رُباعيةُ البابُ الشرقي

سهيل نجم 

1-أزقة

1
 بوابةٌ للموتِ وللمنأى.

2
................
.................
.....................
بمعاطِفِنا الدمويةُ
سنطيحُ بالمدينةِ، حيث القاعُ
فرصتُنا
كي نرمَّمَ ليلَنا القديمَ
يوم لم يكن إرثنا
غير...
دمعٍ وطين.

3
كانتِ الأزقةُ مفتوحةُ السوادِ
وليسَ سوى الأنصالِ
تتلمّظُ فاغرةَ الأفواهِ..
 تريدُ ابتلاعَ المدينةَ.

قال صاحبي: النجومُ سنلمُّها قلائدَ لعرائِسِنا 
المتيبساتِ على حبلِ الانتظار،
والكلابُ أصحابُنا الضالينَ
معهم سنبقرُ بطونَ الخزائنِ،
فغنِّي يا سمائي
 واشهدي.

4
تجددتُ الطلقاتُ. 
بجمودِها اختبأت شاراتُ المرورِ
وخرجَ الموتى إلى روائحِهم،
تُجرجرهُم أنيابَ كلابِهم الجريحةِ.
في الزاويةِ المقفلةِ من بابِ "كنيسة الأرمنِ"
أقعت أُنثى 
يعصرُها المخاضُ.
كان خيطٌ من الجنونِ
يتسربلُ من ثوبِها المدمّى.

5
تجاوزوا "البتاويين" إلى الجسرِ.
هناكَ فضَّوا بكارةَ الغنيمةِ
 وبكوا الصحاب.

2- اللُعبة

1
كأننا جئنا إلى لُعبتِنا
الأثيرةِ.
نبيعُ النهارَ على الأرصفةِ
ونعلّق الليلَ
على الأعمدةِ.
وقتُنا فرصٌ لخلطِ الأملِ
بالحزنِ.
وقتُنا رمادٌ نذروهُ
على الصحفِ البيضِ،
 وقتُنا ...كحل.

2
زُمرةٌ أخرى بادرتنا من الشرقِ.
تجمَّعوا خلفَ سورِ بغداد العتيق
حتى اقتحموا المقبرة.
هناك فلّوا بضاعتهم:
 جثثٌ وأعيرةُ نارٍ ونقود.

3
لا نريدُكِ أيّتُها البلادُ،
نتقاطعُ مع الجنِّ والموتى،
 كي نُكملَ الهبوبَ إلى الثمن.

4
كانوا ملثّمين مثلُنا،
ولا غالبَ غير العتمةِ والافتراس.
قال سيدُنا: كونوا فراغاً
كي يمروا،
وعند النفقِ انتبِهوا لأول النارِ.
خُذوا موتَهم بغتةً
قال سيدُنا..
 حين تأتيكمُ الإشارةَ.

5
من فرطِ فضاضتهِ
يطولُ الليلُ،
كأنَّ نجومَهُ دُقّت بمساميرَ
أو كأنّ الحراسَ
قد نسوا، من غفلتهم،
زرّ الفجرِ،
فاسترحنا عند "نصب الحرية".
تلفّعنا بأرديةِ الشحاذين وغفونا
في الحديقةِ،
لم نكن نعلمُ
أن أصحابَنا قد خططوا للانفرادِ
 بالغنيمة.

3- الثمن

1
كانت تهشُّ الكلابَ عن لحمِها
بينا تخورُ كالذبيحةِ.
جنونُها يعوي،
ويخترقُ الليلَ والرصيف.
جنونُها يقطعُ حبلَها السريِّ
 ويسدلُ على "ساحة الطيران" الستارة.

2
كأسطوانةٍ ندورُ.
التففنا حولَ "ساحة النصر"،
وكمنَّا لهم خلف تمثالِ "محسن السعدون".
كانوا يرتدون الموتَ
 بينا قلوبنا تحرقُها الضغينةُ.

3
عدتُّ إلى مأواي خلفَ مبنى العياداتِ.
في غرفةٍ في فندقِ "أضواء بغداد" المظلمِ.
أخذتُ قسطي من الأقراصِ
وأخفيتُ عدة الموتِ في ثيابي.
بينا أخذَ الرفاقُ قسطهمو من السُكْرِ
وتلمَّسنا طريقَنا إلى مضجعِ
 جارتِنا البلهاء.

4
في الدروبِ الآسنةِ تخبَّطنا.
كانت صدورُنا مفتوحةً
لسيوفِ العتمةِ والرصاصِ.
خلفُنا كانت رائحةُ الغدرِ
تجرجرُ قمراً نحو الهاوية.
تملَّكنا الخوفُ،
صارت يدي لا تعرفني.
كل لحظةٍ سؤالٌ ونهايةٌ ناضجةٌ.
أبصرتُ، 
كانت شواخصُ
"جدارية فائق حسن" قد هبطتْ
من مواضِعها
 وهبَّت تُلاحقنا.

5
كانت تربضُ بردانة.
ملتفَّةُ بالعتمةِ وبالخوفِ.
خُذي يا عروسُ طعامك
وشراباً يرويك،
خُذي يا فتاتي السعادةَ...
 وخُذي ... حذركِ. 
حين خرجْنا ضاحكين
كانت تسبحُ بالدم...
 جوعانة.

4-البخت

1
أنا عالقٌ في السوادِ
وأنتَ موغلٌ في الطمأنينةِ!
كلُّ ذلك اللمعانُ الأحمرُ
ينسابُ من شَعرِ المساءِ
وأنت تقترفُ النومْ!
يا بَختك!
خُذ إشارتي إذاً:
حين يضيقُ المدى
لا معنى للرموزِ
ولا معنى لانتظارِنا
 خلفَ جدرانِ السكينة.

2
دارت الأرضُ بي.
من أنتَ أيها الملثمُ المُسجى؟
سروالك أعرفهُ وقميصُك مخضبٌ!
أيُّها الربُّ: أعرفُ هذي الأصابعُ
وهاتين القدمين!
أيُّها الربُّ دُلني على الرأسِ!
 أيُّها الربُّ...دُلني.

3
عواءُ الكلابِ استدرجَ الضياءَ الأولَ.
سنلحقُكُم أمامَ "سينما غرناطة". قبل أن تنكسرَ
العتمةُ سنلمُّ دمَنا ونهرعُ نحو الجسرِ،
وفِّروا الرصاصَ لجولةٍ أُخرى. أقولُ لكُم
أنني ابتلعت موتي كالقططِ،
من هُنا مرَّت ظلالُهم، وهناك سيدفنونَ
سرّهم، فاطيعون، 
أنا الآن، لا سوايَ، ورغم صُغري، 
 ملاذكم الأخير.

4
لم يفهموا العبارةَ
فرميتُهم بذراعي،
ودخلتُ دجلةَ كأنني نبيٌّ
يدخلُ المغارةَ، 
أو كأنَّ ماءَه المسحورَ
بساطاً يطيرُ بي إلى الوادي الكبير
 متشبثاً بأحلامي القتيلة.

5 
كان الظلامُ الأخضرُ
يئزُّ تحتَ أقدامنا
وشممتُ رملَ النهرِ
 مخلوطاً بالخيانة.

تموز/2007