صباح الانباري  

من غير المسرح لن تكون لنا نهضة

                                     

 

حاوره سعد محمد رحيم

   في السبعينات من القرن المنصرم بدأ صباح الانباري حكايته مع المسرح  مخرجا ،غير أنه لأسباب شتى ترك الإخراج واتجه إلى التأليف فكتب عددا من الدراسات النقدية الخاصة بالمسرح أبرزها كتابه "البناء الدرامي في مسرح محي الدين زنكنه "الصادر في بغداد، في العام 2002. و أنجز عددا من المسرحيات الصائتة و الصامتة حيث اصدر مجموعتين من المسرحيات، الأولى هي "طقوس صامتة" في بغداد، في العام 2000، فازت بجائزة الإبداع العراقية للعام نفسه. و مجموعة "ليلة انفلاق الزمن" في دمشق، في العام 2001و تضمنت مسرحيات صامتة، و هو النوع الذي تميز بكتابتها بشهادة النقاد عن المسرح ، وهمومه وآفاقه سألنا الانباري فأجاب .

       هل تفكر بالعودة إلى الإخراج المسرحي وكيف ؟ 

ـ الحروب التي شغلنا بها النظام السابق ، واظطراب الوضع السياسي والامني على مدى ثلاثة عقود ، والوضع الاقتصادي المتردي لقطاعات واسعة من الشعب العراقي ، ونحن منها ، وسلطة الرقيب وإقصائه للمسرحيات المبدعة وتغييبه لمبدعيها لم تترك لنا فرصة العودة لإكمال مشاريعنا الثقافية والفنية . لقد مر زمن طويل على آخر عرض مسرحي أخرجته لخشبة المسرح بإمكانيات متواضعة جدا .ففي مدينة كمدينتنا تحتاج إلى أن تدرب الممثل الهاوي تدريبا يؤهله للصعود على الخشبة أولا ثم تباشر بالعملية الإخراجية ، بعد ذلك ، ثانيا . الآن وفيما بعد لا يمكنني القيام بكل تلك الجهود كما كنت افعل دوما ، وقد تركت لنفسي أن تحلم بمسرح مشيد بطريقة تجعله مؤهلا عمرانيا وفنيا وبزمرة من الممثلين الموهوبين حتى تستطيع مباشرة مهمتها في الإخراج من النقطة التي وصلت إليها لا من نقطة الصفر كما كان يحدث من قبل .

        لماذا اتجهت إلى كتابة المسرحية الصامتة "البانتومايم" وهل سيكون لهذا النوع من الكتابة مكانة في عالم الأدب ؟  

  ـ بعد اطلاعي على عدد غير قليل من السيناريوهات التي كتبت على أساس تقديمها كعروض صامتة على خشبة المسرح تولدت لدي فكرة جعلها قابلة للقراءة الأدبية كما هو حال المسرحية الصائتة . لقد استطاعت المسرحية الصائتة تجنيس نفسها أدبيا على مر العصور حتى دخلت بشكل فعلي وعملي إلى حيز الأدب وصار لها مذاك حقلا أدبيا خاصا لا يقل شانا عن حقول الأدب الأخرى . وقد آن الأوان لتأخذ المسرحية الصامتة مكانتها على رفوف الأدب المحلي والعالمي . لقد اتجهت . إلى كتابة المسرحية الصامتة أولا لكونها ما تزال جنسا أدبيا بكرا ولأنها استطاعت أن تلم شتات أنشطتي الأدبية والفنية البكر التي ابتدأت بها ولم اكمل مشواري معها كالشعر والقصة القصيرة والرسم والفوتوغراف .

أن مجرد اطلاعك على واحدة من مسرحياتي يجعلك تعرف سر هذا البديل الموضوعي ، فعلاقة الشعر بالمسرحية علاقة صور يشتغل الشعر على تكثيفها بينما تشتغل المسرحية الصامتة على منطقتها ، وعلاقة القصة القصيرة بالمسرحية الصامتة علاقة مبنية على أساس اعتماد الجنسين على حكاية أو قصة تسرد في الأولى وتأخذ شكلا دراميا في الثانية . أما الرسم والفوتوغراف فتتمثل علاقتهما بالمسرحية من خلال عنصري التكوين وتوثيق اللحظة الزمانية على خشبة المسرح . فالصورة على الخشبة هي توثيق للحظة من لحظات الحدث في وحدة زمنية صغيرة نسبيا . وهذا يعني إنني على العموم اهتم في مسرحياتي الصوامت بشاعرية الصور الأدبية ووثائقيتها واقتناص أي لحظة درامية من عمر الزمن . ما يؤسفني هنا حقا هو إن الحرب الأخيرة ساهمت في تأجيل صدور مجموعتي الصامتة"ارتحالات في ملكوت الصمت"  لان صدورها بشكل مجموعة تعزز موقع المسرحية الصامتة بين الأجناس الأدبية الأخرى وسيجعل لها مكانة متميزة بعض الشيء ، وسيفتح الآفاق عليها ولا اكتمك سرا إنني متفائل جدا بمستقبل المسرحية الصامتة .

        هل تعتقد إن المسرح سيساهم خلال المرحلة المقبلة في نهضتنا الثقافية ؟

ـ هناك قول له من الشهرة ما له من التأثير الفعلي على الواقع . قول يختصر لك الإجابة إلى اكبر حد"اعطني خبزا ومسرحا أعطيك شعبا مثقفا" ولكني مع ذلك أضيف لك قائلا إن أي نهضة في أي أمة لا يمكن أن تقوم على ارض الواقع من غير أن يكون للمسرح دور في تلك النهضة .

       نشرت كتابا نقديا / ووثائقيا عن الكاتب المسرحي محي الدين زنكنه ، هل في نيتك إعادة الكرة مع كاتب  آخر من هو ؟

ـ نعم سأعيد الكرة ثانية وثالثة ورابعة .

ففي مسرحنا العراقي بشكل خاص وفي مسرحنا العربي بشكل عام عدد من الكتاب المبدعين الذين يستحقون عناء تأليف كتاب أو اكثر عن أدبهم الثر ، وقد بدأت فعلا بدراسة أعمال بعض المبدعين الذي لن أعلن الآن عن أسمائهم حتى يتم لي ذلك .

أما عن الكتابة النقدية فأنني بدأت بها قبل أن أبدا بكتابة نصوصي المسرحية لقد حللت اغلب ، إن لم اقل كل مسرحيات محي الدين زنكنه ، وقرأت اغلب العروض المسرحية الجادة قراءة نقدية متأملة ، وقمت بغربلة النصوص العالمية لفرز الجيد منها والرديء وكتبت عددا غير قليل من النقود وباختصار شديد ان النقد المسرحي فتح امامي آفاق الكتابة المسرحية وكشف لي أسرارها وخفاياها ومنحني أدواتها ومفاتيح مغاليقها فدخلت إلى عالمها من باب واسع قذفت بي إلى ضفاف الإبداع منذ أول مسرحية نشرتها في مجلة الأقلام عام 1993 وهي المسرحية التي فازت بالترتيب الأول آنذاك .

       هل فكرت بتكوين فرقة مسرحية خاصة ؟

وهل في نيتك العودة إلى التمثيل .. .. لماذا ؟

ـ في السابق كانت لي فرقة مسرح بعقوبة للتمثيل . أم الآن فانشغالي بتجنيس المسرحية الصامتة أدبيا ، وإصراري على كتابة النقد ، وممارستي مهنة التصوير الفوتوغرافي وقيادتي لجمعيته وأمور أخرى غيرها لم تدع لي فرصة التفكير بعودتي إلى التمثيل على الرغم من امتلائي بما يشدني إليه .

 

حاوره : سعد محمد رحيم

..

نشر في :

         ـ صحيفة الصباح الجديد ـ العدد 132 ـ 5 / 10 / 2004