي
هيلغا براون(تنظر في البطاقة) شكراً.. عنوان المكتب وعنوان المنزل..
(تفتح حقيبتها الجلدية وتخرج بدورها بطاقة عنوانها).. تفضل وهذه بطاقتي أيضاً
د. رفاعي : (يتناولها دون النظر إليها ويدسُّها في حقيبته) شكراً.. (يتصافح الجميع)..
ايفا : (قبل أن تبتعد.. تقدم بطاقة عنوانها للدكتور)
هذه بطاقتي أيضاً. أنا مستقرة في ميونيخ مع والديَّ وأخي.. قد نراكم في ميونيخ
(تلتفت نحو وصال).. آ.. صحيح أين تنزلون؟
وصال : عند صديق عربي.. مهندس بترول من السعودية.. كما تعلمين الفنادق في ميونيخ محجوزة منذ أشهر، وأفضلية الحجوزات للأجانب والسياح.
هيلغا براون:(تلوّح بيدها) وداعاً
ايفا : (تلوّح بيدها) وداعاً
أسرة الرفاعي: (يُلوِّحون بأيديهم).. وداعاً
المشهد الرابع
المكان : شقة المهندس عبد العزيز في إحدى ضواحي مدينة ميونيخ.. شقة مؤثثة بترتيب عربي بسيط وثمة لوحة لأية قرآنية، وأخرى تجمع اسمي الله ومحمد. دلال قهوة. بسط ووسائد.. الخ
الزمن : اليوم الخامس من دورة الألعاب الأولمبية. الوقت: صباحاً
المنظر :د. الرفاعي يحتسي فنجان القهوة ويقلب موجات المذياع.. حتى يستقر على صوت المذيع المحلي..
المذيع : ... هنا راديو ميونيخ.. لاحقاً لخبرنا السابق فقد تأكد فعلياً أن مجموعة من الفدائيين العرب الفلسطينيين ينتظمون في منظمة قتالية لمحاربة إسرائيل يطلق عليها منظمة أيلول الأسود، قد تسللوا إلى داخل القرية الأولمبية في وقت متأخر من ليلة أمس، وهم يرتدون الزي الرياضي، ويحملون حقائب رياضية يعتقد في داخلها أسلحة وقنابل، واحتلوا جناح الوفد الإسرائيلي. في فندق القرية. عودة أخرى إلى مراسلنا في موقع الحدث.
مراسل الإذاعة: أيها المستمعون: كما أكدنا سابقاً، إنه بين الواحدة والنصف والثانية تماماً تسلل عدد من العرب الفلسطينيين التابعين لمنظمة فدائية تطلق على نفسها اسم /أيلول الأسود/ بالزي الرياضي المتعارف عليه إلى داخل القرية الأولمبية التي تنام فيها وفود الدول المشاركة في الدورة، وقد دخلوا إما عبر سور الملعب الرئيسي، أو بشكل عادي من الباب الرئيسي كلاعبين مشاركين ضمن الوفود التي تنزل في القرية الأولمبية، وفي الثانية تماماً سمعت طلقات رصاص رشاش صادرة عن بندقية آلية من نوع روسي الصنع.. كلاشينكوف كتلك التي اعتدنا سماع طلقاتها عبر الجدار الفاصل بين الألمانيتين وقد صدرت هذه الطلقات من جناح الوفد الإسرائيلي في فندق القرية، وقد قتل أحد المصارعين الإسرائيليين. أكد ذلك مرافق الوفد وهو ألماني أطلق سراحه المهاجمون بعد السيطرة على الجناح الإسرائيلي والتأكد من هويته.. ساعتان حتى الآن، وحالة من الخوف والترقب الشديدين تسودان المكان.. لم تصدر بعد أي تعليقات عن أي جهة أو مصدر سواء من الحكومة أو من الفدائيين.
قوات الأمن المركزي الآن تضرب طوقاً من الحصار الشديد حول القرية، وهي تمنع الدخول والخروج منها وإليها.. سنوافيكم لاحقاً بآخر المستجدات على الساحة.. عودة الآن إلى مركز الإذاعة في بون.
د. الرفاعي: (بانفعال ينهض ويغلق مفتاح المذياع).. معقول؟!.. لا أصدق؟!.. مستحيل!! ماذا سيقول الشعب الألماني عنا، وهو الذي تعاطف معنا؟ ماذا ستقول شعوب العالم عنا؟.. وأغلب دول العالم تقف اليوم معنا وتناصرنا لأننا أصحاب قضية وأصحاب حق.. ما ذنب الرياضيين الذين جاءوا للعب والمنافسة؟ (لنفسه) لا..
(يهرع إلى باب غرفة صديقه ويطرقه بقوة)..
عبد العزيز.. عبد العزيز (يبتعد عن الباب وهو يفرك أصابع يديه ببعضها) الفدائيون.. الفدائيون يا عبد العزيز فعلوها.. (يستمر الطرق من جديد ثم يبتعد كمن يفكر بقلق).. ولم لا يفعلوها؟.. إنهم أصحاب قضية وأصحاب حق.. فعلوا ذلك من أجل لفت أنظار العالم إلى حقيقة ما حدث ويحدث لشعبنا في فلسطين وفي بقية الأراضي العربية المحتلة، ومن جرائم قتل وتشريد وتنكيل وهدم للبيوت وللمدن والقرى والمزارع، وتدنيس الأماكن المقدسة من جوامع وكنائس..
(يقاطعه دخول عبد العزيز في ثياب النوم)
عبد العزيز: ماذا هناك؟.. لمّ تصرخ؟! لم ننم بعد.. عليك أن تخلد للراحة.. سنتابع الألعاب مع أصدقائنا بعد ساعات، ونتابع السهر ليلاً مع الرياضيين العرب..
د. الرفاعي: (بحسرة) لا.. لا أعتقد أننا سنتابع الألعاب أو نسهر بعد اليوم
عبد العزيز: ماذا تقول؟! هل حدث مكروه ما؟ أم الحرب نشبت من جديد بين العرب وإسرائيل؟ كل ما أعلمه أن حرب الاستنزاف على الجبهتين المصرية والسورية مستمرة..
د. الرفاعي: يا سيدي ما حدث هو هنا في ألمانيا وليس هناك في الجبهة
عبد العزيز: (يقاطعه بسخرية) لا شك أن الألمان اكتشفوا أخيراً قبر الرايخ الثالث الفوهرر هتلر
د. الرفاعي: (بنفور) لا
عبد العزيز: لا!.. هل توفي المستشار الألماني الحالي.. فقد كان مريضاً..
د. الرفاعي: لا.. لا..
عبد العزيز: (مقاطعاً) قد تكون الممثلة العظيمة رومي شنايدر ماتت بالسرطان؟
أو بقدرة قادر خرج بسمارك العظيم من قبره ليوحد الألمانيتين من جديد
(يقاطعه بغضب)..
د. الرفاعي: أتسخر يا رجل؟ على رسلك.. حدث أمر أخطر مما تتوقع
عبد العزيز: ما هو؟
د. الرفاعي: الفدائيون
عبد العزيز: (متابعا بإعجاب) عظيم.. رائع..!! أعتقد أنهم اختطفوا طائرة صهيونية جديدة وأرغموها على النزول في ألمانيا، أو في روما.. باريس.. أو في مطار اللد في فلسطين المحتلة..
د. الرفاعي: استمع إلى الراديو
(د. الرفاعي يفتح قاطع صوت المذياع)
مراسل إذاعة بون: .. المستشار /فيلي برانت /يرأس الاجتماع المنعقد الآن للحكومة بكامل أعضائها في بون.. سنوافيكم أولاً بأول بنتائج الاجتماع وبالخطوات التي ستتخذها الحكومة لإنهاء عملية احتجاز الرهائن.. نحب أن نذكر أن عدداً من الاتصالات تلقاها المستشار. من السيد نيكسون رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ومن السيد جورج بومبيدو رئيس جمهورية فرنسا، وكان قد تحدث مع رئيسة وزراء إسرائيل غولدا مائير، ووزير دفاعها موشيه دايان مطولاً، وأكدوا أن إسرائيل لن تخضع للابتزاز الفلسطيني وفي جعبتها أكثر من حل.. مراسل إذاعة بون... (عبد العزيز يغلق المذياع)
عبد العزيز: لم أفهم.. إذن هناك حدثٌ ما قد وقع؟!..
د. الرفاعي: نعم.. الفدائيون العرب الفلسطينيون احتجزوا اللاعبين الإسرائيليين في فندق القرية الأولمبية وقد قتل أحد الرياضيين الإسرائيليين المحتجزين أثناء عملية الاقتحام..
عبد العزيز: عظيم!.. وما هي مطالبهم؟
د. الرفاعي: حتى الآن لم ترد أخبار تتحدث عن مطالب محددة
عبد العزيز: أعتقد أن المطالب سوف تنحصر كالعادة بالإفراج عن عدد ما من المعتقلين في السجون الإسرائيلية الذين يتعرضون للتعذيب والتنكيل.
د. الرفاعي: (بعفوية يرفع يديه نحو السماء ويدعو) الله يقوُّيهم وينصرهم.
عبد العزيز: ولكن؟!.. كيف استطاعوا دخول القرية والفندق واحتجاز الرهائن، والحرس يملأ أرجاء المكان، ومعهم الكلاب المدربة وأحدث أجهزة الكشف عن الأسلحة؟!..
د. الرفاعي: بالتأكيد كل شيء مدروس وبدقة.. الفدائيون فيهم الخبراء والمختصون في الأسلحة والطب والفيزياء والعلوم واللغات والتاريخ والجغرافيا والاقتصاد والسياسة. وهم ليسوا بالناس البسطاء أو بالشبان الضائعين والمغرر بهم.. أنهم عقلاء.. أنهم أصحاب قضية
(ينظر إلى ساعته بتوتر..) سأخرج إلى الشارع أتمشى..
عبد العزيز: إلى أين؟
د. الرفاعي: لا أعرف ..؟
عبد العزيز: والموعد مع الفتاتين.. هيلغا براون وايفا
د. الرفاعي: (ينظر إلى ساعته).. مازال هناك أربع ساعات على الموعد.. سأوافيك عند المقهى قبل ساعة من وصولهما
عبد العزيز: انتبه لنفسك.. أراك بخير.. (يخرج د. الرفاعي)
كنت أعتقد أنه مسرور بل أشد سروراً مني.. ترى ما الذي يدور في خلده؟.. سأعرف ذلك قريباً.
المشهد الخامس
الوقت : مساءً
اليوم : الثامن من دورة الألعاب الأولمبية.. /بعد مرور /36/ ساعة على احتجاز الرهائن
المكان : مدينة ميونيخ.. مقهى على رصيف ذات المقهى السابق.. حركة غير طبيعية تسود المكان طاولة وحولها جلست هيلغا براون بين د. الرفاعي وعبد العزيز، وايفا إلى جانب عبد العزيز. وحوار فيه شيء من الصخب والتوتر.
هيلغا براون: ... أنتم العرب إرهابيون.. وإلا ماذا تسمي هذا الهجوم على مقر البعثة الإسرائيلية الرياضية؟
د. الرفاعي: لنسمِّ الأمور بمسمياتها.. ليكن هذا الفعل إرهابياً.. كما تريدين
هيلغا براون: لا يا سيدي.. لاكما أريد.. بل هذه حقيقة
د. الرفاعي: ليكن.. أنا موافق مبدئياً.. (يأخذ نفساً ويحاول أن يكون هادئاً متزناً)..

ماذا تسمين من أخذ بيتك بالقوة وقتل أباك وأخاك أو عمك أو خالك أو جيرانك ثم أجبرك على الهجرة إلى بلد آخر غير وطنك؟
هيلغا براون: إرهابي؟
د. الرفاعي: وماذا تسمين من دخل قريتك ليلاً وجمع الصغير والكبير في ساحة القرية وفتح الرصاص عليهم ولم ينج..أحد
هيلغا براون: إرهابي
د. الرفاعي: ماذا تسمين من دنّس واستباح حرمة المساجد والكنائس وقتل من قتل في داخلها؟.. قبل سنوات قليلة أحرقوا المسجد الأقصى.. هل سمعت عن مذابح قرى ومدن مثل.. دير ياسين.. كفر قاسم.. قبية.. نحالين، وآلاف القرى التي سويت مع الأرض ومُحيت عن الخارطة الإنسانية؟..
عبد العزيز: (متداخلاً) وما فعلته الطائرات الإسرائيلية عندما شنت هجوماً وحشياً على مدرسة للأطفال في بحر البقر وقتلت العشرات منهم في سيناء.. ماذا قال الإعلام في بلدكم هنا؟
هيلغا براون: (بانفعال) لا يهم ماذا قال؟
عبد العزيز: لا.. هذا تضليل للحقيقة (يلتفت إلى ايفا).. تريدين أن تعرفي ماذا قال الإعلام الألماني؟
ايفا : نعم
عبد العزيز: قامت مجموعة من الطائرات المصرية المقاتلة بشن هجوم على مدارس بحر البقر في سيناء وقتلت المئات من الأطفال المصريين على مقاعد الدراسة من أجل اتهام إسرائيل بالعدوان.
د. الرفاعي: (مكملاً) لا.. بل وأضاف الإعلام الألماني الذي نقل الخبر عن الإذاعة الإسرائيلية إن الرئيس أنور السادات أوعـز إلى اللجان المختصة بتشكيل لجنة تقصي الحقيقة.. لقد أكدت الصور أن الذي قام بالهجوم طائرة فانتوم إسرائيلية أُسقطت وأسر طيَّارها فوق بحر البقر، أما القنابل التي لم ينفجر بعضها فهي من صنع الولايات المتحدة الأمريكية، وقامت السفارة المصرية يومها في بون بتوزيع هذه الصور على الصحف الألمانية.. نشرتها بعض الصحف، ورفضت صحف أخرى نشرها.
هيلغا براون: (متجاهلة).. وأنتم العرب.. ماذا فعلتم مع إسرائيل؟.. بلد ديمقراطي متحضر مثل إسرائيل تريدون رميها في البحر.. على كل حال هذا شأنكم مع إسرائيل وهذه حربكم معها هناك، وليس هنا على الأرض الألمانية.
ايفا : (بانفعال) أعتقد لو لم يكونوا على حق فهم على ماذا؟ هل يوجد في العالم من تغتصب أرضه ويشتت وينكل به ويسكت؟!.. هذا جنون.. وأي جنون؟!..
هيلغا براون: (للرفاعي).. لا تنس أن اليهود أيضاً من الشعوب التي لها حق الحياة، وأنتم العرب لا تعترفون بهذا الحق تريدون رميها في البحر كما فعل النازيون باليهود في أفرانهم /الهولكوست/..

عبد العزيز: (يرفع من حدة صوته) هذه الجملة التي قالها عبد الناصر أثر هزيمة الـ 67.. أصبحت الشمَّاعة التي تعلق عليها إسرائيل حججها لتفعل ما تشاء، وهي اليوم تبتز ألمانيا، وأوربا بكذبة كبيرة اسمها الهولكوست (يعتذر).. أنا آسف لحدة الصوت الذي ارتفع
ايفا : (مؤيدة) أنتم العرب أدرى بحقوقكم وإلا ما معنى أكثر من 100 مليون عربي يشكلون عدة دول أجمعوا على حرب إسرائيل..؟ لا بد من سبب ما..
د. الرفاعي: لأن إسرائيل احتلت أرضاً ليست لها وطردت شعباً من أرضه عاش عليه آلاف السنوات، مجتمع إسرائيل شعب شتات.. من بولونيا..من الاتحاد السوفيتي.. من ألمانيا.. من أمريكا من كل أنحاء العالم.. أما الشعب الفلسطيني فهو صاحب الأرض ولم يكن يوماً من الشتات؟

ايفا : والفلسطينيون.. من أين جاءوا؟
عبد العزيز: منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة وبلا انقطاع، وهم من عرب كنعان أتوا من جزيرة العرب
هيلغا براون: قالوا غير ذلك: أرض فلسطين خالية من الناس.. ومن حق اليهود أن يسكنوا أرض الميعاد.. شعب بلا أرض لأرض بلا شعب..
د. الرفاعي: ومن قال لك إن فلسطين أرض خاوية أو صحراء جرداء لا يسكنها شعب؟!
إنها أرض الحضارات والديانات منذ الأزل.. أرض الإنسان الأول. كذبة كبيرة اخترعها زعماء المؤتمر الصهيوني الأول في بال وصدقها الحاخامات وأنذال السياسة والنفوذ في العالم أمثال بلفور وغيره.
هيلغا براون: هذا لا ينفي حقيقة ما فعله اليوم الفلسطينيون في دورة الألعاب من أنه عمل إرهابي

ايفا : دعونا نتوقف عن الكلام الآن على الأقل حتى تنتهي هذه الأزمة.. لنشرب شيئاً ساخناً (تنادي النادل)
النادل : (يسأل الجميع.. وهو يسجل الطلب في ورقة بيضاء).. شاي مع كاتو.. نسكافة بالحليب مع بسكويت.. شاي.. شاي مع كاتو.. حاضر
(إظـــلام)

المشهد السادس
بعد مرور حوالي /70/ ساعة على احتجاز الرهائن
المكان :الصالون في شقة المهندس عبد العزيز في مدينة ميونيخ..
الوقت : ليلاً.. عبد العزيز يقلب صحيفة ألمانية. د. الرفاعي يتمدد على الصوفاية براحة يطالع مجلة دير شبيغل الألمانية
بعد فترة.. /يرن الهاتف.. يتناول عبد العزيز السمّاعة ويتكلم/

عبد العزيز: ألو.. أهلاً مدام رفاعي.. الحمد لله. الحمد لله.. كيف الحال؟ وعفاف الأمورة..؟ هو هو.. تمام (يضحك) هه.. هه (ينظر إلى د. رفاعي) آكل.. شارب.. نائم (يناول السماعة للدكتور.. وصال على الخط.. تفضل عيني
د. الرفاعي: ألو.. هلا عيني.. كيف حالكم.. الحمد لله. وعفاف.. تمام.. نائمة.. أنا تمام.. وأنا مشتاق أكثر.. كيف سير الامتحانات؟.. تمام.. يعني.. يومين على الأغلب وأكون بينكم.. أترغبين بشيءٍ من هنا أجلبه معي.. طيب.. طيب.. لا تقلقي.. مساؤكم سعيد تصبحون على خير.
(يفتح المذياع.. يعود لوضعيته السابقة.. يرمي المجلة جانباً ويصغي)
صوت المذياع: لحظات وننتقل إلى ساحة الفندق.. من هناك مباشرة يتابع مراسلنا نقل وقائع انتقال الفدائيين مع رهائنهم إلى أرض مطار ميونيخ الدولي بعد أن وافقت إسرائيل على قائمة العديد من الطلبات و منها إطلاق سراح بعض المعتقلين الفلسطينيين من سجونها.. فإلى مراسلنا في موقع الحدث.
مراسل إذاعة ميونيخ: مساءكم سعيد أيتها السيدات والسادة.. أنقل إليكم وصفاً حياً لم يحدث الآن.. قبل قليل وصلت عدة باصات من نوع بولمان السياحية لنقل الفدائيين الفلسطينيين مع رهائنهم إلى أرض المطار في ميونيخ..
قوات البوليس تبعد مسافات طويلة نسبياً عن ساحة الفندق الخارجية مكان وقوف البولمانات السياحية، وكذلك سيارات الإسعاف والإطفاء جاهزة تحسباً لأي طارئ.. أحد الفدائيين أراه يخرج حاملاً بيده بندقية آلي /كلاشنكوف روسية الصنع/ وفي يده الأخرى قنبلة يدوية.. يتلفت حوله.. يتجه نحو البولمان الأول.. صعد إليه.. أعتقد أنه.. لا.. لا أنه يتحدث مع سائق البولمان.. بدأ يفتش بين الكراسي.. نزل من الباب الخلفي.. دار حول البولمان.. عاد وتحدث إلى السائق.. الباب الخلفي للبولمان يغلق.. يتجه إلى البولمان الثاني.. يصعد إليه.. يتحدث مع سائقه.. يصرخ.. يُصوُّب البندقية باتجاه السائق لماذا؟.. أ.. يطلب إليه النزول.. السائق ينزل رافعاً يديه.. يصعد الفدائي إلى البولمان ووجهه نحو السائق تارة وتارة داخل البولمان.. يتحرك بسرعة بين الكراسي.. يهبط من الباب الخلفي.. يطلب من السائق الصعود مرة ثانية إلى البولمان.. الباب الخلفي يغلق.. الفدائي يتجه إلى البولمان الأخير.. يدور حوله.. يتجه نحو السياج القريب من البولمان بتوتر واضح.. إنه يصعد الآن البولمان.. يطلب من السائق.. ماذا يطلب يا ترى؟.. أرى عن بعد طوافة تهبط على سطح مظلة الباب الرئيسي لمدخل الفندق.. الفدائي يأخذ سائق البولمان الأخير رهينة ويتجه به نحو مدخل الفندق.. من الطوافة تنزل الشرطية السيدة شميلينغ.. الشرطية التي أشرفت على المحادثات ونقل المطالب بين الحكومة والفدائيين.. هي الآن تتجه بصحبة أحد الفدائيين إلى الداخل.
أيها السادة المستمعون: ما رأيكم أن نستمع مرة ثانية إلى انطباعات الشرطية السيدة شميلينغ عن الفدائيين عندما قابلتهم ونقلت مطالبهم للحكومة الألمانية والإسرائيلية معاً.
معكم صوت السيدة الشرطية شميلينغ المسجل على الشريط (صوت ذبذبات)
...
إنهم أصحاب قضية.. إنهم أصحاب حق.. قال لي قائد المجموعة وهو شاب جامعي لم يتخرج بعد: والدي وأخي الكبير وزوج أختي ومعهم بعض الشباب والرجال والنساء أعدموا جميعاً رمياً بالرصاص أمام عيني.. أحرقت مزارعنا ودمرت قريتنا.. اقتلعنا من جذورنا.. لا أرض لنا لا بيت كان حظي وأنا المسيحي العربي أن أكون في دار الأيتام في كنيسة أم الفحم في الضفة الغربية، وهاهي الضفة الآن تحتلها إسرائيل من جديد وتشردنا من جديد.. لست وحدي من عانى.. هؤلاء الشباب وأنا واحد منهم فيهم المهندس والطبيب والمعلم.. جميعاً أقسموا على الثأر.. ومثلهم مئات الآلاف في طريقهم للثأر والعودة إلى الأرض مهما كانت التضحيات والدم يرخص من أجل الأرض والكرامة.. قال لي ودموعه تسبقه:
لو كنتِ مكاني وفقدت الغالي والعزيز والشرف فماذا تفعلين؟ لم أستطع الإجابة.. لكن بكيت وبكيت بشدة حتى جفت دموعي في محاجرها..
/
المراسل الإذاعي يقطع البث ويعود لوصف العملية من جديد/
مراسل إذاعة ميونيخ: (يتابع الوصف الحي بهدوء مع المحافظة على التقطيع الزمني).. بدأ خروج الفدائيين مع الرهائن على شكل مجموعات.. واحدة تلي الأخرى وبدأت محركات البولمانات تعمل.. أرى السيدة شميلينغ برفقة أحد الفدائيين.. أعتقد أنه قائد المجموعة.. إنهما يسيران بهدوء ويتحدثان.. كما لو كانا صديقين.. يصعد قائد المجموعة البولمان.. السيدة شميلينغ تبقى على الأرض.. تتحرك البولمانات.. السيدة شميلينغ تلوح بيدها.. قائد المجموعة يلّوح لها.. السيارات باتجاه طريق المطار.. عزيزي المستمع: نعود الآن إلى دار الإذاعة.. وسوف نعود بعد فترة في بث حي من المطار.. فإلى استوديوهاتنا في دار الإذاعة
(د. الرفاعي: يخفض صوت المذياع يسكت المذياع)
د. الرفاعي: (يأخذ نفساً عميقاً) أعتقد أن الرأي العام الألماني بدا يتفهم حقيقة ما يحدث للشعب الفلسطيني
عبد العزيز: (متابعاً) كثيراً ما راح يتساءل عن السبب المباشر الذي دعا هؤلاء الشباب للقيام بهذه العملية الفدائية
د. الرفاعي: الحق الساطع لقضيتهم يا عبد العزيز.. (كمن يفكر.. بعد فترة سكوت قصيرة)
عقلي يحدثني أنَّ في الجو أمراً مبيتاً؟.. مؤامرة..؟ .. لا أدري يا عبد العزيز
عبد العزيز: ماذا تقصد؟
د. الرفاعي: (يتناول من على الطاولة مجلة ألمانية، ويقرأ بعض عناوينها)..
اسمع يا عبد العزيز ما تقوله أعظم مجلات ألمانيا الدير شبيغل /.. رئيسة وزراء إسرائيل ترسل مبعوثها للوقوف على عملية المفاوضات.. عنوان آخر.. وزير الدفاع الإسرائيلي يرافقه قائد الأركان قد وصلوا ألمانيا سراً..
عبد العزيز: وصول هؤلاء يعني أن كارثة ستحدث.. ما رأيك؟
د. الرفاعي: وأنا مثلك.. على كل حال ساعة أو أكثر وتنتهي العملية إما بسلام أو بـ
(لا يكمل ما يشعر به.. لعبد العزيز) من فضلك.. ارفع صوت المذياع..
مراسل إذاعة ميونيخ: مضى واحدة وسبعون ساعة على احتجاز الرهائن.. كل شيء هادئ هنا وحذر.. ثلاث حوامات جاثمة على الأرض المطار.. من المفترض أن تعمل.. البولمانات الثلاث تنتظم بشكل أفقي متواز في وقوفها.. لا أرى لعناصر الأمن المركزي أي تواجد.. لكن ألمح حركة غير عادية وسريعة على بعض أسطح مباني المطار.. يترجل قائد المجموعة بصحبة رهينتين باتجاه أقرب الطائرات إليه.. يصعد الطائرة. لا أدري لماذا توقف.. إنه يكلم طاقم الطائرة.. يبدو أنه طلب من الكابتن تشغيل محركات الطائرة.. كما توقعت.. صوت هدير المروحة الرئيسة والخلفية بدأ يعلو.. أقول بصراحة إني غير مطمئن.. أحس بحركة غير عادية فوق الأسطح... كما توقعت تماماً.. بدأت تظهر فوهات بعض الرشاشات المتوسطة.. لست مرتاحاً.. المجموعة الفدائية الثانية تتجه باتجاه الطائرة الأخرى وتبدأ بالصعود إليها.. المجموعة الثالثة بدأت الخروج من البولمان الثالث باتجاه الطائرة الثالثة..
قائد المجموعة يصرخ
صوت قائد المجموعة عبر الأثير :
...
غدروا بنا.. الكلاب غدروا بنا.. اقتلوا الرهائن وانسفوا الطائرات.. قاتلوا حتى آخر نفس.. الله معنا..
(يسمع دوي هائل وانفجارات متتابعة وأصوات رشقات البنادق الكثيفة.. تتعالى أصوات الفدائيين.. الله أكبر.. الله أكبر.. ينقطع البث قليلاً.. يعود البث من أستوديو الإذاعة المركزي..)
د. رفاعي : (يصرخ برعب) الكلاب.. أبناء السبي.. الغدر عنوان حياتكم..
عبد العزيز: كما توقعت.. (يتابعون الاستماع إلى المذياع)
صوت المذياع: (بصوت مخنوق) نأسف لانقطاع البث من أرض المطار.. ولكن لم أكن أتوقع أن الكوماندوس الإسرائيلي موجود على أرضنا هنا في ميونيخ، وهو الذي سينفذ الهجوم، بموافقة الحكومة الألمانية.. كارثة سيذكرها العالم، وسنبقى نحن الألمان لزمن بعيد نخجل مما حدث.. لا ندري كيف خُدعنا، وصدقنا أنَّ الحل آتٍ.. من الذي قَتل؟ ومن الذي قُتل؟
من هو الإرهابي؟.. لولا تدخل الكوماندس الإسرائيلي هل كان سيحدث الذي حدث؟ الإسرائيليون هم الذين ارتكبوا هذه المذبحة بحق مواطنيهم، وألمانيا شاركت عندما وافقت أن يقوم الإسرائيليون بارتكاب هذه المذبحة.. نحن ألمان عانينا من الإرهاب والحرب في حربين كبيرتين.. مات الملاين منا، فمن العار أن نقبل الإرهاب أو نمارسه أو نشارك به عن قصد أو غير قصد.. سيبقى التاريخ يذكر هذه الجريمة، ويذكر سفَّاحوها..
أيها السادة: (بصوت حزين).. أعود لمراسلنا في موقع الحدث في مطار ميونيخ ليتابع وصف المأساة.. الكارثة.. التي لن ينساها العالم.
مراسل إذاعة ميونيخ: (بصوت حزين) ما حدث لا يصدق!!.. إنه يوم جهنم.. انتهى كل شيء في ساعة، لكنهم قاتلوا بشراسة الجندي الألماني في الحرب الثانية.. إنهم أصحاب حق.. اثنان وسبعون ساعة مضت والعالم ينتظر.. ماذا ينتظر؟.. إنه يوم جهنم.. يوم اغتال المكر والغدر الحق والسلام على أرض ألمانيا، التي نزفت الدماء وعانت القهر والقتل التدمير في حربين عالميتين.. شعبنا يحب السلم ويقف مع العدل.. لسنا ضد أحد.. لا أعتقد من يدافع عن أرضه وشعبه وحقه في الوجود هو إرهابي.. الإرهابي هو من يغتصب الحق..
(يقطع حديثه).. أرى أمامي المسؤول الإسرائيلي الكبير.. أعتقد أنه قائد الأركان وبعض من رجال الكوماندوس الإسرائيلي، جثث تملأ أرض المطار.. الحوَّامات مازالت النيران تشتعل فيها.. الحصيلة النهائية للقتلى غير معروف بينهم سبعة أو ثمانية من الفدائيين وجميع الرهائن وطاقم الطائرات الثلاثة ومساعديهم.. وعدد من جنود الكوماندوس بين قتيل أو جريح.. (خفض تدريجي لصوت المذياع حتى التلاشي والسكون مع خفوت الإنارة حتى الظلام)
-
إظـــلام -

 

14.                 
الفصل الثاني

المشهد الأول
بعد 10 سنوات من حادثة ميونيخ
شتاء/ كانون الثاني 1981
المكان: العاصمة بون.. منزل عائلة الدكتور مأمون الرفاعي
المنظر: صالون مؤثث ينم عن ذوق هادئ ومتزن ـ تغير واضح في ملامح الوجه والجسم والشعر على الدكتور مأمون الرفاعي وكذلك زوجته وابنته التي أصبحت شابة جميلة ورشيقة.
ـ نلاحظ : مدرب الرقص الروسي للبالية يتابع عفاف التي تؤدي بعض حركات الرقص الباليه التعبيرية برشاقة.

فاسيلي : (يصفق بحرارة) برافو... برافو.. ستكونين النجمة العربية الألمانية الأولى التي تضع قدميها على منصة أوبرا بون وتشع ضياء في سمائها وهي ترسم بجسدها موسيقا بحيرة البجع لتشايكوفسكي..
د. الرفاعي: لا.. بل على موسيقى سترافنسكي الشعبية.. بتروشكا أو عصفور من النار
وصال : لا يهم.. وبعدها أوبرا عايدة المصرية.. قريباً نجمها سيعلو
(تنتهي عفاف من وصلة الرقص... الجميع يقف ويصفق)
د. الرفاعي: (بنشوة) رائع بل أكثر من رائع.. عظيم يا بنتي!..
عفاف : (وهي تطبع القبل في الهواء وتحيي بانحناء متواصل) شكراً.. شكراً.. شكراً
وصال : إنه يوم عظيم بالنسبة لنا..
عفاف : (للمعلم فاسيلي) أعتقد منذ الآن أصبحت جاهزة أيها المعلم فاسيلي.. (فاسيلي يُقبل يدها)
فاسيلي : نعم يا عفاف.. أنت الآن نجمة العرب في سماء بون.. برافو.. برافو.. (تصفيق من الجميع)
د. الرفاعي: إذن.. علينا أن نحتفل بهذا اليوم (لوصال) ماذا أعددت لنا من طعام وشراب وحلوى؟
وصال : إلا الحلوى.. وإلا الـ
عفاف : (محتجة) ماما.. والدي سيأكل الحلوى.. اليوم حفل خاص على شرف ولادة نجمة رقص الباليه العربية في سماء بون الغربية (بصوت عال) عفاف الرفاعي (تصفيق حاد من الجميع)
وصال : ماذا سنقول للطبيب المشرف من الجامعة على حالة والدك المريض؟
د. الرفاعي: (بنزق يتابع) الطبيب.. الطبيب مرة ثانية.. ثم هو صديقي، وأب لفتاة مثلي ويسرُّه أن آكل الحلوى في حفل ابنتي.. هيا.. هيا.. يا زوجتي العزيزة المطبخ ينتظركما أنت وعفاف
(يضحكون بينما تنهض الأم وتتجه إلى المطبخ تتبعها عفاف.. الدكتور يتابع حديثه مع فاسيلي)..
كنت أتمنى على ابنتي أن تدخل الجامعة، وتدرس علم الاجتماع أو الهندسة أو حتى طب الأطفال.. لكن يبدو أن الرياح تجري بما لا ترغب به السفن.. اختارت مدرسة الرقص التعبيري.. وهذه رغبتها وهو اختيارها.
فاسيلي : اختيار موفق.. إنه من أرقى الفنون.. الله وهبها الموهبة، وحبا فيها جمال الشكل وليونة الجسد وخفة الروح، وعذب الكلام.. كل هذا لا يجتمع إلا في نفر قليل جداً من نساء العالم..
د. الرفاعي: شيوعي مؤمن؟
فاسيلي : روسي أرثوذكسي سراً.. شيوعي جهراً (يضحكون)..
د. الرفاعي: برجينيف.. غروميكو.. الكسي كوسيجن، وقبلهم خرشوف.. ستالين وآخرون هذه القيادات السوفيتية العقيمة.. التي تمركزت على قمة الهرم السياسي في الحزب الشيوعي لزمن طويل.. ألم يحن الوقت المناسب لتترك مراكزها للآخرين على الأقل من جيل الوسط... لا نقول من الشباب.. التغير مطلوب يا سيد فاسيلي.

فاسيلي : لا أعتقد. في ظل هذه القيادات التي تحتكر جميع المؤسسات العسكرية والاقتصادية وتهيمن عليها، عبر النظم والقوانين التي استحدثتها خصيصاً لمنافعها، ولإحكام السيطرة عليها. هي الآن غير مستعدة أن تقبل ولو جزئياً التخلي عن بعض مكتسباتها في السلطة من أجل إحداث بعض التحول أو التغير كما تقول.. لا.. هي غير مؤمنة بهذا أصلاًَ.
د. الرفاعي: برأيك لماذا؟
فاسيلي : خوفاً على ما تعتقد هي، أو تتصور متوهمة أنه يضر بمصلحة السوفيت العليا كدولة زعيمة في العالم.. بل على العكس من ذلك.. الروتين.. البيروقراطية.. السوس الذي ينخر في الجسد الخشبي للحصان السوفيتي دون أن تدري أو أنها تدري، وهذا ما أعتقد به تماماً.
د. الرفاعي: على كل حال أنا مؤمن بالتغير.. ومؤمن بالشيوعية كأداة تثوير وتغير.. وهي النتيجة الطبيعية التي تستطيع وحدها شفاء كل العلل.. إن محيط اهتمامها بوجه عام ليس من الضرورة أن يكون سياسياً مباشراً بأية حال. على الأقل التوازن بين الـ..
فاسيلي : (مقاطعاً بانفعال) أُخالفك كثيراً في ذلك.
د. الرفاعي: كيف..؟
فاسيلي : رب ما قلته هذا صحيحاً من قبل.. ما بين الحربين مثلاً.. وحتى بعد الحرب الثانية وتحرر معظم دول العالم من مستعمريها. حتى هنا كانت الشيوعية حاجة ومطلباً ضرورياً.. أما اليوم فالأمر مختلف تماماً، ولم يعد مقبولاً..
د. الرفاعي: (مقاطعاً) لكنها أداة نضال.. بأفكارها صاغت معظم دول العالم نضالها وحققت انتصاراتها.. وتوازن العالم بين قوتين عالميتين.. وحل ما يسمى بالحرب الباردة.. أمريكا اليوم قوة عظمى.. بريطانيا وفرنسا فقدتا ميزات الإمبراطوريات الاستعمارية، وخاصة بريطانيا.. المملكة التي لا تغرب عنها الشمس.. قد أفل مجدها، وإلى الأبد.. الشيوعية هي الآن البديل القوي والمعبر عن آمال الشعوب في التحرر والتطور.
فاسيلي : لا أعتقد ذلك، معظم حركات التحرر في العالم التي اتخذت من الشيوعية شكلها الثوري قد تكون نجحت إلى حد ما. صحيح هي استطاعت أن تحقق إنجازها على المستوى الشعبي وتعبئته بشعارات رنانة مشبعة بالنضال والأيديولوجيا من أجل الثورة والتحرر والاستقلال، لكن..
د. الرفاعي: أختلف معك كثيراً.. العديد من الدول تحررت ولم تتبن أفكاراً محددة شيوعية أو غيرها.. كثير من البلدان العربية، وبعض الدول الآسيوية والأفريقية التي استقلت بعد الحرب الثانية مباشرة.. على العكس فقد حوربت الشيوعية مثلاً في مصر، والبرجوازية السورية صنعت استقلالها في سورية وكذلك في العراق وغيرها.. ومعظم بلدان الخليج العربي .. بالأمس القريب مثلاً نالت الإمارات العربية استقلالها عن بريطانيا وبلا طلقة واحدة أو تاريخ نضالي محدد ساهم في التحرر..
فاسيلي : أيضاً أنا أختلف معك هنا وكثيراً.. معظم دول أمريكا الجنوبية، ودول أوروبا الشرقية، وبعض الدول في آسيا وأفريقيا، وخاصة الأحزاب التقدمية الحاكمة فيها قد تبنت، وتشبعت بأفكار الشيوعية وتنظيراتها في الديالكتيك، والأيديولوجيا.. هي اليوم متخمة بقيادات عقيمة تكتفي بالتنظير المحدود، ولا تقبل التغير والتبديل تماماً كما عند السوفييت..
د. الرفاعي: قد أشاطرك في بعض ما وصفته.. لكن على الأقل حققت لشعوبها شيئاً من الصراع الطبقي.. خلصها من الإقطاع والبرجوازية كما حدث في مصر وسورية مثلاً.
فاسيلي : (يبتسم بسخرية).. هذا جائز.. بالنسبة لي فكرة الصراع الطبقي فقدت الكثير من محتواها.. لنقل أنها قد أُفرغت تماماً وأجهضت بيد من طبقها، وهي الآن وباء عليهم.. كبار موظفي الحكومة من مدراء ووزراء وجنرالات وسماسرة هم أكثر برجزة من البرجوازيين، وأكثر إقطاعاً من الإقطاع ذاته.. فأين هو الصراع الطبقي يا سيد الرفاعي؟ (متابعاً) برأيي الشيوعية الآن هي كذبة كبيرة.. هي مجرد أفكار محنطة.. الصراع الطبقي هم اخترعوه، ولم يؤمن به الذين اخترعوه! فكيف نؤمن نحن الذين نزداد فقراً في ظله؟!.. العفن أصبح يطفو على السطح في بلدي.. كثير من منجزات الثورة التي كانت في يوم ما عظيمة أصابها الاهتراء المخيف.. الفقر بدأ يأخذ طريقه إلى عموم طبقات الشعب، ولو أنه مُغلف بلبوس الشيوعية المثالية التي تقول مزيداً من التقشف. بل مزيداً من الضياع، وهذا رأيي.. العالم يتغير من حولنا، ونحن نلهث وراء الشعارات والأفكار المحنطة أنت يا سيد رفاعي.. لماذا خرجت من بلدك هارباً؟
د. الرفاعي: (يضحك) ها. ها. لأني شيوعي ملاحق، وأنت لماذا هربت وكيف وصلت بون؟
فاسيلي : لأتخلى عن شيوعيتي.. هربت من الشيوعية في بلدي.. حدث هذا أثناء تجوال فرقة موسكو الوطنية في بولونيا.. ساعدني بعض الأصدقاء هناك في الوصول إلى ألمانيا، وهنا منحت حق المواطنة.
(تدخل وصال وخلفها عفاف وهي تدفع عربة خدمة عليها مختلف الأصناف من الحلوى والفاكهة والشراب.. تقوم السيدة عفاف بترتيب الطاولة يساعدها فاسيلي وعفاف..)
وصال : (للجميع) أيها السادة تفضلوا.. أرجو أن ينال إعدادي للطاولة حسن المقال والمقام
عفاف : (متابعة بفرح).. وأن يلقى تجهيزي للطعام حسن المذاق
(يضحكون ويلتفون حول الطاولة.. بعد لحظات صوت رنين الهاتف.. الدكتور الرفاعي ينهض باتجاه الهاتف.. يرفع السماعة بعد أن ينهي مضغ ما في فمه من بقايا طعام ويمسح فمه بفوطة)
د. الرفاعي: ألو.. أهلاً هيلغا.. أنا بخير.. كيف حالك.. تمام.. من أين تتكلمين؟.. من الجامعة.. جيد.. أنهيت الجزء الثاني من البحث.. عظيم.. سنحدد موعداً مع الجامعة نلتقي في الغد.. أين؟.. كما ترغبين.. مع السلامة..
(يعود د. الرفاعي لينضم إلى الطاولة.. صوت موسيقى ينبعث من آلة تسجيل.. مقطع سمفوني لموزارت أو بيتهوفن..)
ـ إظـــلام ـ
المشهد الثاني
أواخر أيار/مايو 1981
المكان : صالون مؤثث بشكل بسيط وجميل.. تزين جدرانه لوحات تشكيلية بعضها مزيف لفنانين عالميين أمثال دافنشي وسلفادور دالي.. بيكاسو.. ماتيس وفنانين آخرين.. ثمة صوفاية وطاولة وكراسي، وآنية زهور وهاتف وآلة تسجيل وآلة عزف/بيانو/وساعة جدار قديمة.. موزعة بشكل مناسب ومريح يدل على حالة عزوبية من نوع هادئ وناعم.
المنظر : صوت منخفض يند عن آلة التسجيل/موسيقا السمفونية السابعة لبيتهوفن/.. تدخل هيلغا براون الصالون خارجة من الحمام بثوب (الديشمبر) عارية العنق والأكتاف وجزء من الصدر.. الرأس ملفوف بالمنشفة.. تتمدد نصف جالسة وقدميها على طول الصوفاية.. تبدأ بتقليم أظافر أصابع اليد اليمنى وهي تردد مقطع من أغنية ما
بعد لحظات يقرع جرس الباب لمرة واحدة ومباشرة يفتح الباب، ويدخل الدكتور رفاعي وفي يده حمالة المفاتيح يلعب بها، وفي اليد الأخرى باقة صغيرة من الورد الأحمر.. يقترب من هيلغا براون التي مازالت نصف جالسة على الأريكة.. يطبع قبلة على يدها اليمنى وخدها الأيسر.. ثم يتحرك باتجاه الطاولة ويضع الورد في أصيص جاهز.

د. رفاعي : مساء الخير.. حبيبتي.
هيلغا براون: (بإغراء).. أهلاً دكتور.. (تنظر نحو ساعة الجدار).. تأخرت، منذ شهر ونحن نلتقي هنا، لم تتأخركهذا اليوم!
د. رفاعي : (ينظر إلى الساعة) ساعة واحدة فقط.. أنهيت بعض الأعمال في مختبر التجارب ثم مررت ببائع الزهور (ينظر إلى باقة الورد)
هيلغا براون: (بابتسامة) ورود حمراء مرة أخرى؟ مذ بدأنا نلتقي وأنت للمرة المائة لا تكف عن
د. رفاعي : (مقاطعاً ومتابعاً بابتسامة) عن شراء وتقديم الورود الحمراء.. أليس كذلك؟
هيلغا براون: لو لم تكن حبيبي لفضلت جميع الألوان عدا الأحمر (تضحك).. أتعرف لماذا؟
د. رفاعي : (متابعاً وهو يضحك) ها.. ها.. لأنك تكرهين الشيوعية
هيلغا براون: (مقاطعة) والسوفيت أيضاً.. (يضحكان)
د. رفاعي : هذا يذكرني بلقائي الأول بك عام 1970 في قاعة المحاضرات
هيلغا براون: (ضاحكة بغنج).. هه.. هه.. خوفي من ذكائك!!
(تنهض وتميل على شفاه الدكتور وتطبع قبلة طويلة، ثم تبتعد باتجاه المطبخ.. الدكتور يدخل غرفة النوم.. لحظات وتعود هيلغا براون تبدأ بتوضيب طاولة الطعام بشكل ينم عن ذوق رفيع رومانسي.. لحظات ويعود الدكتور وقد ارتدى ثوب السهرة.. يدخل الحمام.. هيلغا براون أنهت تجهيز الطاولة وبقي أن تضيء شموعها.. صوت الموسيقا يعلو تدريجياً حتى رتم معين..)
د. رفاعي : (خارجاً من الحمام باتجاه الطاولة) مبروك يا حبيبتي.. كان دفاعكِ رائعاً
هيلغا براون: بإشرافك وجهودك أنت يا حبيبي حصلت على الدكتوراه.. / تتجه وتدخل غرفة نومها /..
د. رفاعي : ضجت القاعة بالتصفيق فور إعلان النتيجة والدرجة كانت بامتياز..
هيلغا براون: / من داخل غرفة النوم / 95 درجة.. لم أكن أتوقعها
د. رفاعي : لا.. (مجاملاً) كنت على يقين أن العلامة ستكون 100.. البحث كان رائعاً
هيلغا براون: (تضحك من داخل الغرفة) ها.. ها.. أتمزح
د. رفاعي : أنا؟.. (يغير الحديث).. أنا جائع
هيلغا براون: وأنا أشد جوعاً منك.. تسلّى وأشعل الشموع..
(
تعود من غرفة نومها وقد ارتدت غلالة حريرية رقيقة زادتها فتنة وجمالاً أخاذاً)
د. رفاعي : (يشعل الشموع وفي شيء من اللهفة والنشوة يقبلها).. كل عام وأنت حبيبتي..
هيلغا براون: أنتم العرب رومانسيون جداً.. في شعر الغزل لا تغلبون.. في هذا أنتم أشعر الأمم
د. رفاعي : (متابعاً باسترسال وتباه) والشعر ديوان العرب.. امرؤ القيس وعنترة، والمتنبي وأبو تمام، وأسماء كثيرة أخرى، وفي عصرنا شوقي، مطران، وحافظ وأبو ريشة والجواهري، ونزار قباني وآخرون.
هيلغا براون: قرأت لبعضهم بالألمانية.. بعض الترجمات للمتنبي إنه شاعر عظيم.
ولا أنسى شاعر المرأة نزار قباني قرأت مترجمات من شعره، وهو في شعره يفوق الكثير من شعراء الغرب.. إنه يحب المرأة كثيراً وهي هاجسه.. شعره رقيق عذب.. أحفظ له بضع أبيات اسمع: /تردد مما تحفظ لنزار /
إني خيرتك.. فاختاري
ما بين النوم على صدري
أو فوق دفاتر أشعاري
اختاري الحُبَّ.. أو اللا حُبَّ..
فجبن أن لا تختاري
لا توجد منطقة وسطى
ما بين الجنة والنارِ..
د. رفاعي : (يصفق بإعجاب) عظيم.. برافو هيلغا براون.. أنت تقرئين الشعر العربي إذاً؟
هيلغا براون: (متابعة) نعم وأحفظ كمٌّ من أشعاركم، وأعجب جداً بآراء الفلاسفة العرب والمسلمين، المعري وابن رشد وابن سينا والبيروني والخيام والكندي وابن الهيثم والحلاج وآخرين.. وأظن أننا تحدثنا في ذلك مرات..
د. رفاعي : (مقاطعاً بإعجاب زائد) هذا صحيح.. كما أنتم نحن أيضاً.. تذوقنا وتأثرنا بعلومكم وآدابكم وقرأنا لشعرائكم وفلاسفتكم. نيتشة وديكارت وغوته وهيكل وماركس وهاينى.. وأمتعتنا موسيقاكم الرائعة وكان لموسيقى بيتهوفن، وغيرها أثرها على أفئدة موسيقينا أمثال: الرحابنة وعبد الوهاب وفريد الأطرش وآخرون حتى في المسرح كان لبريخت حضوره ومدرسته وظله على المسرح العربي كبيراً
هيلغا براون: (مقاطعة بسخرية) بريخت!.. لا أحب هذا الشيوعي الألماني الشرقي
د. رفاعي : الألمان هنا يحبونه كثيراً
هيلغا براون: يكفي أنه صناعة شيوعية.. وهذا رأيي به ولا أغيره
د. رفاعي : (بدهشة).. لكنه أحد أهم المسرحيين في العالم!
هيلغا براون: (مجاملة وهي تمرر يدها على صدره).. معك حق
د. رفاعي : مسارح ألمانيا اليوم تعج عروضها بأسلوبه المتميز. وقد ابتدع نظريته في الفن المسرحي وأطلق عليها اسم المسرح الملحمي أو التغريب.. شاهدت عرضاً مسرحياً رائعاً من تأليفه / دائرة الطباشير القوقازية /.. وكم تمنيت أن أرى هذا العرض من إخراجه أيضاً.
هيلغا براون: (مقاطعة.. تنهض واقفة وبانفعال واضح) هل سنقضي السهرة عن صاحبك بريخت.. لا أُعجب بهذا الألماني الشرقي وكفى
د. رفاعي : (في ضيق) هل لأنه ألماني شرقي أم لأنه شيوعي؟!
هيلغا براون: كلاهما
د. رفاعي : وأنا شيوعي أيضاً!
د. رفاعي : أحبك أنت ولا أحب شيوعيتك.. أو عراقُكَ
د. رفاعي : العراق بلدي
هيلغا براون: بلدك وحدك.. وألمانيا بلدي ولي.
د. رفاعي : هذا شأنك في أن تُحبي ما تريدين
هيلغا براون: أنا أحبك وحدك.. (تقترب منه وتلعب بخصلة شعره ثم تميل نحو شفاهه وتعانقه طويلاً)
أنا آسفة إذا كنت قد أغضبتك.. أنت تعرف رأي في أمور كهذه.. (تعود إلى مكانها)
د. رفاعي : لا عليك.. أنسي هذا الموضوع ودعينا نحتفل الليلة بنجاحك أيتها الزميلة الأستاذة
(
يضحكان ثم يتبادلان النخب)
هيلغا براون: في صحتك
د. رفاعي : (في نشوة) في صحة حبنا
(
يتعانقان، والموسيقى المصاحبة تضفي على المشهد إثارة إضافية مع إنارة تخفت تدريجياً حتى يعم الظلام والسكون فترة، تم يعود المشهد إلى ما عليه ويبدأ الحوار يأخذ طابع السخونة والانفعال تدريجياً)
هيلغا براون: مضت سنوات ثلاث ونحن هكذا نلتقي من أجل الجنس والطعام والكلام في الفكر والسياسة فقط دون أن نفكر بأنفسنا ومستقبلنا معاً.. عبد العزيز وإيفا.. أصدقاؤنا أحبا بعضهما، وتزوجا، وأنجبا طفلين والثالث على الطريق (تتنهد في ضيق وضجر) السماء والصداقة والحب والنبيذ والشموس، والغيوم وقمم الجبال.. الأزهار والأعشاب.. الأدب والفكر.. كلُّ الرومانسية لم تعد قادرة على إيقاف زحف العمر يا بروفسور..
(
تقف في مكانها وفي غضب ترفع من وتيرة صوتها تدريجياً)..
وأنا أنتظر طفلاً يسكن أحشائي تسعة أشهر منك. بت أكره الحلم والرومانس والكلام في الفكر والثقافة.. أحلم بالأمومة لمرة واحدة.. أحلم بطفل له سمرة وجهك وطول قامتك وذكاؤك (تبكي بحرقة).. أنت لا تشعر بي.. أنت متزوج وأب لفتاة، وزوج لامرأة منحتها شعور الأمومة. وأنا.. أنا ماذا؟.. مجرد عشيقة لا تنفع إلا للشراب والطعام والجنس.. المومس تتمتع بأمومة وأنا.. أنا ماذا؟ أريد أن أعرف أنا بالنسبة إليك ماذا؟
د. الرفاعي: الحبيبة والصديقة و.. و
هيلغا براون: (مقاطعة.. تصرخ بقوة) وأنا أرفض أن أكون كذلك.. أرفض أن أكون عاهرة.. أو سيدة مع وقف التنفيذ.. أريد أن أكون زوجة وأم طفلك.. أريد طفلاً منك
(
ترفع الوسادة وتنهال ضرباً عليه.. ثم تجهش في بكاء وعويل.. يحاول الدكتور تهدئتها بالقوة ممسكاً بها من ذراعيها.. بعد فترة سكون.. يشعل سيكارة، ويأخذ نفساً طويلاً منها الدخان يملأ المكان.. يقترب منها ثم يمرر أصابعه على وجهها وشعرها، وبهدوء يكلمها)
د. رفاعي : الطفل سيأتي.. بالحلال وسيكون جديراً بحمل اسمي واسمك.
هيلغا براون: قلتها مراراً.. وأنت تأتيني بالحرام.. أنت زان يا دكتور.. زان شرعاً.
د. رفاعي : (يصفعها بقوة فترتمي على الأرض.. يقترب منها ويساعدها على الوقوف ويضمها إلى صدره)
لا.. دعيني أعترف.. أنت من راودني.. (يطبطب على كتفها بحنان).. حبيبتي ستكونين لي زوجة شرعية أقسم والله يشهد على قسمي..
(
يحاول مسح دمعها.. تبتعد إلى مكانها على الصوفاية)
هيلغا براون: لن أتخلى عن ديني والزواج المدني يكفل ذلك في ألمانيا
د. رفاعي : ولكنه لا يكفل تعدد الزوجات، ولست على استعداد لهجر زوجتي أم ابنتي الوحيدة.
هيلغا براون: لأنها عربية
د. رفاعي : لا
هيلغا براون: أو لأنك تحبها
د. رفاعي : هذا شأني ولم..
هيلغا براون: (مقاطعة) وأنا؟!
د. رفاعي : أحببتك بكل كياني بشعور صادق فاق التصور، وارتباطي بك مرهوناً بـ
هيلغا براون: (تقاطعه) تقصد الدين والـ
د. رفاعي : (مقاطعاً ومتابعاً) الدين والعراق كلاهما يكفل ارتباطي بك.
هيلغا براون: العراق من جديد.. اسمع: العراق لك وحدك والزواج المدني يكفل زواجي منك
د. رفاعي : الشرع يسمح لي بتعدد الزوجات والعراق سأعود إليه
هيلغا براون: أتزوجك شرعاً بلا عراق ونبقى معاً هنا في ألمانيا بلدي
د. رفاعي : لا أخفي عليك سراً، هناك محاولات واتصالات تجري معي للعودة إلى العراق
هيلغا براون: (بانفعال) ليقتلوك.. وإن لم يقتلوك هم، ستقتلك الحرب الطاحنة بين إيران والعراق
د. رفاعي : (بانفعال) بلدي في حاجة لي والموت في بلدي شرف لي
هيلغا براون: عن أي شرف تتحدث؟ عن شرف حرب الخراب؟!
د. رفاعي : (يخرج عن هدوئه) أحذرك من أن تسخري
هيلغا براون: لم أعتد أن أسخر ممن أحب، وأنت تعلم حقيقة ذالك، أم من أجل نزوة حاكم مستبد حلم أن يكون جنكيز خان قاهر العالم، يبني إمبراطوريته على جماجم شعبه من العراقيين.. ها هي الحرب وقد حصدت آلاف القتلى، والجرحى والمشوهين والملايين الذين هربوا من نار الجلاد التي التهمت الأخضر واليابس... هربوا ليضربوا الأرض طولاً وعرضاً بحثاً عن ملاذ آمن؟! قل لي عن أي عراق تتحدث وأي عراق تريد الذهاب إليه؟! ( لا يجيب على السؤال.. بعد سكتة طويلة وهي تهز رأسها)
أنا سأقول لك لماذا تريد الذهاب إلى العراق وبصراحةٍ..
د. رفاعي : (بانكماش ودهشة) قلت لكِ العراق بلدي وسأسافر
هيلغا براون: كم دفعوا لك؟
د. رفاعي : (باستغراب) من؟
هيلغا براون: الذين اتصلوا بك، وأدخلوا في عقلك فكرة العودة
د. رفاعي : (يضحك) ها.. ها.. هم أهلي (ساخراً يمط في الكلام) و. و. ودفعوا آلاف الـ
هيلغا براون: (مقاطعة بانفعال.. تحاول التماسك) اسمع: سأقول لك شيئاً.. لست على استعداد لأخسرك.. أنا سأقبل بالدين الذي أنت عليه وأتزوجك، وسأمنعك من العودة كي لا تموت.. (بلطف) هم يريدون قتلك يا حبيبي.. نعم يريدون قتلك
د. رفاعي : من هم؟..
د. رفاعي : الذين اتصلوا بك
د. رفاعي : (غير مبال.. كمن يفطن لأمر ما) لم أسألك مرة عن دينك؟ عن طائفتك؟ عن.. أ.. هل أنت أرثذوكسية أم بروتستنتية أم كاثوليكية؟
هيلغا براون: بعد ثلاث سنوات علاقة.. حب وجنس وطعام وورود حمراء وتسأل؟..
(
تضحك).. وهذا الشمعدان الذي على الطاولة ماذا يعني لك؟
د. رفاعي : (يفكر ويقترب من الشمعدان ويتلمسه.. كمن يصعق) يا الله!!
هيلغا براون: وزوجة عبد العزيز أيضاً كانت يهودية
د. رفاعي : (يتراخى) في أمريكا.. هي مسلمة وتقيم مع زوجها
هيلغا براون: (متابعة) في أمريكا وأنا مستعدة أن أكون مسلمة وأتزوجك وأعيش معك حتى في أرض الشياطين عدا العراق..
(
تقترب منه وتمسح بيدها على صدره وشعره، وتقرب شفاهها من أذنه)
حبيبي.. قد أقتل نفسي، وأقتلك لو هجرتني.. أنت آخر من بقي لي في هذه الدنيا.. فلا تحاول أن تضع العراق بيننا لتهرب مني
د. رفاعي : (ينتفض واقفاً) لا.. لا.. العراق أولاً يا سيدتي..
هيلغا براون: (تقف بتحد أمامه وتصرخ بوجهه) وأنا لن أسمح لهم أن يأخذوك مني، ولو على جثتي..
د. رفاعي : لن أتزوجك، (تمر فترة سكون).
هيلغا براون: (بلطف.. تمرر أصابعها على صدره ووجهه وشفاهه) لا.. ستفعل أنا متأكدة
د. رفاعي : (يرفع يدها عن صدره ويمشي خطوتين ويلتفت إليها نصف استدارة).. ربما.. وربما لا
هيلغا براون: اسمع يا دكتور.. سأقول لك لماذا تريد الذهاب للعراق
د. رفاعي : لننه هذه القصة
هيلغا براون : لا.. ليس قبل أن أقول لك لماذا تريد الذهاب للعراق؟
د. رفاعي : أعرف ماذا تريدين أن تقولين
هيلغا براون: (تبتسم) أرسلوا في طلبك لأنهم في حاجة لخدماتك. مفاعل العراق النووي تنهي فرنسا الآن بناءه.. اختاروك سيد هذا المفاعل أليس كذلك؟
د. رفاعي : (مندهشاً) وكيف عرفتِ؟!
هيلغا براون: هذا أمر لا يهمك.. أنت حر الآن.. في أن تختار بيني وبين مفاعلك النووي.. بابي مفتوح لك وقلبي ريثما تنهي لحظة الخيار بيننا
د. رفاعي : هل هذا تهديد؟
هيلغا براون: سمِّه ما شئت.. سأفعل المستحيل كي أحافظ على حبيبي وزوجي وطفلي الذي سيأتي ولو بعد حين.
(
ينهض ويبتعد باتجاه غرفة النوم.. تلحق به بالوقت الذي فيه يتصاعد الرتم الموسيقي)
بائع الجرائد في صالة العرض يعلن:
بائع الجرائد:
آخر خبر.. اقرأ آخر خبر.. آخر خبر بواحد مارك
قامت مجموعة من الطائرات الإسرائيلية من طراز أف 16 أمريكية الصنع بقصف المفاعل النووي العراقي وتدميره تدميراً كاملاً. يا سلام.. يا سلام بمارك واحد بس.. إسرائيل تدمر المفاعل النووي العراقي.. الـ / دير شبيغل / .. الـ / ف ـ ا ـ ز ـ ويكلي / اقرأ بواحد مارك.. بس واحد مارك
ـ إظــلام ـ

المشهد الثالث
المكان: منزل هيلغا براون
المنظر : هيلغا براون أمام المرآة في الصالون تصلح من زينتها، وتجهز نفسها للخروج..
يقرع جرس الباب.. هيلغا براون تنظر من العين الساحرة.. تبدي بعض الارتباك.. تنتظر قليلاً مع شيء من التفكير والتساؤل الواضحين على ملامحها.. تفتح الباب.
ـ يظهر في الباب المحقق كونغسدروف
كونغسدروف: صباح الخير سيدتي
هيلغا براون: (تقدم نفسها) د. هيلغا براون سيدة المنزل وصاحبته.. السيد؟
كونغسدروف: (يقدم نفسه) أنا المحقق كونغسدروف من قسم المباحث في مدينة بون
(
يبرز بطاقته ويقدمها لهيلغا براون)
هيلغا براون: (تتناول البطاقة وتنظر فيها) أهلاً.. يمكنك أن تدخل الصالون لدقائق.. أنا آسفة لدي موعد مع الطبيب
كونغسدروف: وأنا على عجل... (يدخل الصالون ثم يبدأ في تأمل وتفحص المكان) الشقة جميلة والترتيب أجمل.. هذا ينم عن ذوق رفيع.. هذا الباب إلى أن يفضي؟
هيلغا براون: إلى المطبخ باتجاه الجنوب
كونغسدروف: سأدخله.. هل تمانعين؟
هيلغا براون: لا.. المنزل تحت تصرفك
كونغسدروف: لندخل المطبخ معاً
(
يشير لها أن تدخل أمامه.. يدخلان فترة ثم يعودان)
متى تزوجتما؟..
هيلغا براون: منذ ثلاثة أشهر تقريباً وأنا حامل منه
كونغسدروف: مبروك.. لهذا أنت على عجل ليراك الطبيب.. هذا طفلك الأول؟
هيلغا براون: نعم
كونغسدروف: هل كانت زوجته الأولى أقصد زوجته ذات الأصل العربي على علم بزواجكما؟
هيلغا براون: نعم
كونغسدروف: (يشير إلى باب غرفة النوم).. هذا الباب إلى أين يفضي؟
هيلغا براون: إلى غرفة النوم.. ومن ثم إلى الفرندا
كونغسدروف: تقصدين غرفة نومكما
(
صامتة لا ترد.. يشير لها أن تدخل أمامه.. يدخلان لفترة ثم يعودان)
كونغسدروف: وزواجكما كيف تمّ وأنت يهودية وهو مسلم.. أقصد هل كان زواجكما مدنياً؟
هيلغا براون: لا.. كان على الطريقة الإسلامية
كونغسدروف: هذا يعني أنك الآن مسلمة؟
هيلغا براون: هذا شأني.. (تنظر إلى ساعتها).. أنا آسفة الوقت لم يعد يسمح لي بأكثر من ذلك.. الطبيب بانتظاري.. تفضل (تشير له باتجاه الباب.. يتجه نحو الباب بأدب)
كونغسدروف: (بلباقة يعتذر) آسف على هذا التأخير.. سؤال على عجل
هيلغا براون: (قبل أن تودعه).. تفضل
كونغسدروف: ليلة الحادث قلت في التحقيق السابق بأنك كنت في زيارة لصديقتك إيفا القادمة من أمريكا لزيارة أهلها.. في ميونيخ هل هذا صحيح؟
هيلغا براون: نعم
كونغسدروف: وقلت أيضاً أن القطار العائد إلى بون قد فاتك بسبب تأخير وصولك إلى المحطة عدة دقائق عن موعد تحركه فاضطررت للانتظار ثلاث ساعات في المحطة؟
هيلغا براون: نعم
كونغسدروف: .. لماذا لم ترجعي إلى إيفا مباشرة، أو على الأقل تتصلي بها وتخبريها بما حدث؟ حتى زوجك لم تخبريه بموعد وصولك؟
هيلغا براون: (تحاول أن تبدو واثقة) حاولت الاتصال بإيفا عدة مرات ولم يجب أحد. قد تكون خرجت مع زوجها إلى مكان ما؟..
كونغسدروف: وزوجك؟.. هل اتصلت به ولم تجديه أيضاً؟
هيلغا براون: اتصلت بزوجي من المحطة، وأخبرته، وحددت له موعد الوصول.. الساعة السابعة صباحاً.. أعتقد هذا كله موصوف في التحقيق السابق يمكنك العودة إليه، وإلى مزيد من الأسئلة والأجوبة الموجودة فيه.
كونغسدروف: صحيح أنا آسف.. (قبل أن يخرج) برأيك من له مصلحة في قتله؟ زوجته لأنه تزوجك؟ أم.. أم (يتوقف قليلاً ثم يكمل جملته) أم أنتِ؟.. اوه.. على فكرة أرجو أن لا تنسى أن تذكرة القطار الثاني لم تقدميها لنا؟ وقدمت تذكرة القطار الأول فقط.
هيلغا براون: (بارتباك خفيف وهي تمرر يدها على شعرها).. ليس من عادتي الاحتفاظ بتذاكر السفر.. التذكرة الأولى صدفة بقيت في جيبي، أفادتني كثيراً.. يكفي أنها أكدت وجودي في ميونيخ في منزل صديقتي إيفا
كونغسدروف: آسف، شكراً لك، أنت ذكية جداً.. أعتقد أننا سنلتقي ثانية يا سيدتي.. (ينسحب)
هيلغا براون: بالتأكيد سنلتقي..
(
لنفسها وهي تأخذ نفساً عميقاً بعد أن تغلق الباب وتسند ظهرها عليه)
سنلتقي قريباً يا سيد كونغسدروف.. قريباً أعدك بذلك يا هولمز بون
بائع الجرائد في صالة العرض يعلن من جديد:
بائع الجرائد:
آخر خبر.. اقرأ آخر خبر.. آخر خبر بواحد مارك.. اقرأ يا سيدي الـ / دير اشبيغل /.. مقتل شرلوك هولمز بون.. المحقق كونغسدروف وجد مقتولاً في ظروف غامضة.. شرطي بون الكبير الذي دوخ زعماء مافيا مدينة بون بعد الحرب الثانية، يُغتال برصاصة في رأسه وأخرى في القلب. تصفح جريدة / الـ / ف ـ ا ـ ز ـ ويكلي / يا سيد.. في عنوانها الرئيسي جثة المحقق كونغسدروف كانت طافية في مياه نهر الراين.. التحقيقات الأولية تؤكد تورط جهات مسؤولة كانت وراء مقتل المحقق.. آخر خبر.. اقرأ آخر خبر بواحد مارك يا سيد..
ـ إظـــلام ـ

المشهد الأخير
أواخر حزيران من عام 1982
المكان : منزل هيلغا براون.. السيدة براون تقرأ وتُقلب في مجلة وإلى جانبها طفلها وفي فمه رضاعة الحليب جرس الباب يرن.. تنهض وتتجه إلى الباب وتفتحه.
في الباب يقف المحقق بوليرو..

بوليرو : (يقدم نفسه بلباقة) المحقق بوليرو.. من قسم مباحث أمن مدينة بون المكلف بمتابعة التحقيق بقضية مقتل الدكتور رفاعي.. (يقدم لها بطاقة التعريف)
هيلغا براون: (تصافحه وتُعرف بنفسها) أهلاً سيد بوليرو.. د. هيلغا براون.. تفضل
(
يدخل المحقق الصالون وهو يتلفت حوله.. يتجه نحو الطفل.. يحمله ويقبله ثم يداعبه)
بوليرو : الطفل جميل.. أسمر البشرة.. العينان زرقاوان.. (ينظر إلى أمه) له عيناك
هيلغا براون: (متابعة بابتسامة) وبشرة والده.. (تتأمل المحقق) أعتقد أننا التقينا سابقاً..
بوليرو : يخلق من الشبه أربعين
هيلغا براون: (تبتسم) تفضل.. تفضل وأجلس
(
تأخذ الطفل منه بينما هو يجلس، وتستأذن لتدخل الطفل غرفة النوم لوقت قصير
هيلغا بروان: (تبتسم وهي خارجة من غرفة النوم باتجاه المطبخ).. الحرارة في بون لم تعد تطاق
(
تدخل المطبخ وترجع حاملة صينية، وعليها كأسان من الشراب المثلج..)
تفضل.. قليلاً من الشراب البارد ينعش الجسم وينشطه في هذا الجو الحار نسبياً
بوليرو : شكراً.. الحرارة زادت عن الثلاثين.. بون لم تعرف هذه الحرارة منذ عشر سنوات على الأقل..
هيلغا براون: (تحبك شعرها بشريطة ملونة).. حرارة الكرة الأرضية قد ترتفع في السنوات العشر القادمة درجة واحدة على الأقل، وهذا خطر جداً.
بوليرو : هل هذا بسبب ما يشاع عن ثقب الأوزون؟.. / يشرب /..
هيلغا براون: ثقب الأوزون.. حتى الآن تأثيره غير واضح والمعلومات قليلة عنه.
(
تبتسم بعذوبة، وقبل أن ترتشف قليلاً من الشراب)
ما رأيك في حرارة الشرق الأوسط الآن؟.. أليست هي مرتفعة وتأثيرها واضح أكثر من ثقب الأوزون؟..
بوليرو :
(
يضحكان).. الحرب في لبنان مستعرة، وإسرائيل تحاصر بيروت، وتحرقها بالقنابل.. وأخبار عن مذابح مرعبة هناك
هيلغا براون: (متابعة) كالعادة يتهمون إسرائيل بارتكابها.. (يضحكان ويتابعان الشرب)..
بوليرو : (متابعاً) وهذا فخر.. أتمنى أن أذهب إلى إسرائيل يا هيلي.. هناك أعيش مع مُلَّتي في أرض الميعاد.. أرض الأجداد التي أغتصبها العرب منا منذ آلاف السنوات
هيلغا براون: (تتأمله من جديد) ألم أقل لك إني أعرفك!.. بولي
بوليرو : يُخلق من الشبه أربعين.. بولي.. أول امرأة تختصر اسمي.. حتى زوجتي لم تفكر يوماً أن تناديني ببولي..
/
يضحكان /
هيلغا براون: (متابعة حديثها).. هل سنعود جميعاً كما تقول التوراة يا بولي؟
بوليرو : حلمنا الأول تحقق.. أصبح لنا دولة.. وأرض.. وأحلامنا ستكمل طريقها، والظروف تقف معنا ويجب أن نستغلها بشتى الوسائل.. هي فرصتنا.. العرب ممزقون.. مقهورون والحكام العرب تائهون.. نائمون.. لاهون في ملذاتهم.. هي فرصتنا يا هيلي
(
يحك رأسه من تحت قبعته، وكمن يفطن الأمر ما)
ها.. هيلي.. طفلك العربي هذا؟ (يشير نحو غرفة النوم التي تخص الطفل) هل سيعود معنا؟
هيلغا براون: بالتأكيد أنه ابني وسنعود معاً (تقف في مكانها كمن فطنت لأمر ما وبجدية قوية)..
ماذا تقصد يا بوليرو؟!..
بوليرو : (بخبث).. لا.. لا أقصد شيئاً.. (بعد لحظة سكون).. لكنه من صلب الأغراب.. إنه من العرب، والعربي يتبع أباه في النسب.
هيلغا براون: إنه ابني يا بوليرو وأنا على ديني مازلت، والابن يتبع أمه في اليهودية!!
بوليرو : لولا أنهم لم يقتلوا أباه لكان الـ
هيلغا براون: (مقاطعة ومتابعة).. قتلوه ودمروا المفاعل النووي في العراق
بوليرو : لو أنهم لم يفعلوا ذلك؟.. لكانت إسرائيل غير موجودة الآن على الخارطة.
هيلغا براون: لا تصدق يا بولي.. هذه كذبة كبيرة اخترعناها.. يوماً ما سيملك العرب السلاح النووي كما تملكه إسرائيل وأكثر يا بولي
بوليرو : (متابعاً بانفعال) ولهذا كان يجب التخلص من الدكتور رفاعي، كان يخطط للعودة إلى العراق وإسرائيل ستستخدم كل الوسائل لتمنع أن يمتلك العرب السلاح النووي.. ها.. سيدتي نعد إلى حديثنا السابق
هيلغا براون: (بابتسامة).. لا يمنع.. عن ماذا كنا نتحدث؟.. نعم عن الحرارة و.. و.. (يقاطعها)
بوليرو : بل كنا نتحدث عن الطفل..
هيلغا براون: اعتقد الحديث بهذه المسألة انتهى يا بولي.. (ترفع كأسها) اشرب نخب انتصارنا الدائم
بوليرو : (بخبث وبهدوء مرعب).. لنشرب ولكن نخب طفلك .. أنصحك بالتخلص من طفلك العربي يا هيلي.. خاصة وأن الطفل لا يزال صغيراً جداً
(
يتلفت حوله.. يتناول وسادة)
هيلغا براون: (بفزع) لا.. لا يا بولي.. إنه ابني وحلمي ومستقبلي.. لا.. لا توجد أم على سطح الأرض تقتل ابنها إلا إذا كانت مجنونة.. لا يا بوليرو.. إنه ابني
بوليرو : ولكنه ابنهم.. ابن العرب.. ابن الأفاعي.. تخلصي منه وإلا ستندمين
هيلغا براون: هل هذا تهديد؟..
بوليرو : (ينهض واقفاً.. ثم يخطو خطوات) لنقل نعم..
هيلغا براون: أنت محقق من شرطة بون أم هم أرسلوك؟
بوليرو : (يهز رأسه) نعم.. أنا المحقق بوليرو هذا صحيح.. وهم أرسلوني وهذا صحيح أيضاً وهو سر مجيئي إلى هنا.. من أجلك، ومن أجل طفلك
هيلغا براون: (تتوسل إليه) بوليرو.. أرجوك هذا ابني.. أتوسل إليك.. لك ما شئت.. افعل بي ما شئت.. لدي حساب بالبنك ثلاثون ألف مارك مبلغ سيغنيك إلى الأبد
بوليرو : لا أستطيع.. حياتي أهم منك، ومن طفلك العربي
(
يناولها الوسادة بهدوء.. تتناولها بخوف وتتحرك ببطء نحو باب غرفة النوم.. تتوقف.. تنفجر بالبكاء.. تصرخ متوسلة)
هيلغا براون: أرجوك.. كيف أتخلص منه وهو ولدي. حملته تسعة أشهر.. إيه هم خططوا لكل شيء.. عشر سنوات يلاحقونه بواسطتي.. ثم أجبروني على الزواج منه.. أحببته بقوة رغم أني حاولت جاهدة أن أقاوم ذلك ولم أستطع..
(
تتذكر زوجها الرفاعي، وتتكلم بحزن وحسرة) كان إنساناً طيباً.. خلوقاً.. صبوراً.. عطوفاً.. ذكياً.. عالماً.. بارعاً مخلصاً يشهد له كل عارفيه، وفوق كل هذا كان جميلاً نبيلاً.. أحبني ولم يعرف أني يهودية، وعندما عرف زاد حبه لي وتزوجني حباً لا نزوة.. أحبني بكل جوارحه.. كان الأب والأم والزوج بالنسبة لي.. كان يبكي لمرضي.. يحمل الدواء لي.. يسهر من أجلي.. كنا نختلف كثيراً في السياسة في الفكر في الاقتصاد في حبه لبلده العراق.. لوطنه العربي.. لتراثه ومعتقداته.. لم يك صدامياً.. كان محاوراً رائعاً
(
تحتضن الوسادة كمن ترضع الأم طفلها وتبكي)
أردت منه طفلاً يذكرني به.. أعرف أنه مطلوب لهم.. وعندما تيقنوا أني حامل منه أمروني بالتخلص منه.. واحسرتاه لو لم أتزوجه وأحمل منه.. ليقتلوه هم وليس بيدي هاتين القذرتين
بوليرو : (مقاطعاً) كان خطراً على شعبنا لو بقي حياً..
هيلغا براون: ليقتلوه هم (تنفجر بوجهه) هم أجبروني على قتله.. (تصرخ بغضب) الكلاب أجبروني.. قتلته بيدي هاتين القذرتين.. نعم قتلته بيدي القذرتين..
بوليرو : (بخبث مقصود) وهاأنت تعترفين أمامي، وأنا المحقق بوليرو من شرطة أمن بون
هيلغا براون: نعم.. لم يعد يهمني إن عرفت أو لم تعرف، فأنت واحد منهم.. الكلاب أجبروني على قتله.. (تصرخ بقوة).. الكلاب أجبروني على قتله..
(
عودة إلى الخلف ـ Flash back ـ المشهد يرينا هيلغا براون، وهي تدخل خلسة المنزل ومعها اثنان من الرجال ملثمان يختفيان في غرف المنزل... هيلغا براون تتقدم من الدكتور الرفاعي النائم على الصوفاية، وتوقظه بهدوء.. الدكتور يهب بلهفة.. هيلغا براون تطبع قبلة على جبينه)
د. الرفاعي: هيلغا براون حبيبتي متى عدت؟ كيف ألم تخبريني بأن القطار قد فاتك و..
هيلغا براون: (مقاطعة باضطراب) كيف عرفت أن القطار قد فاتني؟ هل اتصلت بإيفا؟
د. الرفاعي: لا.. هل نسيت أنك اتصلت بي من المحطة وأخبرتني بأنك.. (ينظر إلى ساعة الحائط) ستصلين في السابعة صباحاً؟!.. لكنك وصلت في الثالثة والنصف تقريباً
هيلغا براون: (مقاطعة بابتسامة حذرة) هذا صحيح.. قلت لنفسي لن أنتظر ثلاثة ساعات أخرى.. لأصل في السابعة.. لدي خبر سار، ولا قدرة لي على الانتظار لإعلانه، فركبت سيارة أجره صغيرة خاصة. وها أنا في حضرتك يا صاحب الجلالة لإعلان الخبر السعيد
د. الرفاعي: (بلهفة وشوق كبير) يا صاحبة الجلالة.. أخبري عبدك الأسير بحبك.. الخبر اليقين (ينظر إلى ساعة الحائط) أنا حامل يا رفاعي.. حامل
د. الرفاعي: (بجنون) حامل..!!.. حامل
(
يدور حول نفسه وحول هيلغا براون، وهو يصرخ ويقفز بالهواء)
أريده صبياً.. أريده صبياً.. أريده فحلاً.. أريده عربياً.. أريده عراقياً..
(
يبكي بحرقة الملهوف) سنعود جميعاً إلى عراقنا، وصال وعفاف وهيلغا.. أنا الرفاعي.. أنا الرفاعي..
هيلغا براون: لا.. لا لن نعود
د. الرفاعي: (يصمت فجأة وبدهشة) لا.. ماذا تقولين؟!.. ألم نتفق على العودة؟
هيلغا براون: نعم.. هي هدنة كانت بيننا
د. الرفاعي: (مصعوقاً) هدنة؟!..
هيلغا براون: نعم وانتهت، وانتهى معها كل شيء (نلاحظ دموعها وقد بدأت تنهمر على خدودها) انتهى حبنا يا رفاعي.. هم أرادوا ذلك.. (تشهق بالبكاء)..
د. الرفاعي: لم أفهم ما ترمين إليه؟!.. من هم؟! عن ماذا تتكلمين؟!..
(
يقترب منها يمسكها من ساعديها بقوة.. يهزها)
من هؤلاء اللذين سمحت لهم كي يتدخلوا بيننا؟!.. من هؤلاء اللذين يريدون إفساد حياتنا؟ أصبحت حياتنا هدنة يا هيلغا!!.. كيف؟.. ولماذا؟!.. أكنت تنتظرين مني طفلاً فقط؟!..
وبعدها تمشين؟! هكذا وبسهولة.. لماذا؟ (يبكي بحرقة).. حبنا؟.. أحلامنا.. وكل ذلك كان كذباً.. كذب.. نعم كل شيء كذب.. أنتم يا معشر اليهود هكذا.. تكذبون.. تحتالون.. تقتلون.. وأنا.. أنا صدقت كل هذا.. كيف؟!.. يا لله (يترك ساعديها ويبتعد وظهره للخلف)
هيلغا براون: (بنحيب متقطع) مازلت أحبك.. إني أقسم بالرب ويهوه مازلت أحبك
د. الرفاعي: (مصعوقاً) يهوه.. أما زلت على دينك!؟ على كل هذا شأنك، ولكن لماذا تظاهرت بغير ذلك.. لماذا.. لماذا تزوجتني؟
هيلغا براون: هم أرادوا ذلك، ليست إرادتي
د. رفاعي : هم.. هم.. من هم؟
(
يدخل الملثمان ويمسكان بالرفاعي بقوة بعد كم فمه بأيديهم)
الملثمان : نحن.. لقد حان الوقت يا دكتور
(
يدخلان به غرفة النوم بينما تبقى هيلغا متسمرة في مكانها.. تسمع استغاثة الرفاعي.. بعد فترة يعود الرجلان أحدهما ينزع القناع عن وجهه نعرف أنه المحقق بوليرو..)
ـ يعود المشهد السابق
هيلغا براون: (بذهول تلتفت إليه، وتتأمله طويلاً) بوليرو المحقق؟!.. أنت من كان ليلتها..!
(
تغص بالكلمة فتخرج متقطعة) و. و.
بوليرو : (يضحك ضحكة طويلة) نعم.. أنا المحقق بوليرو.. أنا من كان ليلتها له شرف المساهمة في قتل زوجك
هيلغا براون: أيها القذر.. نعم أنت شريك بقتله.. بل قاتله.. جئت لتقتل ابنه أيضاً.
(
تهجم عليه.. يوقفها بقوة ممسكاً بيديها، ثم يهزها بعنف)
بوليرو : لا أنت من سيقتله يا هيلي كما قتلت أباه.. نحن كنَّا مجرد أدوات قتل.. هم من أمرونا بالقتل، .. نحن أدوات يا هيلي.. أدوات (يصرخ بقوة).. هل تفهمين؟.. اسمعي: سأخبرك خبراً ساراً (يمسكها من ناحية الذقن) الجماعة هم من أرسلوني إليك اليوم قبل أن تصل إليك شرطة بون وتقبض عليك.. هيا اتجهي إلى غرفة طفلك وأنهي الأمر.. لم يعد الوقت يسمح
هيلغا براون: لا.. لا ابني.. مجرمون.. قتلة.. قتلة.. قتلة
(
تهجم عليه تحاول ضربه.. يمنعها ويدفعها بقوة اتجاه الصوفاية فتتهالك عليها..
يمسكها من جزة شعرها.. يشدها إليه.. يقرب فمه من وجهها.. يضع القيد في معصميها.. يجلسها ويجلس مواجها لها.. يتناول أحد الكأسين ويقذف بمحتواه بوجهها)
بوليرو : حسن، مازلت ترفضين..فقد اعترفت بكل شيء وأمامي أنا الآن المحقق بوليرو من شرطة أمن بون..
(
يخرج بوليرو آلة تسجيل صغيرة من عبه.. ويسمعها بعض مقتطفات من حديثها.. بعد ذلك يفتح الباب ليدخل رجلين ملثمين يقومان بلصق فمها بورق لاصق عريض وهي تنظر ذاهلة إليهم وبعيون شاخصة.. يحملانها ويخرجان بها.. نلمح المحقق وقد خرج من غرفة النوم حاملاً الطفل..)
بوليرو : على ما أعتقد أن قضية الدكتور الرفاعي وصلت إلى طريق مسدود وأقفل الملف على أنه انتحار.. فعلاً انتحار (يضحك)..
(
قبل أن يغادر المنزل.. ينظر إلى صورة هيلغا براون المعلقة على الجدار)..
أنت هيلغا براون العظيمة التي نفذت بأمانة أوامر الجماعة..
إن قررت الجماعة موتك
فموتك سلامة لنا..
وبموتك نضمن صمتك إلى الأبد
دمك نهبه قرباناً للرب..
وابنك إن تقرر أن يحيا فهو لنا.. لنا ينتسب
سنهبه تعاليمنا، وسيكون له شأن.. وأي شأن
ـ إظـــلام ـ
ـــــــــ
(1)
ملف قضية الدكتور رفاعي بقي ثلاث سنوات مفتوحاً ثم أغلق على أنه انتحار. مازالت أسرته تعيش حتى اليوم في ألمانيا.
(2)
مصير هيلغا براون وابنها غير معروف.. ويعتقد أنه تم تصفيتها

العنوان : د.حمدي موصللي ـ الرقة
ـ سوريا ـ هاتف 228836ـ022
البريد الإكتروني الجديد :

hamdi.moslly@mail.sy