العنف في مسرح صباح الأنباري

الاستاذ الأزرقي كان قد طرح عليّ اسئلة تتعلق بتناولي للعنف في مسرحياتي، ضمن مشروع اطروحته حول موضوعة العنف في المسرح العراقي، ووجدت ان من حق القاريء عليّ اطلاعه على تلك الاجابات التي ألقت باضوائها على هذا الجانب المهم من جوانب اشتغالاتي الدرامية:

 

      كيف تناولت قضية العنف في نصوصك المسرحية وخصوصا مسرحية شهوة النهايات؟

قبل البدء بكيفيات تناولي للعنف في نصوصي أرى لزاما علي إطلاعك على موجز تاريخ العنف الذي بدأ معي منذ عام 1957 عندما وضعتني أمي على كتفها الأيسر لأرى من خلف الجموع المحتشدة وجهه الطفولي وهو يحيي المحتشدين بهدوء ملائكي يليق بالملوك الصغار.. جاء إلى بعقوبتنا ربما ليعرب عن امتنانه، وربما لأسباب أخر لم أكن أعي كنهها وقتذاك.. انطبعت صورته في ذاكرتي مشفوعة بمزيد من الحب والبراءة، ثم اضطربت تلك الصورة حين سمعت صوت الرصاص ونحيب أمي الذي فاجأني فألححت بالسؤال عمن ادخل الحزن إلى قلبها بهذه الطريقة المريعة.. قالت وهي تجهش بالبكاء: "قتلوه.. قتلوا الملك الشاب.. يا عيني على شبابه" واستمرت بالبكاء.. أحسست وأنا ابن خمس أنني فقدت صورة فريدة من ذاكرتي ربما كنت أريد أن تكون قريبة مني على الدوام، وتساءلت في سري لماذا قتلوه؟

ازدادت صورة القتل بشاعة وأنا اسمعهم يقولون:

ربطوا أحدهم بحبل، و(سحلوه) على شوارع بغداد.. يا الهي كيف يمكن لأحد أن يفعل هذا حتى وان كان عدوه اللدود؟.. لم أكن متأكدا من شخصية هذا الذي (سحلوه) وقتذاك، ولكن الذي كنت متأكدا منه أنهم قاموا بهذه الفعلة الرهيبة.

في عامي الخامس دخلت بشكل خاص إلى المدرسة الابتدائية وقد وافق مديرها على بقائي فيها كطالب غير مسجل رسمياً (مستمع) حسب، لأنني أثبت قدرتي على استيعاب ما لا يستوعبه نظرائي.. ومنذ الصف الأول كنا نخرج إلى الشارع كلما توقفت تظاهرة ما قرب مدرستنا فيأخذنا حماس غير مفهوم لمساندة المتظاهرين، وكنا أحيانا نكتفي بالمشاهدة البريئة لكن ما علق في ذاكرتنا، وقبع في أغوارها القصية بملامحه القاسية الدامية ذلك الخوف الكبير الذي كنا نشعر به ونحن نرى بأم أعيننا  تظاهرتين ما ان تشتبكا حتى يبدأ بينهما عراك دموي: ضرب بالهراوات، وطعن بأسياخ الكباب، ولكم بالقبضات الحديدية (بوكس حديد)، وطعن بسكاكين مفصلية (أم الياي).. شيوعيون يسقطون مضرجين بالدم، وقوميون يقفزون منتشين لمرأى الضحايا على إيقاع رتيب.. ثم تختلط الدماء بلون التراب أو القار، وينقل الجميع  إلى المستشفى.. انقلابات سياسية متعاقبة )تدستر( قتل من سبقها إلى السلطة.. محاكمات، ومؤامرات في الخفاء، والعلن.. دم في الشوارع.. دم في البيوت، وخوف يملأ القلوب الواجمة، وجثث معلقة في الساحات العامة، ومشاهد إعدام عسكريين على مرأى من الجميع.. مداهمة بيوت آمنة، وأوكار عازمة على المضي في طريقها إلى حيث تريد.. صنوف من الشرطة والشرطة السرية تنقض على مشتبه بانضمامهم إلى جهة ما.. ضرب متكرر بالهراوات (الدونكي).. ضرب على الرأس بالساطور (القامة)، وضرب رتيب على الظهر بـ(الزناجيل) حد انسلاخ الجلد وتقرح اللحم الحي في مواكب تستذكر واقعة الطف بعنف.. اغتيالات واغتصابات وهتك أعراض وسجون.. ومعاملة خشنة لي كلما زرت خالي في سجن بعقوبة سئ الصيت.. آذان مقطوعة لأنها رفضت قبول الموت ببرود.. مطاردات متكررة لأخي الهارب من جحيم حرب لا معنى لها، وسقوط أخي الصغير قتيلا (شهيدا) على جبل ماوت.. استدعاءات من قبل استخبارات العسكر بشكل دوري كي تثبت أن لا علاقة لك بجماعات حظر عملها السياسي والوطني.. تعنيف لي وترهيب لزوجتي في دوائر أمن الدولة.. مفخخات وأحزمة ناسفة أدمت قلوبنا بقتلها فلذات أكبدانا.. موت ابن أخي بانفجار قبل ان يكمل الخامسة عشر من عمره مع من كان معه من الأطفال الأبرياء.. اغتيال صديقي مؤيد أمام باب داره وعلى مرأى من زوجته وبنيه.. اعتقال أخي، من قبل المارينز، مع من كان متواجدا قرب متجره لسنة أو يزيد قليلا بوشاية صغيرة.. حرق المكتبة الوطنية.. سرقة المتحف العراقي، ومركز الفنون.. تدمير مسرح الرشيد.. ذبح شقيق صديقي الضاحي وابنه على قارعة الطريق.. اختفاء أمي وشقيقتي من الوجود.. مشاهد دامية رسخت في ذاكرتي وحفرت فيها أبشع صورها الدموية، وبعد كل هذا وقبله ما زال السؤال يلح علي: ترى هل كنت طفلا ككل أطفال العالم على الرغم من أنني ما زلت احتفظ بشكي الكبير ببراءة طفولتي التي بددها العنف والعسف والخوف منذ نعومة أضفاري؟.. أهذا هو عالمي حقا؟

 يقول الناقد الكبير علي مزاحم عباس في كتابه (المسرح الصامت) مؤكدا على ذلك:

"إن عالم صباح الانباري عالم عنيف وقاس..يجري في ظاهره وأعماقه صراع ضار لا هوادة فيه لا تتورع القوى الشريرة الغامضة عن ارتكاب أفضع الجرائم من اغتصاب وقتل في سبيل ترويض الأخيار.. ولا يداني صباح الانباري أي كاتب ميم آخر.. ينفرد بموقفه من الناس والأرض والأخلاق.. موقفا صارما حادا وقاسيا لكن المرء يحس أن المرارة التي تغلف موضوعاته فيها حلاوة الإدراك وعذوبة الحب وتلك رسالة لم تبلغ إلا القلة."

إن هذا العنف، وتلك القسوة، وما اختزنته ذاكرتي على مر الزمن من مشاهد القتل والذبح، والتعذيب والتنكيل، والتغييب والترهيب، والخسارات والانتهاكات، والتيئيس والتسييس، دفعتني كلها إلى اجتراح ما يمكن الاشتغال عليه كمتنفس لاختناقاتي ومهديء لعذاباتي التي لم يسعفها الشعر ولا القصة ولا الفوتوغراف قدر ما أسعفها أسلوبي الجديد في الصمت الدرامي الذي استوعب، أو يكاد، شبكة أحلامي، وكوابيسي، وما انطوت عليه حياتي من العنف والعسف.. فعملت جاهدا على وضع لبنات هذا الأسلوب موضع التدريب والتجريب فكتبت عددا من الصوامت التي أزعم أنني أول من عمل على تجنيسها تجنيساً أدبياً بجعلها قابلة للقراءة والعرض والإلقاء في آن. وقمت بتجربة فريدة من نوعها في اتحاد الأدباء في بغداد ساعة قرأت نصي الصامت (حلقة الصمت المفقودة) والذي كاد أن يلقي بي في سجون النظام بعد أن رأى رئيس الاتحاد ،آنذاك، بالأذن والعين صورة الديكتاتور، وسلوكه المنحرف من خلال قراءتي (إلقائي) للنص بطريقة تمثيلية أحسب أنها كانت متقنة إلى حد ما.. ولولا تدخل بعض المحبين من الأدباء وإقناعه بالعدول عن فكرة تقديمي لأمن النظام لكنت الآن من في عالم يتمتع النظام باختياره لأمثالي.. وعن هذه التجربة الفريدة في الإلقاء الفني التمثيلي أعد الأستاذ والكاتب المسرحي الكبير محي الدين زنكنه مقدمة قال في خاتمتها:

"إذا كان بشار قد جعل الآذان كالعين توفي القلب ما كانا..

 فاننا نأمل في قراءة صباح.. أن تستحيل آذاننا عيونا.. توفي الحواس كلها.. ما كان.. أو يكون.. إننا أيها الإخوة بصدد رؤية سمعية إن صح  التعبير وان لم يصح فأمام رؤية.. فلندعه يفتح عيوننا عفوا، آذاننا لنرى ونتخيل ونتصور، ويحقن قوانا الذهنية.. وأخيرا أحببت أن لا أتحدث عن المسرحيات احتراما لصمتها الذي لاذت به، ومن الصمت ما هو ابلغ من الكلام فلم أعرها لساني لأني واثق أنها بالرغم من صحتها وربما بسبب صمتها تملك لسانا بل السنة أطول من لساني واقدر على الحديث عن نفسها. وأيضا. لأني لم أرد  أن احرم المشاهدين ـــ عفوا المستمعين ـــ لا بل المشاهدين متعة المشاهدة والمعاينة.. بـ الأذن."

ولم يسعفني الظرف السياسي تقديم قراءات مماثلة أخرى إلى أن جاءنا ظرف سياسي آخر جاد على البلاد والعباد بديمقراطيات مفخخة، وأنواع جديدة من العنف  والجينوسايد الديمقراطيين فرحت ابحث عن آليات جديدة للتعبير عن حدث هو في الحقيقة اكبر وأوقع من أي تعبير فاشتغلت على مجاورة المشاهد الصامتة  للمشاهد الصائتة وصرت كلما توقف عندي البوح الصائت التجأ إلى البوح الصامت لأطلق ما احتبس في داخلي من المرارات والعذابات بهيئة صور درامية وتشكيلات مرئية منطلقا من حقيقة أن "المرء يدرك بصريا أكثر مما يدرك سمعيا". وإذ نبهني احد أصدقائي المبدعين إلى ضرورة ابتكار الصور والإحداث المسرحية رحت أبدل صور الواقع المعيش بالصور الابتكارية في محاولة مني للاقتراب من جوهر الحدث والابتعاد عن تصوير سطحه الخارجي الذي يمكن للجميع رؤيته بشكل يومي.

هكذا تجسد العنف في مسرحياتي الصوامت منها والصوائت، وهذا هو ما اشتغلت عليه في مسرحية (قطار الموت) وسائر صوامتي الأخرى، وفي مسرحية (مقدمة من اجل شهوة النهايات) الصائتة وما بعدها تاركا فيها للمخرج اختيار طريقة الاشتغال عليها كمونودراما أو كمسرحية بعدد كبير من الشخوص. ولم تكن الفانتازيا إلا وسيلة فاعلة أمسكت بوساطتها ذهن المتلقي ليستمر برغبة وشوق في متابعة أحداث المسرحية التي أريد تقديمها كفن بعيد عن التقريرية، والحدث السياسي، واليومي، والعابر على الرغم من اشتغالي الجزئي المقصود على المباشرة في بعض جوانب النص خدمة للفكرة الرئيسة. ولأعبر عن فنتازيّة الأحداث الحقيقية ذلك لحدوث ما لا يمكن تصديق حدوثه على ارض الواقع العراقي. إن واقعية الفنتازيا أو فانتازيا الواقع أجبرتني على البحث الدءوب عما بعدها، وهذا ما حققته فعلا في نصين لاحقين.

      ما هو نوع العرض (الواقعية، الفانتازيا ...الخ) الذي استخدمته في تصوير العنف في مسرحياتك ولماذا؟

 

النصوص التي كتبتها مؤخرا لا تشتغل على الواقعية لوحدها ولا على الفانتازيا لوحدها ولا على اشتراطات أو موجهات دون غيرها بعد أن تحول الواقع العراقي إلى ما هو أكثر خيالية من الخيال، وأكثر غرائبية من الغرابة، ولكي أكون مقنعا بما فيه الكفاية فان علي ابتكار فنتازيتي الخاصة التي تجعل المدهش أكثر دهشة، وتسويغا، وقبولا على انه الصورة البديلة المعادلة أو المتفوقة على مادة الواقع الغرائبي المعيش، وقد أطلقت على (الفانتازيا الخاصة) تلك مجازا (ما بعد الفانتازيا) فعندما تؤمر، تحت التهديد والضغط، أن تضع جسد ابنك في فرن ثم تؤمر بقطع جزء منه واكلها دون تذمر فان هذا يعني أن خيالية هذه الصورة قد تجاوزت حدود الواقع إلى المبالغة المفرطة والفانتازيا، والى إسقاط مصداقيتها مع أنها صورة واقعية صادقة؟

 كيف تتعامل مع هكذا واقع إذن؟

لا بد لك وأنت تتناول الواقع العراقي أن تتعامل معه على أساس الاشتغال على ما بعد الفنتازيا، وما بعد الخيال، وما بعد الأسطورة لتنتج صورا تمس جوهر العنف والطريقة التي تحول بها عبر الزمن إلى مادة غرائبية فالجنية كما ترى في مسرحية (مقدمة من اجل شهوة النهايات) شئ من نسج خيالنا ولكنها اكتسبت في النص صفات جعلتها تتجاوز الخيالي والأسطوري إلى ما بعدهما عندما تعجز أن تفعل شيئا إزاء العنف المارينزي الذي ينتظرها، وعندما يكون عمود النور المنبثق من تحت الأرض، كما لو انه عمود نفط، هو البديل لقوتها الخرافية فأنها  تصل إلى مفترق الطرق بين ما هي عليه وبين ما صارت عليه بين قواها التقليدية وبين القوة الجديدة الخارقة الداعمة لها ولشخصية (صلاح العراقي) ضد القوى المارينزية الهائلة المدججة بالنار والسلاح. وحتى صلاح نفسه تراه وهو يحترق بنار مكتبة العراق ويتفحم جسده تماما يستخدم دموع الجنية لاستعادة فاعليته لأن الروح التي تسكنها هي روح (جواد سليم) المسكونة بالحرية، والتي يستمد منها العراقي، أو عليه أن يستمد منها، قدرته على كسر القيود والبنود التي تكبل قدرته على المضي أبدا نحو الحياة الحرة الكريمة. قد لا يبدو لك الأسلوب الجديد واضحا تماماً في هذه المسرحية ولكنك ستجده كذلك في النصوص التي كتبتها بعد هذا النص وآمل أن يكون بالمستطاع نشرها قريبا.

 

      ما هو رأيك في المحاولات الأخرى للكتاب العراقيين في تصوير العنف في كتاباتهم المسرحية؟

 

لكل منهم أسلوبه في تناول موضوعة العنف وبالطريقة التي يراها ملائمة لاستيعاب أفكاره ورؤيته للواقع العراقي المعيش وليس لي القدرة، الآن على الأقل، للكتابة عن تجاربهم لتنوعها كما ونوعا.. نحن نحتاج إلى وقت إضافي لتتضح الأساليب ويصبح من الممكن وقتئذ التحليل والتأويل، عليه يمكنني التحدث عن نصوص عراقية أو عربية اشتغلت على موضوعة العنف ولا يمكنني التحدث عن كتّاب لهم أسلوب واضح في تناول العنف. وهذا ينطبق علي ككاتب مسرحي أيضا إلى أن تطبع نصوصي الجديدة.