مسرحية

الصرخة أو تمرين مسرحي

 

    الشخصيات

1         ـ الممثـل

2         ـ المخرج

3         ـ الطبيب

4         ـ الام

5         ـ جنـود

 

            [تتوسط القبو دكة مدرجة تشبه قاعدة تمثال أفقية يتمدد الممثل عليها.. المنفذ الوحيد للقبو بوابة صغيرة على الجدار الأيسر عند أعلى يسار الخشبة.. يوصل بين البوابة و أرضية القبو سلم قصير بدرجتين أو ثلاث.. المخرج يتقدم من بين جمهور النظارة إلى حافة الخشبة الأمامية.. ينادي على فريق العمل معلنا بدء التمرين الأخير للمسرحية..]

المخرج : (بأمر) الممثل على الدكة (يأخذ الممثل محله على الدكة فيتمدد عليها) فريق العمل تهيأ (يستدير إلى الخلف.. يرفع رأسه قليلا ليواجه منفذ الإنارة)

 الإنارة.. ابدأ تدريجيا بعد بدء الصرخة.. حاضر؟.. إظلام.. (يظلم المسرح تمام اكشن  (تنطلق من خارج المسرح صرخة نسوية عالية)

صوت الام : لا.. لا تغلقوا باب القبو عليه (الضوء الوحيد الداخل من بوابة القبو يأخذ بالانحسار تدريجيا مع غلق البوابة وصريرها) ولدي مازال حيا (إضاءة تدريجية مركزة على الممثل) ولدي ما زال حيا يا ناس.. حيا.. يا... (يختفي صوتها تدريجيا حتى لا يكاد يسمع من قبل جمهور النظارة)

 الممثل    : (يبدأ بالاستيقاظ . يجلس ببطء . يرى الى الأشياء التي تحيطه ببرود) أظن أني سمعت صرخة أمي مرة أخرى ، تنطلق من الفراغ .. الى أعماق نفسي المسكونة بالموت .. ترى أهي صرخة حقيقية أم مجرد وهم .. وهم وحسب (صمت) من أين لي أن اعرف وأنا هنا وحدي مع هذه الأشياء الباردة.. ودون أن تكون لدي القدرة على ضخ الدفء اليها لتعترف أمام الجميع وتشهد أنها سمعتها مثلي.. إنني محاط بهذه الجدران الصماء التي تحول المكان إلى قبو رطب تتطاير من مساماته الروائح النتنة، ولا تسمح بدخول الصوت إلي (يتوقف مفكرا) أقلت أنها لا تسمح بدخول الصوت إلي؟ (حائرا) ولكني سمعتها وهي تخترقني كما تخترق قطرة ماء قطرة أخرى.. (صمت) تصوروا.. إنني أقنع نفسي أحيانا أنى سمعتها ممتزجة مع الصرخة الأولى لي وأنا أغادر ظلام الرحم إلى نور الحياة.. وفي أحيان أخرى.. لا أقتنع بأي شيء على الإطلاق.. لهذا عرضت نفسي على طبيب نفسي.. قال الطبيب (يقلد صوت الطبيب أو يسمعه دون أن يراه.. أو يحاوره كخيال ظل) ها.. حدثني بالتفصيل عن أغرب ما سمعت أو رأيت.. وحين حدثته قال:

  ـ        انك تتوهم كثيرا.

الممثل     : وكيف يتوهم الإنسان؟

  ـ        حين يصبح خياله أوسع من واقعه بكثير.

   الممثل     :ها ها ها ها... (امرني بإشارة منه بالتوقف عن الضحك)

  ـ        ابتلع ضحكتك وإلا اعتبرتك مجنونا.

الممثل      : يا سيدي..اعتبرني أي شيء.. فقط امنعها من اقتحامي على الدوام..

            صمت الطبيب وحدق في وجهي طويلا ثم قال ببرود

  ـ        انك مصاب بداء الصرخة.

الممثل      : داء الصرخة !؟ .. اهو مثل داء العظمة؟ ..صمت الطبيب وحدق في وجهي      ثانية وقال بالبرود نفسه.

  ـ         بل هو مثل داء الارتكان.. هم.. الآن حدثني عن نشاطاتك.. طبيعة تلك النشاطات.. أتحتاج إلى أوامر.. الى صراخ مثلا؟

الممثل      : نشاطاتي تحتاج إلى كل هذا وذاك.. فأنا أمارس نشاطي ممثلا في فرقة (يذكر اسم الفرقة التي تقدم المسرحية).. التمثيل يا سيدي نشاط حيوي لذيذ يشعرك بوجودك.. ويمنحك فرصة إثبات ذلك الوجود.. شخصيا.. لم اشعر يوما ولو للحظة واحدة انه نشاط متعب أو ممل.. لقد عشقته عشقا أثار حسد زملائي وجعلهم يتقولون علي ويتهامسون ظنا منهم أنني ادعي حب هذا الفن.. وأنني أبالغ في حبي وتمسكي بخشبة المسرح.. صدقني يا سيدي.. أنني لا اشعر بكينونتي إلا حين العب دورا مهما عليها.. أو ارقص أحيانا حين اشعر بحاجة كبيرة للتعبير عن ذاتي.. تماما كما فعل (زوربا) في كل مرة احتاج فيها إلى التعبير عما يريد، وعما لا يريد.. وطوال رحلتي مع الخشبة لم اشعر ابدا بالسأم أو الضجر.. ولكني في هذه المسرحية بالذات.. سئمت كثيرا مقاطعات (يذكر اسم المخرج) لي.. وهو مخرج المسرحية.. لقد تعود هو الآخر  على الصراخ.

            (الممثل يقوم بأداء دور المخرج)

  ـ           .. stop  .. توقف

الممثل       : أتوقف ؟ ! أتوقف لماذا ؟

  ـ         لماذا؟ .. بسبب أدائك طبعا.

الممثل       : ولكني أجسد لك الدور بطريقة لم يسبق أن جسده ممثل على خشبة هذا  المسرح. 

ـ           اتسمي هذا تجسيدا ؟

 الممثل      : ماذا اسميه إذن؟

  ـ         هذيانا.. أو ثرثرة.. أنك تقدم تمرينا أخيرا للمسرحية general prova  هل تفهم   ما يعني الـ general prova (الممثل لا يجيب) يعني.. أن في الصالة الآن جمهورا انتقيناه ليحدثنا فيما بعد عن عيوب المسرحية.

الممثل      : ليس هذا غرض التمرين.

  ـ         (متهكما) وما غرضه يا أستاذ!

الممثل      : غرضه تهيئة الممثل نفسيا وبدنيا للعرض أمام الجمهور المسرحي.. أما العيوب التي تتحدث عنها فيفترض انك تجاوزتها خلال التمرينات السابقة

  ـ         (غاضبا) هل أنا مخرج المسرحية أم أنت؟

الممثل      : بل أنت.

  ـ         إذن.. دع النقاش وأبدا العمل حالا.. ولا تنس.. أن ليس لهؤلاء الناس من الوقت ما يكفي لإضاعته في الاستماع إلى هذا الجدال العقيم.. هل أنت جاهز الآن؟

الممثل       : جاهز.

  ـ         الموسيقي جاهز.. العازف مع الإضاءة ابدءوا مع الصرخة (صمت قصير: Action.. اكشن (نسمع من خلال الظلام صرخة نسوية عالية موسيقى رقصة الساس العربية.. الممثل يؤدي حركات الافتتاح وهي حركات تعبيرية بطيئة يبدو الممثل خلال أدائها حزينا وهو يتحدى الخصم الذي يفترض أن يؤدي الرقصة قبالته بنظراته الثابتة.. يا (يذكر اسمه) الرقص تعبير عن الفرح الإنساني.. أنك بهذا الأداء تجبر المشاهد على ذرف الدموع.. الآن.. أبدا مرة ثانية.. وليكن رقصك مفرحا جدا (مقلدا صوت المخرج) الموسيقي جاهز.. إظلام  Action .. اكشن.. (موسيقى إيقاعية.. الممثل يؤدي رقصا تعبيريا.. حركاته تنم عن التحدي والصراع والزهو.. صوت المخرج يوقفه من خارج المسرح أو من خيال الظل)

  ـ                  stop .. توقف.. من أين جئت بهذه الحركات والإشارات.. أهذا ما دربتك عليه طوال المدة السابقة؟

الممثل      : نعم ولكني لم أتوصل إلى جوهره إلا الآن.

  ـ         إلا الآن !! في يوم العرض !!

الممثل      : هذا ليس يوم العرض يا أستاذ (يذكر اسم المخرج) إننا ما زلنا نؤدي تمرينا.. تمرينا مسرحيا..

  ـ        انك حقا ممثل متعب ومضجر.. لقد حددت لك شكل الرقصة واقتنعت بما حددت فلا تخرج كثيرا عما حددته لك.

الممثل      : أنا لم اخرج عن شيء.. ولكني لست آلة طيعة بيديك تديرها كيفما تشاء.. أنا ممثل.. ممثل مسكون بحب التمثيل.. ولهذا حين أطلق العنان لجسدي فانه يؤدي بالشكل الذي يراه مناسبا.. أليس الرقص فنا لغته الجسد، والإشارة، والإيماءة، والحركة؟ أليست هذه المفردات أبجدية هذه  اللغة التي هي أوسع واشمل من لغة الكلام؟ إذن.. حين لا أستطيع أن أجسد  لك موضوعة ما أو حالة ما فإني أطلق العنان لجسدي كي يرسم في فضاء المكان صوره الإيحائية الأكثر قدرة على المواءمة مع ما أحس واشعر.

   ـ        مشكلتك.. أنك متأثر جدا بذلك العجوز المتصابي انتوني كوين.. اخرج من جلد هذا المتصابي لكي تكون نفسك.. تخلص من تأثيراته لتخلق شخصيتك أنت.. الآن حاول ثانية (يصدر أمرا) إظلام ( يظلم المسرح) Action

             اكشن (نسمع الصرخة مرة أخرى.. الممثل ممدد على الدكة في وسط المسرح يجلس بسرعة تتناسب ورد فعله الطبيعي لسماع الصرخة لكن الطبيب الذي ظهر بشكل مفاجئ يشير عليه بالتمدد ثانية.

الممثل      : (مفاجأ).. م.. من.. أنت

الطبيب      : اهدأ يا بني.. أنت لست في العالم الآخر كما تظن وأنا لست ملاكا أو شيطانا أنا الطبيب.

الممثل      : الطبيب !! لم جئت إلى هنا!!

الطبيب      : لأعاين حالتك النفسية.

الممثل      : هل تراني مجنونا؟

الطبيب      : كلا.

الممثل      : إذن.. بإمكانك الرحيل.

الطبيب      : ليس الآن على الأقل.. فما يزال أمامنا متسع من الوقت (يمشي. . ثم) هم.. حدثني عن نفسك.

الممثل      : أحدثك عن ماذا وأنا مهووس كما يدعى مخرج المسرحية.

الطبيب       : (بغباء) إذن أنت مهووس يا ولدي.                                      

الممثل: )       يطلق ضحكة عالية.. يتوقف عن الضحك فجأة وهو يحدق في وجه الطبيب.. يتفرسه بغضب يتقد شيئا فشيئا.. تتشنج عضلات وجهه وهو يندفع باتجاه الطبيب ثم يمسك به بقوة..الطبيب يحاول الإفلات منه.. يصرخ الممثل صرخة قوية يترك الطبيب لينفلت منه وليرتكن إلى زاوية في المسرح.. يضحك مرة أخرى ضحكة هسترية وهو ما يزال يحدق متفرسا في وجه الطبيب)

الطبيب : (يقترب منه بحذر.. يبتسم له  اشهد الآن انك ممثل بارع ومبدع.

الممثل : (مندهشا) كيف.. كيف عرفت؟ !

الطبيب : إنها مهنتي أيها الممثل.. لن تنطلي اللعبة علي حتى حين تجيدها إجادة تامة..

الممثل : حسن.. حسن جدا.. والآن اسمع يا حضرة الطبيب.. أنا أؤدي دورا على هذه الخشبة

          فابتعد عنها بهدوء ، قبل أن يتدخل مدير المسرح أو منتج المسرحية.   

الطبيب : لا عليك أيها الممثل.. فأنا مكلف من قبلهما لأعاين حالتك النفسية.

الممثل : وما شانهما بحالتي النفسية؟

الطبيب : إنهما يخشيان من أن تكون مصابا بالمرض فعلا.

الممثل : أي مرض؟

الطبيب : مرض الصرخة.

الممثل : ولكن ذلك كان في نص المسرحية.

الطبيب : وأنا الآخر.. هل كنت في نص المسرحية حين كنت تحدثني عن الصرخة؟

الممثل : ها.. انك تحيرني يا سيدي.. هل.. هل تعتقد أني...

الطبيب : (مقاطعا) نعم.

الممثل : (باستكانة) وماذا ستفعل؟

الطبيب : سأعالجك طبعا

الممثل : كيف؟

الطبيب : أن تتجاوب معي حسب.. الآن تمدد هنا (يتمدد الممثل على الدكة) استرخ تماما.. أغمض عينيك وحدثني بهدوء عن صرختك (موسيقى هادئة أشبه بالتنويمة الموسيقية.. دائرة الضوء تعزل الممثل عن بقية أجزاء الخشبة).

الممثل : (مغمض العينين) عندما تسلمت أمرا بحفر خندق في موقع متقدم من جبهة القتال (يجلس) اصطحبت عددا من الجنود وقلت لهم وأنا أشير إلى المكان (يدخل الجنود من منطقة خيال الظل وهم يحملون المجارف.. الممثل يشير لهم على المكان ويكون الطبيب خلال هذا أو قبله قد اختفى) احفروا هنا.. كان السكون يخيم على المكان، وكانت المدفعية في حالة استرخاء تام وكذلك الدبابات والراجمات.. حفرنا إلى عمق نصف متر تقريبا..ومع الرفسة الأخيرة للمجرفة اشرأب رأسه من التراب فجفلنا.. ربما لإحساسنا برهبة الموت.. وربما لأننا رأينا وجوهنا تنعكس على وجهه المتآكل (صمت) بعد أن نفضنا التراب عنه جلس قبالتنا ببدلته التي هراها الموت.. أوقفوا  الحفر (يجلس الممثل قبالته) ماذا تستطيع أن تفعل بي.. أو ما الذي أستطيع أن افعله بك.. انك اعزل مثلي ومجرد من كل تطلعاتك الجميلة ولا بد  انك مسكون مثلي بصرخة أمك حين اخبروها بنبأ موتك.. مؤكد انك سمعت جيدا كما سمعت أنا أمي وهي تصرخ في وجه الموت (يسمع صرخة عالية فيغمض عينيه) تصورا أنني أغمضت عيني.. وحين فتحتهما كان أخي ممددا إلى جانبي.. فتحتهما مرة أخرى كان الآخر ممددا إلى جانبي أيضا.. ومن وقتها لم استطع فتح عيني.. كنت أخشى دوما أن أراني ممددا إلى جانبهما.. ومع ذلك فتحت عيني.. فتحتهما ما وسعني لأنسى رجفان الصرخة الذي يتشعب في أعماقي مثل كومة من أسلاك شائكة.. ولحظة تلبسني الخوف وسكنني الهلع وأنا أحدق في وجهه المتآكل.. قفزت من محلي ووجهت له رفسة كادت تهشم جمجمته كلها.. صرخ الجنود بي (يسمع صوت الجنود آت من منطقة خيال الظل).

  ـ    لا.. ماذا فعلت.. أتمثل بميت لا حول له ليرد عليك الرفسة بالرفسة.

الممثل  : انتبهت لنفسي.. خرجت من غيبوبتي وأنا أحدق في وجوههم وجها وجها.. وارى الموت في وجوههم وجها وجها.. وصرخت بهم..احفروا الآن.. لكن دوي الهاونات طغى على صوتي، وامتصه مثلما يمتص الموت رحيق الحياة (يقاطعه صوت المخرج آتيا من الفراغ)

ـ          …  Stop       توقف

الممثل  : بل أنت الذي يجب أن يتوقف ويتوقف صراخك المستمر هذا فأنا لا امثل الشخصية على المسرح مثلما تريد أنت بالضبط.. بل أعيشها لحظة بلحظة.. لان ما حدث لها رايته يحدث لي (الصوت لا يجيب ، فيستمر الممثل في حكايته) ارتفع الدوي، والصفير المفاجئ الذي ينذر بسقوط القذيفة قربنا.. حشرنا أنفسنا في الخندق الضيق الذي لم يكتمل بعد.. والقذائف تقترب شيئا فشيئا.. وشيئا فشيئا تنثر شظاياها من حولنا.. والشظايا تزغرد حين تدور حول نفسها بشبق جنوني.. تبحث عن فريستها.. عن الرجل الذي تخمد في جسده نارها الشبقية.. صرخت بهم احموا أنفسكم.. لكنهم لم يسمعوا (يستمر القصف والانفجارات مدة وجيزة. يطل أحد الجنود برأسه ليرى الجحيم الذي أمامه وهو يصرخ).

  ـ      رأسي تكاد تجن.. تكاد تجن (تطيح برأسه شظية فتسقطه أرضا ويتدحرج مبتعدا عن جسده)

  ـ      انه يركض خلف رأسه.. يبحث عنها حتى سـ.. (تتداخل الأصوات ثم تتوحد في صوت واحد).

  ـ      سقطت علينا قذيفة أخرى (صمت).

الممثل : (يسعل) دفنتنا في الخندق الذي حفرناه بأيدينا.. شعرت بالاختناق (يخرج يده فقط من تحت التراب) لم استطع أن أحرك يدي.. لم استطع أن أحرك أي عضو في جسدي (يخرج من الخندق ليروي بشكل اعتيادي) وإذ خمدت ثورة المدافع الوحشية جاءوا الينا.. سحبوا بعضنا خارج الخندق وجمعوا أشلاء البعض الآخر بالمجارف لان أجسادهم تشظت قطعة قطعة (قال الذي يتقدمهم).

  ـ    إنا لله و إنا إليه راجعون.. أرسلوهم إلى ذويهم وليرحمهم الله.

الممثل  : أنا حي أيها الوغد.. لماذا تعاملني كما تعامل الموتى.. لماذا تترحم علي.. أنا لم أمت بعد.. وسأشهد اليوم الذي أدفنك فيه بيدي هاتين (يعود إلى دوره كراو) لم استطع إخراج الكلمات من فمي.. حاولت مرة تلو أخرى ولم افلح (صمت.. ينهض) وضعوني في صندوق الموتى وساروا بي إلى هذا المكان على هذا النحو (مارش جنائزي.. يقلد مشية المشيعين) صرخت بهم ماذا تفعلون أيها الحمقى.. أنا حي.. أنا لست ميتا كما تظنون.. أنا.. وطغى على صوتي صوت حزين يؤبنني (يقلد صوت المؤبن فيتلو البيت الشعري على إيقاع مقام الركباني أو الحكيمي).

                  كل ابن أنثى وان طالت سلامته

                                                 يوما على آلة حدباء محمول

         وضعوني هنا (يتمدد على الدكة) قرأوا (الفاتحة) ترحما على روحي الطاهرة    وغادروا باكتئاب مهيب.. أحسست بالبرد يسري في عروقي.. يجمد قدمي ثم يتقدم نحوي رويدا رويدا.. فاستسلمت له.. ورحت في إغفاءة أزلية هادئة.. تغيرت صورة الحياة.. شحبت أنوارها.. وتوارى الحلم في عالم الظلمات.. واستقر الموت في جسدي (بصوت خفيض) إنني ميت منذ هذه اللحظة (ينخفض صوته أكثر فأكثر) إنني ميت.. إنني  (يسمع صرخة قوية مدوية فينهض مرة أخرى) أمي.. إنها أمي.. أمي التي طالما خشيت عليها من موتي.. تصرخ ملء فمها (تصرخ الأم مرة أخرى فيضع يديه على أذنيه متألما حتى يتلاشى صوت الصرخة.. يجلس.. يكمل حديثه) هكذا صرت مسكونا بصرختها أيها الطبيب.. أيها الطبيب !! أيها الطبيب !! لماذا اختفيت في اللحظة الحاسمة.. كنت سأخبرك بكل شيء.. ولكن لا.. لا.. لتأخذ الشيطان روحك القذرة وتلقي بها في أعماق الجحيم.. فما نفعك وأنت مخادع ومخاتل مثلهم تماما..

المخرج : stop .. توقف

الممثل  : أتوقف أيضا.. لماذا؟

المخرج : لخروجك على النص.

الممثل  : لم اخرج على النص.

المخرج : بل خرجت.. وأسأت إلى التزامك الخلقي.. ألا تعرف أن الخروج على النص يعني       الخروج على الخلق المسرحي؟

الممثل  : (محتدا) قلت لك أني لم اخرج على النص.

المخرج : إن كنت كما تدعي فمن أين جئت بهذا الطبيب الذي رحت تكيل له السباب والشتائم؟

الممثل  : كيف صعد إلى خشبة المسرح إذن (المخرج لا يجيب) أنا أقول لك.. السيدان منتج المسرحية ومدير مسرحك هما اللذان سمحا له بالدخول.. أتعرف لماذا؟

المخرج : لا.

الممثل  : ليعاين حالتي النفسية.

المخرج : منتج المسرحية، ومديرها لم يسبق لهما أن تدخلا بما لا يعنيهما.. ثم  ألا ترى إنني لم أغادر الصالة أبدا.. ها.. كيف تسنى للطبيب المزعوم أن يصعد إليك؟

الممثل  : لا ادري.

المخرج : ألم اقل لك بالأمس انك صرت تتوهم كثيرا.. وان خيالك صار اكبر كثيرا من

           واقعك.  

الممثل  : يا الهي !! أنت تكرر الكلمات التي قالها الطبيب.

المخرج : هذه كلماتي أنا يا (فلان) وليست كلمات الطبيب كما تزعم.. ها.. هل اقتنعت الآن انك خرجت من النص إلى الوهم؟

الممثل  : ( مترددا ) أ.. أ .. أظن ذلك.

المخرج : الآن ارجع إلى النص.. وابدأ من حيث انتهيت.. جاهز.. Action  اكشن

 

الممثل  : (من على الدكة) ورحت في إغفاءة أزلية هادئة.. تغيرت صورة الحياة.. شحبت أنوارها.. وتوارى الحلم في عالم الظلمات.. واستقر الموت في جسدي.. إنني ميت منذ هذه اللحظة (يختفي صوته تدريجيا) إنني ميت.. إنني (يقاطعه صوت من خارج المسرح مضخما الصدى)

  ـ      انقضى أجلك فاصمت مت مت مت

الممثل   : (يقفز من فوق الدكة منتفضا) لا.. لم ينقض اجلي بعد (يتقدم الى الحافة الأمامية للخشبة) لن تتوقف أنفاسي ولي قلب ينبض بالحنين إليها.. لن يدركني الموت وأنا ما أزال احن إليها.. احن (يغني المقطع الأول من أغنية مارسيل خليفة)

          [احن..إلى خبز أمي وقهوة أمي ولمسة أمي وتكبر في الطفولة يوما على صدري

            يوما واعشق عمري لاني إذا مت اخجل من دمع أمي آه.. من دمع أمي]

الأم       : (تظهر في وسط المسرح مثل ملاك.. ملامحها غير واضحة بسبب الإنارة الراسية الخافتة.. تظل في مكانها لا تبرحه حتى ينتهي دورها.. أو تتحرك حركات مدروسة من قبل المخرج لتعود إلى وقفتها الأولى وتختفي بالطريقة نفسها التي ظهرت فيها) الله.. ما أجمل صوتك يا ولدي.

الممثل    : ( بدلال ) أمي.. أنت تعرفين أن ليس لي صوت جميل.

آلام       : بل صوتك جميل، وحنون يا ولدي.. إيه كل ما أتمناه لنفسي بعد هذا العمر الطويل أن اسمع صوتك على الدوام.. على الدوام.. لم يبق لي من حطام الدنيا غير صوتك الجميل.

الممثل    : ومن لي غيرك يا أمي؟

الام       : سيكون لك غيري يوما ما.

الممثل    : أمي.

الام       : الست تحبها يا ولدي؟

الممثل    : اجل.

الام       : وستقترن بها.

الممثل    : اجل.

الام       : إذن ليبارككما الرب.. وليحفظكما من كل سوء.

الممثل    : لكني يا أمي...

الام       : (مقاطعة) لكنك ماذا يا ولدي.

الممثل    : (بسرعة) لن اقترن بها أبدا.

الام       : ولماذا يا ولدي؟

الممثل    : لأنني.. لأنني (ينتبه لنفسه) لا.. لا شيء على الإطلاق.

الام       : لا شيء على الاطلاق؟

الممثل    : أمي.

الام       : إن لم تقل لي ما الذي يضايقك الآن فسأغضب منك ما حييت.

الممثل    : لا تغضب يا أمي سأقول (يتوقف مفكرا) منذ قليل وأنا جالس هنا راودني إحساس غريب ومخيف.

الام      : وما ذلك الإحساس يا ولدي؟

الممثل   : إحساس يلح علي أن.. أن.. أن أودعك الوداع الأخير.

الام      : لا.. لا تفعل هذا أرجوك.. لقد  صبرت وتحملت.. أعطيت وضحيت ولكني لن اسمح أن تودعني أنت الآخر الوداع الأخير.

الممثل   : والأرض

الام      : أكرمتها كما ينبغي لام أن تكرم أمها (مستذكرة) قالوا لي ما قولك يا أم أن نحن قلنا لك أن  ابنك الأول استشهد في الحرب.. قلت هو فداء للوطن.. قالوا ما قولك أن قلنا أن ابنك الثاني استشهد في الحرب.. قلت هو فداء لكم.. قالوا وما قولك أن قلنا أن ابنك الثالث...  قلت لا.. لا أريده ميتا.. انه آخر من تبقى لي.. لأجله أعيش وبدونه لن يكون لحياتي معنى.

الممثل   : لأجلك يا أمي أقاوم الموت الذي يتلبسني الان كما يتلبس الليل النهار (يبتعد عنها باتجاه الصالة) لأجلك لن اسمح له أن ينشب أظفاره في جسدي كما أنشب أظفاره في جسدي ولديك.. لأجلك.. لن ادعه يتمكن مني كما تمكن من أبي لحظة فجعوه بولده الأول.. فلتباركيني، ولتزيحي  عني هذا الكابوس الذي أحسه طوال الوقت جاثما على صدري.. أمي.. أمي.. هل تسمعينني يا أمي (يلتفت إليها فلا يجدها) يا الهي !! هل بلغ بي الوهم هذا الحد؟ !

          لا.. لا.. أنا لم أتوهم.. أنا.. (يقاطعه صوت من خارج المسرح)

ـ        بل انك تتوهم

الممثل   : من؟ صوت من هذا؟ الطبيب أم مخرج المسرحية؟ (يتوقف عن التمثيل ، ينادي على المخرج) يا أستاذ.. أستاذ (فلان) اعذرني لتوقفي واجبني أرجوك.. هل كانت والدتي هنا؟

المخرج  : (وهو في الصالة) وهل سبق لي أن رايتها أو تعرفت عليها؟

الممثل   : لكنها كانت هنا (يشير إلى المكان) منذ برهة.

المخرج  : (غاضبا) لم يكن هنا أي مخلوق غيرك.. ولم اسمح بالصعود إلى الخشبة لأي كان.. هل فهمت؟

الممثل   : فهمت.

المخرج  : (مهددا) إذن أكمل دورك دون أن تتوقف ولو للحظة واحدة.. ها.. جاهز؟

الممثل   : (باستسلام) جاهز.

المخرج  : Action .. اكشن

الممثل   : مرة أخرى أصابت المدافع، والراجمات نوبة من عصّاب الحرب فانهالت علنيا بقصفها العشوائي.. واستطاعت الشظايا التي تناثرت أسفل التل  ثقب مقطورة الماء وقطع سلك الاتصال الرئيس فتوجب علي إيقاف نزف الماء، وإعادة الاتصال.. انتظرت انفلاق القذيفة التالية.. وإذ انفجرت مدوية هرعت إلى أسفل التل (يستمر صوت الانفجار، والصفير) عضضت طرفي السلك وبرمتهما على بعضهما.. قفزت إلى المقطورة فحشرت في ثقبها قطعة خشب، وعدت متحاشيا الموت بقفزة أسلمتني إلى.. داخل الخندق (يمكن أن يقوم الممثل بالتمثيل الصامت عوضا عن الحوار المنطوق في عمليتي تصليح سلك الاتصال والمقطورة ثم يلتقط بعد أن يصل الخندق جهاز الهاتف اليدوي ويرد عليه بأنفاس متقطعة) آ.. لو.. الو.. أ.. نا.. ما زلت.. حيا.. لم اصب بأذى.. صوتي متقطع.. لأنني جريت.. بأسرع ما يمكن (صوت انفجار مدو تتبعه صرخة قوية) الو.. الو .. الو... واختنق الصوت في السلك.. أطفأت القذيفة نارها في جسد الجندي الذي أحببت فخمدنا جميعا (يمسح دمعته) أنا، والمدفعية، وقلبه العاري (يبكي بصمت. ثم) قد لا تصدقون أن الواحد منا حالما تستقر الشظية في جسده فان شريطا من الصور المشوشة تمر بسرعة هائلة أمام ناظريه.. صورة الأم .. الحبيبة.. الأولاد.. الجميع تترى صورهم على ذلك الشريط بلا توقف.. ها.. تذكرت.. عندما جرحت في المرة الأولى فان أول صورة حضرتني هي صورة أمي.. وعندما جرحت في المرة الثانية لم أر شيئا لاني غبت عن الوعي.. وفي المرة الثالثة، والرابعة، والخامسة، والسادسة (يسمع صوت احتجاج وعدم تصديق من قبل جمهور النظارة) ماذا.. يبدو أنكم لا تصدقون.. هل تريدون أن اكشف لكم عن جسدي حتى  تصدقوني.. أنا متأكد أنكم ستقولون أن هذا ليس بشرا.. بل قط بسبع أرواح.. وستقولون أيضا.. هذا ليس جسدا بل مجمع للشظايا.. ولكنها الحقيقة.. صدقوني أنها الحقيقة (ينظر في وجوه الصفوف الأولى من المشاهدين) لا أحد منكم يريد أن يصدق.. حسنا.. أنا لا ألومكم أبدا (يسمع صوتا متسائلا) لماذا؟ لان الذين سحبوني من الخندق وهم أكثر معرفة منكم بكل جراحي لم يصدقوا إنني حي.. فكيف تصدقون انتم.. (صمت) حبيبتي وحدها التي تصدق أنني إنسان شبه خرافي يقاوم جراحه وموته بتفوق سحري لم يبلغه أحد من السابقين أو اللاحقين.. تصوروا أنها قالت لي مرة وأنا أراقص من في الأسرة في حفل عائلي.. أما آن لك أن تهتم بجراحك يا ابن أوروك (يتحدث وكأنه يحاور حبيبته فعلا) أو تخافين علي من جراحي..

  ـ      أن كانت كل حبيبة تخاف على حبيبها.. فأنا الوحيدة التي لا تخاف عليك.

  ـ      (صوت مضخم من خارج المسرح) انقضى أجلك فاصمت مت مت مت.

الممثل    : (بتحد) لن اصمت.

  ـ      أنت ميت الآن وهذا قدرك رك رك رك.

الممثل    : قدري أن أحيا.

  ـ      بل قدرك أن تموت موت موت موت.

الممثل    : سأقاوم الموت.

  ـ      وستنهار سهار سهار سهار.

الممثل    : (بتصميم) لن انهار أبدا (يصمت. يفكر) ولم لا انهار ومقاومتي مرهونة بهواء هذا القبو المغلق ها؟ هذا يعني أنهم محقون وأنني سأموت فعلا (يصمت.. يتذكر.. ينادي بصوت منخفض أول الأمر) أمي.. أمي.. (يرفع صوته) أمي.. هل تسمعينني يا أمي.. كنت دوما تقولين لي أن نبضك مشدود إلى نبضي، وقلبك مشدود إلى قلبي.. قولي لهم إذن إنني ما زلت حيا.. لياتو وليفتحوا باب هذا القبو حتى لا يتمكن مني ظلامه الرهيب.. حتى لا يخنقني جوه الفاسد المميت.. حتى... (يصمت فجأة) ترى هل ستأتي قبل نفاذ آخر ذرة من الأوكسجين (ينتفض إذ يحس بالموت قريبا منه) لا.. لن أموت بهذه السهولة.. سأحيا، وسأخرج من هذا المكان الموحش، وسأملأ صدري بالهواء النقي.. سأعيش.. نعم سأعيش (يصمت مفكرا) أعيش؟ لماذا ها؟ لأحارب ثانية؟ أم لأقتل ثانية؟ (بغضب) اللعنة.. اللعنة على حرب لا تعرف غير القتل، والدم، والضياع.. أي قدر لعين ساقها إلينا.. فأنزلت جحيمها الملتهب على قلوبنا الباردة.. لكنني لن أموت.. لن ادع هذا المكان القذر يحطمني.. سأتحداه كما تحديت جراحي من قبل فأنا على الرغم  من كل شيء لن ادع مكانا  كهذا يقتلني.. فقط.. أريدها أن تصل.. أن تقنعهم أنني حي.. آه يا أمي (يتعذب) أقنعيهم  يا أمي قبل فوات الأوان.. أنا اعرف انك تسمعينني وتحسين بما أحس وتحاولين معهم المرة تلو المرة.. ولكن الوقت يمر.. وشبح الموت يقترب.. وما أخشاه هو أن تفقد مقاومتي إصرارها بالوقوف في وجه هذا الشبح الكريه (ينظر إلى الفراغ البعيد) يا الهي !! (مندهشا ومستغربا) إنهما شقيقاي.. وذاك الذي يقف قربهما والدي.. ترى ماذا يفعلون هناك في عمق الفراغ الكوني (يحدق مليا) انهم يشيرون.. ولا اعرف إلى من يشيرون.. أتشيرون علي.. أن اتبعكم؟.. إلى أين؟ .. الى أعماق ذاك الفراغ الرهيب (ينتفض) لا (ينسحب إلى الوراء) لا.. لا يمكن.. أنا حي.. أما انتم فمجرد صور مضطربة لمخيلة مشوشة (ينفض رأسه) اصح اصح يا (فلان) لا تستسلم لهذه الصور الشاحبة.. تذكر ما قالته فتاتك  مرارا.. إن اظطررت للقتل فاقتل.. ولكن اقتل من؟ وأنا لا خصم لي غير هذا الموت الذي يتعنكب حولي.. آه.. كم كرهت أن يكون خصمي لا مرئيا.. وكم تمنيت لو أنني أقابل خصومي وجها لوجه على طريقة أسلافي القدامى حتى أراهم   فأجهز عليهم أو يجهزوا علي.. أفضل ألف مرة أن أموت بطعنة من خصمي على أن تقتلني شظية عمياء ( يتجشأ. يحس بالاختناق) يا الهي.. أحس أن هواء هذا القبو قد نفد تماما.. وان ما أتنفسه الآن  لا يعدو كونه ذرات مسمومة مشبعة بثاني أكسيد الكربون.. لقد قاومت كثيرا ولم يبق إلا القليل وتأتى النهاية المحتومة.. لا.. ليس مثلي من يستسلم بهذه السهولة.. ستصل والدتي بين لحظة وأخرى.. وستجبرهم على فتح هذه البوابة اللعينة (يصمت. يفكر. يتعذب) ولكنها تأخرت كثيرا.. كثيرا.. آه.. اشعر بانقباض في صدري ومعدتي.. ولا أكاد أرى بعيوني غير شبح الأشياء التي حولي.. إنني.. إنني... (يغمض عينيه مستسلما للموت.. يتخذ نفس الوضع في بداية المسرحية.. يسمع صرخة أمه من جديد فيصحو.. يستمر صراخها، وعويلها وكأن هذا الصراخ، والعويل استمرار للصراخ في بداية المسرحية.. يجلس ببطء محاولا الاتكاء على مرفقيه) أظن أني سمعت صرخة أمي مرة أخرى تنطلق من الفراغ.. إلى أعماق نفسي المسكونة بالموت.. ترى.. أهي صرخة حقيقية أم مجرد وهم.. وهم وحسب..

صوت الام: أسرعوا أتوسل إليكم.. افتحوا هذه البوابة الرهيبة.. لست مجنونة كما تظنون.. إنها الحقيقة يا ناس.. ولدي ما زال حيا.

الممثل   : (يحاول الصراخ وهو يمد يده صوب البوابة.. يتجه بكليته اليها.. يصعد درجات السلم بصعوبة.. يضرب على البوابة عدة مرات)

صوت الام: (مضخما) ولدي.

الممثل  :   (يتكلم بصعوبة) أنا.. ما.. زلت حيا.. يا أمي

المخرج : (يقفز من الصالة إلى المسرح ).. توقف.. (يصعد إلى الخشبة)

الممثل   : أتوقف !! لماذا؟.. المسرحية لم تنته بعد.

المخرج  : بل انتهت عند هذه الجملة.. حذفت ما تبقى من النص لاني لا أريدك أن تموت على الخشبة (يلتفت إلى الجمهور) أعزائي الحضور.. لقد انتهت المسرحية (تطفأ الأضواء).

 

إظلام