الكاتب المسرحي العراقي صباح الانباري ، واحياء المسرح الصامت

       سأحتفظ بهدوئي بعيدا عن هموم الإخراج * اعمل على تجنيس المسرحية الصامتة * أطارد الموضوعات التي تحتفظ بالبراءة 

     

              التقاه في بغداد:هادي الربيعي

 لا يحظى فن البانتوميم المسرحي ، أو فن الميم وتعني فن التمثيل الصامت ، إذا أردنا دقة المصطلح ، ألا بالقليل الذي لا يكاد يذكر في العراق ، رغم أن هذا الفن بدا مع بدايات القرن العشرين ، وعلى التحديد في العقد الثاني منه ، وعلى الرغم من السير في طريق معقد وشائك ، فانه يفتقد إلى المرجعيات التي يمكن أن تنهض به ، إلا أن الكاتب المسرحي العراقي المعروف صباح الانباري ، استطاع أن ينهض بأعباء أحياء وتأسيس هذا النوع من الفن المسرحي ، بجهود فردية يمكن اعتبارها خارقة ، فعلى أحد جانبي الطريق تمضي أسراب المسرحيات الصائتة بحشود واعداد هائلة ، بينما يمضي هو في الجانب الآخر طائرا وحيدا ليرتفع بالمسرحية الصامتة إلى حيث تأخذ مكانتها اللائقة في المسرح العراقي الحديث ، ويكفي صباح الانباري فخرا وتتويجا لجهوده الكبيرة على هذا الطريق ، أن يعتبره شيخ نقاد المسرح العراقي الأستاذ علي مزاحم عباس ، واحد من أهم كتاب "الميم" وان موهبته في هذا المجال تمتلك تفردها وخصوصيتها وأهميتها في حركة المسرح العراقي المعاصر ، وفي هذا اللقاء نحاول أن نلقى الأضواء على طبيعة عمل هذا الكاتب ومدى الآفاق التي يتحرك فيها ومدى ما أنجز على طريقه الإبداعي المحفوف بالمتاعب .

 

  اعرف انك بدأت شاعرا ، يمتلك من الموهبة ما لا يمتلك الكثيرون ، فلماذا انعطفت إلى المسرح الصامت ؟

    ـ أنت تعرف اكثر من غيرك إن مشواري الإبداعي قد أبتدأ بالشعر ، كتبت القصيدة العمودية والحرة وقصيدة النثر ثم هجرته دون رجعة . قبل اكتمال عقدي الثاني كان الشعر شاغلي وهمي ووسيلتي وغايتي في إن واحد ، حفظت الكثير من الشعر العمودي ، وتأملت طويلا في الشعر الحر وقصيدة النثر ، وعلى الرغم من أنني نلت أكثر من فوز فيه ، هجرته تماما لقناعتي أنني لا يمكن أن أكون اكثر من نصف موهوب فيه في وقت اشترطت فيه على نفسي ما اشترط هاملت على نفسه في "أن أكون أو لا أكون" ، ومع ذلك ظل الشعر يتنفس من خلال كل سطر كتبته فيما بعد ناهيك عن بقاء علا قته بالنصوص المسرحية الصامتة التي كتبتها فيما بعد من خلال الصور التي يشتغل الأول على تكثيفها بينما يشتغل الثاني على منطقتها .

 

       ماهي سمات فن التمثيل الصامت ، وما الذي استطعت أن تحققه على طريق إرساء دعائمه ؟

      ـ إن فن التمثيل الصامت يعتمد أساسا على مقولة مهمة هي"إن الإنسان يعقل بصريا اكثر مما يعقل سمعيا" ، فهو إذن فن بصري جعل اشتغالي ،على الصورة كأداة من أدواته ، يستأثر باهتمامي الكبير ، فالصورة عندي تحتاج إلى فعل ، والفعل يحتاج إلى حركة ، والحركة تتأسس على رغبة أو هدف ، الهدف يبرر الحركة ، والحركة تعطي الفعل هيئته النهائية ، وبذلك تتشكل الصورة ، ويتشكل معها معنى محدد بتقارب الصور وتعاقبها وتساوقها وتداخلها يتشكل المعنى العام في هيئة نص مدون على الورق ، أو عرض قائم على الخشبة ولو قدر لك أن تتابع هذا الفن منذ بدايته الأولى في العراق عام 1919 ، ستجد إن الاهتمام كله منصب على تقديمه من خلال خشبة المسرح حسب ، وان نصوصه المحفوظة ، لا تعدو كونها في احسن الأحوال ، سيناريوهات عمل غير قابلة للتداول الأدبي بمعاناه القرائي ، وهذا هو الذي دفعني إلى التفكير بوضع لبنات أساسية لادب التمثيل الصامت ، فإذا استطاعت المسرحية الصائتة إن تجنس نفسها أدبيا منذ زمن طويل ، فهل يصعب علينا تجنيس المسرحية الصامتة أدبيا ؟ هذا هو ما حاولت الرد عليه من خلال نصوصي الصامتة جميعها .

 

  أين يكمن الاختلاف بين فن الميم ، ومسرح الصورة الذي أرى فيه سمات وملامح تقترب من مسرح الميم .. ؟             

ـ أنت تعرف إن الأستاذ صلاح القصب اشتغل على مسرح الصورة ، وهو يدرك اكثر من غيره إن الصورة لا تحتاج إلى كلمات في اغلب الأحيان ، وقد لا تحتاج للكلمات نهائيا ، فهي تتعامل بشكل أحادى مع حاسة البصر فحسب ، لذلك تراه يعمل على تفكيك النص أولا ، وإعادة تشكيله ذهنيا ثانيا ، ومن ثم تاطيره على المسرح كصورة ثالثا ، ومن هنا يمكنك أن تلاحظ وجود اصرة مهمة وكبيرة بين مسرح الصورة و المسرح الصامت واعتقد إن الأستاذ القصب لو لم يتخذ من مسرح الصورة منهجا خاصا يميزه ، لكان افضل من يقدم لنا الصورة الصامتة في العراق .  

 

   أين تكمن صعوبة هذا النوع المسرحي من وجهة نظرك ؟
ـ إن فن التمثيل الصامت فن صعب حقا ، واصعب ما فيه كتابة نصوصه بشكل أدبي . أستطيع أن أقول لك جازما انه يستحيل على الكاتب الذي لم يمارس العملية الإخراجية ، أن يبدع في هذا الجنس الفني ـ الأدبي ـ كما هو حاله مع بقية الأجناس الأخرى ، إن معرفة قواعد وشروط الخشبة معرفة تفصيلية دقيقة من شانها أن تمهد الطريق  أمام الكاتب ، وان تفتح خياله وقدراته العقلية على الابتكار والتأليف الخالص غير المعتمد على التناص ، والاتكاء على أعمال أخرى ، إلا بالحدود التي يراها مناسبة جدا للموضوعة التي يصار إلى طرحها وبث شفراتها من على الورق أو من على الخشبة .

 

       هل تحاول البحث عن موضوعات جديدة من خلال هذا النوع المسرحي ؟

ـ هذا ما فعلته بالضبط وما سوف افعله مستقبلا ، البحث الجاد المثابر عن الموضوعات الإنسانية البريئة الخالصة النقية ، صحيح إن الأفكار كلها قيلت فيما مضى بأشكال مختلفة ، وصحيح من يجزم إن مانكتبه الآن كله ثمرة تناص مع المنجز الإنساني الهائل ، منذ بدا الإنسان القراءة والكتابة ، إلا إن الصامت منه لم يكن هائلا عبر التاريخ الإبداعي ، وهذا يعني إن ثمة مواضيع ما زالت تحتفظ ببعض أو كل براءتها ، وأنا ازعم إنني من يطرادها ويسعى جاهدا عامدا للامساك بتلابيبها .

 

       ساهمت في إخراج العديد من المسرحيات فيكيف خضت تجربة مسرحيات الميم .. ؟

ـ أخرجت مسرحيتي الصامتة " الالتحام في فضاءات الصمت " ضمن مهرجان الشباب الذي أقيم بالتعاون بين كلية المعلمين في ديالى واتحاد الأدباء والكتاب فيها وقد حازت على نجاح كبير وتجاوب اكبر من قبل جمهور النظارة، ولم اكرر التجربة بسبب عدم مواضبة الكادر التمثيلي . أن تغيب ممثل واحد لمرتين يجعلني فريسة للقلق الدائم لذلك فضلت الاحتفاظ برباطة جأشي وبرودة أعصابي ، وتركت الإخراج لمن هو اكثر تحملا مني أنا أريد من الممثل أن يكون منضبطا ملتزما ، متفانيا ، مخلصا في عمله ، متحمسا له ، تصور عندما فاتحني الأستاذ حسب الله يحيى لتقديم عروض صامتة على مسرح مركز صدام للفنون وهو من أهم الشواخص المسرحية في العراق فضلا عن كونه أهم مركز للفنون لم أجد في الفرقة إلا حماسا فاترا مدعوما بالكسل والتراخي . ومع ذلك أنا احترم انشغال البعض منهم بهموم الحياة وكسب الرزق في وقت لم يعد فيه توفير القوت اليومي سهلا كما كان في زمن ما قبل الحصار.

 

       هل يمكننا القول إن النقد قد أنصفك ؟

ـ لقد انصفني النقد على يدي شيخ نقاد المسرح في العراق الأستاذ علي مزاحم عباس سواء في كتابته إضاءة لإحدى مسرحياتي الصامتة المنشورة في مجلة"ألف باء" العراقية ، أو في الدراسة القيمة التي نشرها في مجلة الرواد العراقية تحت عنوان فن التمثيل الصامت الميم في العراق للسنوات 1919 ـ 1998 أو في المخطوطة التي يأمل صدورها عن دار الشؤون الثقافية العامة ضمن سلسلة الموسوعة الصغيرة ، أنا فخور بما أنجزت لا لأنني أنجزته بالفعل ، ولكن لان ناقدا كبيرا مثل الأستاذ علي مزاحم عباس يؤكد على أنه "لا يداني صباح الانباري أي كاتب ميم آخر ينفرد بموقفه من الناس والأرض والأخلاق موقفا صارما حادا وقاسيا" .

 

       هل يمكن اعتبار نصوص "الميم" نصوصا أدبية كجنس إبداعي جديد ؟

   ـ النص الصامت عندي يمر بمرحلته الجنينية ، القارئ العادي ، والقارئ المتأمل لم يتعودا على تلقيه قرائيا ، الا أن قبوله والاستمتاع بقراءته من قبل النخبة ، يبشر بإمكانية احتلاله موقعا متميزا بين النصوص الأدبية المجنسة ، شرط أن يطرق الكتاب المسرحيون أبواب هذا النص و أرجو  أن لا تفهم دعوتي هذه على أنها تأكيد لعزل هذا النص عن الخشبة التي كتب أصلا ليقدم من عليها .

        ـــــــــــــــــــ

* صباح الانباري ناقد مسرحي عراقي صدرت له أواخر عام 2000  مجموعة مسرحيات تحت عنوان " طقوس صامتة .

       هادي الربيعي شاعر عراقي صدرت له سبع مجاميع شعرية وروايتان وكتاب نقدي . 

 

 نشرت في :

 ـ صحيفة العرب العالمية ـ العدد 6312ـ التاريخ 11-13/1/2002

 ـ المشهد ـ العدد4 ـ التاريخ شتاء 2001